الحرب على إيران: أية تداعيات على المغرب؟

27 مارس 2026 07:41
محطات الوقود تستنجد بمجلس المنافسة

الحرب على إيران: أية تداعيات على المغرب؟

هوية بريس – بلال التليدي

ثمة سؤال بدأ يطرح بشدة في أوساط النخب المغربية حول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتداعياتها على المغرب.

لحد الآن، لم يصدر أي شيء حكومي رسمي يشير إلى تأثيرات هذه الحرب السياسية والاستراتيجية والاقتصادية على المغرب، ولم يسمع إلى اليوم في خطاب الفاعل الحكومي أي حديث عن تغييرات محتملة في السياسات العمومية تكيفا مع تأثيرات هذه الحرب، والظن أن هناك نوعا من الصمت المقصود، المبرر بعدم الحاجة إلى صدم الرأي العام، ما دام الحديث جاريا عن إمكان وقف الحرب وتحقيق تسوية بين واشنطن وطهران، فالاستحقاق الانتخابي له مفعوله بدون شك في هذا الموضوع.

التأثير الوحيد الذي يبدو واضحا في السياسات الحكومية هو إقدام الحكومة على اعتماد الإجراء نفسه الذي اعتمدته زمن الحرب الروسية على أوكرانيا عندما ارتفعت أسعار المحروقات، فقامت بتقديم دعم لوسائل النقل العمومي وحدها دون غيرها.

والحقيقة، أن سياسة المغرب، دائما تنحو منحى الطمأنة الاجتماعية، وعدم الإفصاح عن تـأثيرات الأزمات الدولية إلا في اللحظة التي يتم فيها الاضطرار إلى سياسات عمومية مكلفة اجتماعيا.

لكن مهما تكن سياسة الصمت والطمأنة هذه، فهناك وعي عميق بأن المغرب لن يكون بمنأى عن مواجهة تحديات متعاظمة، تأخذ أكثر من بعد، استراتيجي، وسياسي، واقتصادي واجتماعي.

على المستوى الاستراتيجي، فعلى الرغم من بعد المغرب جغرافيا عن منطقة الحرب والتوتر، فإنه معني مباشرة بتطورات الحرب ونتائجها، فالمغرب في التوصيف الاستراتيجي، يعتبر حليفا استراتيجيا لكل من الولايات المتحدة الأمريكية ودول الخليج، وقد أبرم في 2020 اتفاقا ثلاثيا مغربيا أمريكيا إسرائيليا بهدف تسوية نهائية لمشكلة النزاع في الصحراء لصالح مقترحه في الحكم الذاتي، وهو يدرك أن استمرار استحقاقات هذا الاتفاق، واستكمال دور واشنطن في الضغط على أطراف النزاع لحل قضية الصحراء من خلال المفاوضات التي انطلقت حلقاتها الأولى في مدريد، واستكملت في واشنطن، ويتوقع انتهاؤها في جولات متتالية قبيل شهر يونيو القادم، مرتبط بشكل أساسي ببقاء الرئيس الأمريكي في إدارة البيت الأبيض، أو بالأحرى، باحتفاظه بوضع سياسي اعتباري داخل بنية السلطة في واشنطن، بما يعني أن أي انكسار أمريكي بدرجة أولى، سيكون له تأثيره في موازين القوى على مستوى القضية الوطنية.

نميز هنا في تقديرنا للموقف المغربي بين وضع كل من تل أبيب وواشنطن ما بعد الحرب، فالمغرب قد يتحمل هزيمة إسرائيلية، وربما هذا ما يخدم موقفه أكثر، لكن أي خروج لواشنطن من الحرب بوضع اعتباري ضعيف، سيكون له آثار غير إيجابية على تدبير ملف الصحراء، لأن الأطراف الأخرى، ستكون أكثر حماسا للتخفف من ضغوط واشنطن مقارنة مع الوضع السابق.

ارتفاع أسعار الطاقة عالميا، لا يخدم موقف المغرب على المستوى الاستراتيجي، فقد تكون للمغرب قدرة على تحمل هذا الارتفاع على مديات جد متوسطة، ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر، بناء على أن السيناريو الذي بنيت عليه الموازنة المالية، انطلق من افتراض متوسط 65 دولارا لسعر النفط عالميا، لكن بالاعتبار الاستراتيجي، فإن الوفرة المالية التي يمكن أن تجنيها الجزائر من جراء ارتفاع أسعار النفط والغاز، وقدرتها على المناورة مع بعض دول أوروبا التي تعيش أزمة ندرة طاقية غير مسبوقة، قد يوفر لها مساحة مناورة أكبر، أو على الأقل قد يبعدها من الركن الضيق، ويوفر لها خيارات للتفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا للتخفف جزئيا من الضغوط السابقة، وإعادة تحسين تموقعها في محيطها الإفريقي.

على المستوى الاقتصادي، يميل خبراء الاقتصاد أن البيئة الداخلية المستقرة والدينامية الاقتصادية الإيجابية التي تحققت إلى حدود الربع الأول من سنة 2026، بين نمو اقتصادي مهم، وتحكم في التضخم، سمحت بتوفير رصيد صلب يستطيع أن يصمد به الاقتصاد المغربي في حدود مدى متوسط من استمرار الحرب في الشرق الأوسط، وذلك بسبب الإضافة النوعية التي ستنتج عن تحسن المردودية الفلاحية هذه السنة من جراء الشروط المناخية الاستثنائية الواعدة، لكن بنك المغرب، يربط سيناريو الصمود والمقاومة بالمدى المتوسط فقط، ويتحدث عن تأثيرات معاكسة في حالة استمرار الحرب لمدى متوسط أو مدى أطول، بسبب تداعياتها على استنزاف الاحتياطات من العملة الصعبة من جراء ارتفاع الطاقة الطاقية، وأيضا بسبب تعثر سلاسل الإمداد بالمواد الغذائية على المستوى العالمي.

في المؤشرات الإيجابية، ستشجع أزمة المدخلات الفلاحية التي يشهدها العالم، وأزمة الأسمدة في السوق العالمي الدور الاستراتيجي للمغرب باعتباره من أكبر منتجي الأسمدة، في ضمان الأمن الغذائي الأمريكي ومن ثمة توفير احتياطي مهم من العملة الصعبة، كما تشكل أزمة سلاسل الإنتاج فرصة للمغرب لتغطية الأسواق الأوروبية والأمريكية، بما يخفف نسبيا من تداعيات الكلفة الطاقية المرتفعة.

المتوقع حدوثه في المدى القريب والمتوسط، أن يحدث تأثير محتمل على التضخم، بما يبدد نسبيا العافية التي حصلت في السنتين السابقتين، وهو ما يفسر قرار بنك المغرب الإبقاء على سعر الفائدة وعدم تخفيضها كما كان متوقعا قبيل اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

سياسيا، يشهد المغرب استحقاقات انتخابية تشريعية وجماعية ابتداء من شهر سبتمبر القادم، وهي المحطة التي ستخلق حالة من اللايقين حول المشهد السياسي، بحيث يصعب توقع وجهته، بسبب عدم وضوح تأثيرات الحرب على الوضع الاقتصادي والاجتماعي، مما يرجح أن تكون الحالة السياسية مرتهنة هي الأخرى بنوع سيناريوهات مدة الحرب، إذ لن يحدث سيناريو استمرار الحرب على مديات قريبة تأثيرات دالة على التوقعات التي كانت سائدة، من استمرار إبعاد القوى الإسلامية والديمقراطية عن تصدر مشهد السياسة، لكن، في حالة سيناريو استمرار الحرب على المدى المتوسط والبعيد، فالأقرب إلى التصور، أن يكون هناك ميل إلى الأحزاب الوطنية منها إلى الأحزاب الإدارية القريبة من السلطة، وذلك بسبب الحاجة إلى تهدئة الاحتقان الاجتماعي الذي تبدو مؤشراته مرتفعة في الشهور الأخيرة بسبب ارتفاع مستويات المعيشة وانهيار القدرة الشرائية للمواطنين المغاربة، والأقرب إلى التصور أن الإسلاميين، سيكون وضعهم في الانتخابات أفضل في حال استمرار الحرب، منها في حال سيناريو وقفها في مديات جد قريبة.

هناك من يتصور أن هذه الاعتبارات كلها، تدفع الموقف المغربي إلى أن يناصر سيناريو هزيمة إيران وسقوط نظامها، أو على الأقل ضعفه، وهناك من يتصور أن أي هزيمة تتلقاها تل أبيب ستكون لها انعكاسات سلبية على المغرب، لكن التقدير الاستراتيجي، يربط رؤية المغرب والاستشراف الأقرب إلى خدمة مصالحه بنهاية الحرب، واستقرار البيئة الخليجية، وانتهاء الحرب في المديات القريبة، بواقع لا منتصر ولا مهزوم بالنسبة لواشنطن وطهران، أما إسرائيل، فالذي يخدم موقف المغرب ومصالحه بشكل جدي، أن تكون هذه الحرب محطة لإنهاء حلمها ببناء إسرائيل الكبرى، وفرملة مسلسل الحروب التي أطلقتها في المنطقة ضد الدول العربية، فهذا الوضع يبقي التطبيع المغربي في مسارات جد واطئة، ويخفف الضغط الإسرائيلي على الرباط، ويضمن لها أن تبقي على خط التوازن في موقفها بين إنهاء مشكلة الصحراء لصالحها، وبين الاستمرار في دعم القضية الفلسطينية، وعدم الاضطرار للذهاب بعيدا في استحقاقات التطبيع بما يضر موقف الرباط من القضية الفلسطينية.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
18°
22°
السبت
24°
أحد
23°
الإثنين
23°
الثلاثاء

كاريكاتير

حديث الصورة