تأملات تدبرية في قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾

24 يونيو 2026 18:55
أعظم مفاخر عثمان جمعُ الأمَّة على مصحفٍ واحدٍ

تأملات تدبرية في قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾

هوية بريس – د. علي محمد الصلابي

في مجموعة من الآيات الكونية المبهرة التي ساقتها سورة يس للاستدلال على حقيقة الألوهية وعلى طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق وشهادة ذلك على إمكانية البعث وحتميته جاءت هذه الآية الكريمة التي يقول فيها ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس:41].

والخطاب في هذه الآية الكريمة موجَّهٌ إلى الناس كلهم بأن ذريتهم جميعاً من البلايين التي عاشت وماتت من بعد طوفان نوح إلى اليوم، والبلايين التي تملأ جنبات الأرض حالياً، وممن سوف يخلفوننا إلى قيام الساعة، كل هؤلاء كانوا محمولين في الفلك المشحون في صلب عبد الله ونبيه نوح على نبينا وعليه من الله السلام، فالموجة الثانية من ذرية آدم إلى آخر من يعقّب كانت في سفينة نبي الله نوح عليه السلام، وعلى ذلك فإن هذا النبي والذين معه في الفلك من صلب نوح يمثلون الأبوة الثانية للبشرية بعد هلاك جميع من كفر من قوم نوح بالطوفان (النجار، 1/200).

إنَّ البلايين من بني آدم الذين سوف يخلقون من بعدنا إلى قيام الساعة كل هؤلاء كانوا في الأصل من صلب أبينا آدم (عليه السلام) لحظة خلقه، فالمعارف المكتسبة من علم الوراثة، تؤكد على حقيقة أن بني آدم جميعاً كانوا في صلب أبيهم آدم لحظة خلقه، أي في شيفرته الوراثية المتخلقة في خلاياه التكاثرية والتي يخلقها ربنا تبارك وتعالى من موضع دقيق في صلب أبينا آدم عليه السلام، شاركته فيه أمّنا حواء التي خلقها الله عزَّ وجل من نفس الأصل الذي خلق منه أبانا آدم عليه السلام؛ لأن الله خلق كل شيء في زوجية واضحة، حتى يبقى – سبحانه – منفرداً بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه، ثم جعل بنا تبارك وتعالى من التزاوج بين بني آدم سنة من سنن الحياة وسبباً في تكاثر وعمارة الأرض، ولذلك جعل هذا الخالق العظيم الحكيم العليم الشيفرة الوراثية للإنسان في معظم خلاياه (النجار، 1/201).

ومن المخزون الوراثي الأول الذي كان في صلب أبينا آدم (عليه السلام) انتقل جزء إلى صلب نوح (عليه السلام) وإلى أصلاب من آمن به ونجا معه، وهذا الجزء يشكل المخزون الوراثي الثاني الذي خلق منه ولا يزال يخلق منه، وسوف يظل يخلق منه كل البشر من بعد طوفان نوح إلى قيام الساعة، ولذلك قال ربنا تبارك وتعالى مخاطباً الناس من بعد نوح:

-﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس:41].

-وقال عزَّ من قائل: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة:11].

-وقال وهو أصدق القائلين: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء:3].

ومن معاني هذه الآيات القرآنية الكريمة الثلاثة، أن جميع أفراد الدورة الثانية للبشرية من لدن نجاة عبد الله ونبيه نوح (عليه السلام) والذين آمنوا معه من نازلة الطوفان إلى قيام الساعة كانوا جميعاً في الفلك المشحون أي: في سفينة نوح عليه السلام، ولم يكن ممكناً تصور هذه الحقيقة إلا بعد التطور الهائل والمذهل في علوم الوراثة مع بداية القرن العشرين، وسبق القرآن الكريم بالإشارة الضمنية إلى هذه الحقيقة، والتأكيد على أنها من آيات الله في الخلق، يشهد بأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية، بل هو كلام الله الخالق، ويشهد للرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة والرسالة، كما يشهد للآية الحادية والأربعين من سورة يس بأنها وجه من أوجه الإعجاز العلمي والإنبائي في كتاب الله القائل: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ۝٤١ وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ ۝٤٢ وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ ۝٤٣ إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ﴾ [يس:41‑44].

 

المصادر والمراجع:

  1. النجار، زغلول. من آيات الإعجاز الإنبائي والتاريخي، دار المعرفة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2013م.
  2. الصلابي، علي محمد. نبي الله هود (عليه السلام) وأسباب زوال حضارة قوم عاد. دار ابن كثير.

 

 

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
22°
23°
الخميس
23°
الجمعة
24°
السبت
23°
أحد

كاريكاتير

حديث الصورة