ذ.خالد التواج يكتب: ما لم تقله خطبة الجمعة (عن الزكاة)

24 يونيو 2026 19:57

هوية بريس – ذ.خالد التواج

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

تناولت خطبة 3 محرم 1448هـ الموافق لـ19/6/2026م موضوع “فَرِيضَة الزَّكَاةِ وَدَوْرهَا فِي تَزْكِيَةِ الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ”، وهي مناسبةٌ لبداية شهر المحرم أول أشهر السنة الهجرية، والذي يتخذه بعض الناس شهر حولان الحول لأداء زكواتهم، لكنها لم تخرج عن إطار التذكير العام بمكانة الزكاة في الإسلام وحكمها وفضلها ومقاصدها، وكان المطلوب منها أن تجيب عن أسئلة المتلقين بحيث يخرجون من صلاة الجمعة وقد عرفوا أنواع الأموال التي تجب فيها الزكاة وأنصبتها ومقدار ما تجب فيها.

ملاحظات على الخطبة:

1- سبق أن تم تناول موضوع الزكاة في خطب موحدة سابقة في إطار خطة تسديد التبليغ منها:

خطبة الجمعة بعنوان: «الزكاة تزكية للأنفس والأموال» ليوم: 19 جمادى الأولى 1446هـ، الموافق لـ: 22 نوفمبر 2024م.
خطبة الجمعة بعنوان: الحضّ على دفع الزَّكاة لمستحقِّيها والتَّحذير من تأخيرها أو منعها. ليوم: 26 جمادى الأولى 1446هـ، الموافق لـ: 29 نوفمبر 2024م.

خطبة الجمعة بعنوان: الإنفاق في سبيل الله من أهم ثمار الإيمان ليوم: 11 جمادى الآخرة 1446هـ، الموافق لـ: 13 دجنبر 2024م.

ومن المفيد جدا تكرار المواضيع في خطب الجمعة بين الفينة والأخرى وحسب المناسبات لتثبيت المعاني وتقريرها في النفوس، ولكن بأساليب وطرق متنوعة.

2- الزَّكاة ليست مجرد إحسان متروك لاختيار المسلم، وإنما هي فريضة إلزاميَّة، يستوفيها ولي الأمر من المكلفين بها، ويصرفها على المستحقين لها، لذا كان الخطاب القرآني للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بصفته رئيسا للدولة وهو ما لم تشر إليه الخطبة عند ذكر قوله تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ التوبة: 103.

ولذلك فإن تحصيل الزَّكاة ليست مسئولية الأفراد، بل هو وظيفة للدولة، ألزم بها الإسلام حكوماته، ولم يوكلها إلى الأفراد؛ وعلى هذا فيجب أن يكون للدولة جهاز كامل، وهم العاملون عليها، وإنَّ ترك الدولة إخراجَ الزَّكاة للأفراد ليس هو الأصل، ولا هو الأولى.

والواقع التاريخي في عهد الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يؤكد على أن تحصيل الزَّكاة وتوزيعها من شئون الدولة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث السعاة إلى المناطق المختلفة لجمع الزكاة، وكان عليه الصلاة والسلام والخليفتان من بعده يأخذون الزكاة من كل الأموال، إلى أن فوض عثمان بن عفان رضي الله عنه في خلافته أداء الزكاة إلى ملاكها عن الأموال الباطنة.

وفي إطار التجارب الحديثة في تحصيل الزكاة، نشأت مؤسسات أهلية و رسمية في عدد من الدول الإسلامية، انتبهت إلى ضرورة تنظيم العمليات المتعلقة بالزكاة، وكان من هذه المؤسسات ما يعتمد أسلوب الاختيار في جمع الزكاة من دون أن يلزم أصحاب الأموال بدفعها، ويكتفي بالوازع الديني دافعا إلى إعطاء الزكاة المستحقة في المال، حيث لا تخول النظم القانونية لها إجبار المالك على الأداء، وهناك مؤسسات تعتمد الأسلوب الإلزامي في قوانينها لجمع الزكاة.

3- من الشبهات التي تطرح في موضوع الزكاة ولم تشر إليها الخطبة:

– حكم الزكاة في المال المدخر لأي غرض:

مهما كان الغرض من جمع المال سواء للحج أو الزواج أو بناء أو شراء مسكن أو سيارة أو غير ذلك، فإن الزكاة تجب فيه، لأن هذا حق للفقراء، والزكاة واجبة في كل مال بلغ النصاب وحال عليه الحول.

ورد عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: “اتَّجِرُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى لَا تَأْكُلُهَا الزَّكَاةُ”.

وعَنْه أيضا عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَلِينِي وَأَخًا لِي يَتِيمَيْنِ فِي حَجْرِهَا، فَكَانَتْ تُخْرِجُ مِنْ أَمْوَالِنَا الزَّكَاةَ.”[1]

وكل مال استفاده الإنسان فإنه ينتظر مرور سنة هجرية ثم يزكي عنه إذ بلغ النصاب، وقد جاء في الخطبة “غير أن المراد بالحول مرور العام على استفادة المال؛ من كسب أو هبة، أو ميراث، أو فتح متجر، أو غير ذلك من وجوه التملك والمقدار الواجب إخراجه”

– الضريبة والزكاة؛

وهل تغني الضريبة عن الزكاة؟ هناك فرق بين الزكاة والضريبة من عدة وجوه:

أولاً: الزكاة جزء من مال المسلم فرض الله عليه أن يخرجه على الوجه المخصوص، والضريبة فرضتها الدولة لقاء خدماتها للمواطنين.

ثانياً: الزكاة يجب دفعها إلى الأصناف الثمانية، والضريبة تأخذها الدولة، ولا علاقة لها بالفقراء ولا غيرهم من الأصناف الثمانية.

ثالثا: الزكاة حدد الشارع مقدارها، ولا يستطيع أحد أن يزيد فيها أو ينقص منها، والضريبة تحددها الدولة، فيزيد وينقص حسب مصلحة الدولة.

رابعاً: الزكاة لها شروط خاصة من نصاب وحول وملكية وإسلام، والضريبة لا تخضع لشيء من هذه الشروط، وإنما تكون حسب ما تراه الدولة وتقتضيه المصلحة، وتختلف من بلد لبلد.

– طريقة إعطاء الزكاة:

إن ترك توزيع الزكاة على الفقراء والمحتاجين للمزكين بشكل عشوائي يجعل الأمر قليل الجدوى والأثر في المجتمع ،ومعرفة من يستحق الزكاة من الفقراء يحتاج إلى بحث وتقصي، مع العلم أن الفقر على مستوى المجتمع لم يعد موضوعا متروكا للحكم الجزافي، بل صار موضوعا للقياس والتصنيف على المستويين الدولي والوطني، والدولة اليوم تملك المعطيات التفصيلية حول الفقر والهشاشة وحول الأغنياء وأموالهم المختلفة، ولديها الوسائل والأدوات لتحصيل الزكاة وحسن توزيعها على مستحقيها، وتتبع وتقييم أثرها في المجتمع.

فكثير من الأفراد قد يضعف إيمانهم، فيمتنعون عن إخراج الزكاة، كما أن صرف الزَّكاة ليس مقصورًا على الأفراد من الفقراء والمساكين وأبناء السبيل، فمن المجالات التي تصرف فيها الزَّكاة المصالح العامة للمسلمين، لا يقدِّرها الأفراد، وإنما تقدِّرها الدولة ومؤسساتها.

4- جاء في الخطبة “تنزيـلا لمقاصد الشـريعة فـي إعادة توزيع الثروة لكي لا تكون دولة بين الأغنياء” إلى متى سنظل نتحدث عن الفقر والفقراء، وكأن الفقر قدرٌ حتميٌ يخضع له الناس، وإنما هو آفة اجتماعية يمكن علاجها أو التقليل من حدتها، ويبقى توفير حد الكفاية للناس مطلبا ضروريا، وتعتبر الدولة مسؤولة عن ذلك سواء انفردت هي بعبء التمويل، أو اشتركت مع القادرين من أبناء المجتمع في ذلك.

ويوضح الإمام ابن حزم الحاجات الأساسية هذه، والتي يجب أن تتوفر لكل إنسان في ظل الإسلام بقوله: “وفرض على الأغنياء في كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك، إن لم تقم الزكوات ولا في سائر المسلمين بهم فيقام لهم بما يلزمهم من القوت الذي لا بد منه، ومن ملبس للصيف والشتاء مثل ذلك، ومن مسكن يكفيهم من الشمس والمطر وعيون المارة” [2].

“كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن وهو بالعراق: “أن أخرج للناس أعطياتهم، فكتب إليه عبد الحميد: إني قد أخرجت للناس أعطياتهم وقد بقي في بيت المال مال، فكتب إليه: أن انظر كل من أدان في غير سفه ولا سرف فاقض عنه، قال: قد قضيت عنهم وبقي في بيت المال مال، فكتب إليه: أن زوج كل شاب يريد الزواج، فكتب إليه: إني قد زوجت كل من وجدت وقد بقي في بيت مال المسلمين مال، فكتب إليه بعد مخرج هذا: أن انظر من كانت عليه جزية فضعف عن أرضه، فأسلفه ما يقوى به على عمل أرضه، فإنا لا نريدهم لعام ولا لعامين”[3].

5- ركزت الخطبة على صنفين من الأصناف الثمانية وهما الفقراء والمساكين، في حين هناك أصناف تمثل مصالح عامة في المجتمع، ومصارف الزكاة هي الجهات المستحقة للزكاة المذكورة في قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم﴾ التوبة 60.

6- جاء في الخطبة: ”فما على المسلم إلا أن يحرص على إخراج زكاته وإعطائها لمستحقيها من الفقراء والمساكين، ويسأل عن فقهها وأحكامها حسب أحواله المادية وأمواله المتنوعة”.

إن إشاعة فقه الزكاة في الناس يتطلب حملة علمية تواصلية للتفقه في أحكام الزكاة مثل:

– إعداد حلقات في الإعلام العمومي خاصة “برنامج يسالونك”.

– تنظيم أيام تواصلية في المجالس العلمية المحلية لهذا الغرض.

– تنظيم أبواب مفتوحة في الفضاءات العمومية من طرف المجالس العلمية المحلية.

– إلقاء دروس علمية في المساجد.

– إصدار دليل المزكي وفق المذهب المالكي.

7- نصاب الزكاة

جاء في الخطبة “والمقدار الواجب إخراجه «ربع العشر» أي: اثنان ونصف في المائة، في النقود وعروض التجارة وكل مال مكتسب من تجارة أو إجارة.” ولم تشر إلى ما اعتمده المجلس العلمي الأعلى في بلدنا في تقدير نصاب الزكاة هو نصاب الفضة الذي يعادل: (595) غراماً من الفضة الخالصة، بدلاً من نصاب الذهب، ليبلغ النصاب حالياً 12.197درهماً مغربياً. معللا تقديره بالأخذ بأدنى النصابين وهو الآن الفضَّة، توسيعا لوعاء المزكين وذلك مراعاةً لمصلحة الفقراء.

والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]- موطأ مالك، باب في زكاة في أموال اليتامى والتجارة لهم فيها.

[2]- المحلى، لابن حزم، ج6 صفحة 156.

[3]- كتاب الأموال، أبو عبيد القاسم بن سلاَّم.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
21°
23°
الخميس
23°
الجمعة
24°
السبت
23°
أحد

كاريكاتير

حديث الصورة