الحرب الأمريكية الإيرانية.. تأثيرها الاقتصادي على القوى الإقليمية والدولية

هوية بريس- محمد زاوي
أثرت الحرب الأمريكية-الإيرانية على مستويات اقتصادية عدة، إلا أن تأثيرها ما زال ضمن الحيز العابر المؤقت، أي أنه لم يتحول بعد إلى أزمة مستفحلة، قد تصل إلى درجة كساد كبير بفعل ارتفاع معدلات التضخم، أو إضرار كبير بمسارات التوريد العالمية وبالتالي بالتجارة العالمية ككل، أو وقوع أزمات طاقية تعيق المعيش اليومي الطاقي بشكل كبير.. كل هذه المستويات ما زالت في حدودها الدنيا أو المتوسطة إلى اليوم، وبقيت في حدود: ارتفاع في معدلات التضخم، وعرقلة التجارة العالمية، وإحداث خسائر لشركات النقل البحري والجوي بسبب توقف حركة النقل المؤقتة، وارتفاع في أسعار المنتوجات الطاقية (خاصة النفط والغاز)، وتأثير سلبي على الأسواق المالية وأسواق الأسهم، كذا على بنيات الإنتاج الصناعي وغيرها بسبب ارتفاع أسعار المواد المطلوبة وتبني البنوك لسياسات نقدية متشددة (حسب استطلاع لرويترز/ 24 مارس 2026) الخ.
وبالتركيز على بعض الأسواق والمجالات الجيواقتصادية يمكن رصد التأثير الاقتصادي للحرب في بعض الدول التي نرى تسليط الضوء عليها ضروريا، ما دامت هي الأكثر قدرة على. التأثير في الحرب والتدخل فيها، وما دامت أقرب إليها من غيرها.. أولها الولايات المتحدة الأمريكية التي لا تعتمد على نفط الشرق الأوسط إلا بنسبة 1 في المئة، بسبب اكتفائها بمنتوجها باعتبارها منتجا ومصدرا للنفط، غير أنها تتأثر من باب ترابط الاقتصاد العالمي.. فارتفاع الأسعار ينعكس على أسعارها اضطرادا، وكذلك ارتفاع معدلات التضخم وتشدد البنوك وتضرر الأسواق المالية..
في المقابل، تتضرر الدول الأوروبية أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية ما دامت تعتمد أكثر منها على نفط الشرق الأوسط، في ظل التوتر بين الأوروبيين وروسيا الاتحادية، المورد النفطي المهم الذي تفتح الحرب على إيران أمامه فرصا كبيرة وضرورية للتصدير وتعويض الخسائر.. هذا ما يفسر الخلاف بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية بخصوص تأثير الحرب على الاقتصاد العالمي والأسواق المالية والمؤسسات المالية، هل يبقى هذا التأثير محدودا أم يستمر بعد الحرب؟ تراه أمريكا تأثيرا محدودا، في حين يقول الأوروبيون إنه طويل الأمد تستمر انعكاساته السلبية بعد أن تضع الحرب أوزارها (الإشارة هنا إلى الخلاف بين رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد ووزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت).
هناك ضرر آخر على الداخل الأمريكي من جهة التأثير السلبي للحرب الأمريكية-الإيرانية على سياسات ترامب ومنصبه، فارتفاع الأسعار ومعدلات التضخم من شأنه أن يدفع الأمريكيين إلى الاحتجاج على ترامب، خاصة أولئك الذين اقتنعوا بتبشير ترامب بالسلام إبان حملته الانتخابية، والذين لا يفهمون أي حديث عن المعيقات الجيوسياسية لسياساته في الشرق الأوسط.. ومن شأن هذا التحول في الرأي العام أن يضر بالموقع السياسي للرأسمال الصناعي المدني (الرأسمال الذي ينتمي إليه ترامب ويدافع عن سياساته)، ضمن بنية الرأسمال المالي الأمريكي.
وبخصوص الصين، فقد برز بالتزامن مع الحرب سؤال: هل يسعى ترامب من خلال هذه الحرب إلى الإضرار بالصين؟ قد يدخل الضغط على إيران ضمن مساعي ترامب لإضعاف الروابط الاقتصادية بين الصين وحلفائها، وقد يرى بعض خبرائه أي ارتباك لحركة السفن في مضيق هرمز تهديدا اقتصاديا للصين.. وهذا أمر وارد، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار التصريحات الصينية منذ بداية الحرب، وهي التصريحات التي ظلت تؤكد إضرار الحرب بسلاسل التوريد الطاقية وتحذر من تفاقم الأزمات والمشاكل جراء التصعيد.. قد ينطلي هذا الكلام على من يجهل منطق الصين وذهنيتها، أما من يعرف ذلك فلا يستبعد أن يكون الخطاب الصيني جزءا من “تعمية استراتيجية” في ظل تدبير محكم للمشكل، وفي ظل تحويل التحدي إلى فرصة، وهذا عمل يتقنه الصينيون جيدا!
وإذا كان التحدي الذي يواجه الاقتصاد الصيني هو تراجع الإمدادات النفطية والغازية، فإن البدائل المطروحة لديه لا تخلو من فرص، لعل من أبرزها تعزيز الاستقلال الاقتصادي، وتنويع مصادر الطاقة وتطوير المصادر غير النفطية، فضلا عن الاحتياطيات الطاقية التي ظلت تخزنها الصين منذ مدة (يمكن الرجوع إلى تحليل لصحيفة “فايننشال تايمز” بهذا الخصوص/ مارس 2026). بالمقابل، تغتنم روسيا فرصة الحرب وفرصة إغلاق مضيق هرمز لتصريف فوائضها من النفط والغاز، كذا لرفع بعض القيود الأوروبية المفروضة عليه من قبل بعض دول الاتحاد الأوروبي.. “مصائب قوم عند قوم فوائد”، الحرب في الشرق الأوسط والربح في روسيا. وهكذا فإن الحرب في الشرق الأوسط توفر لروسيا غطاءين، غطاء للربح الاقتصادي من ارتفاع الإيرادات الطاقية، وعطاء للتقدم في مواجهة الأوكرانيين ميدانيا (الملاحظ هو أن روسيا توسع سيطرتها على عدد من المواقع بالتزامن مع الحرب في الشرق الأوسط).
وبالانتقال إلى القوى الإقليمية في المنطقة، فإن الاقتصاد يصبح أكثر تضررا رغم بعض الإمكانات التي توفرها الحرب لدول الخليج في ظل تصاعد الطلب على منتجاتها الطاقية، بل لإيران نفسها التي قد تستثمر هذا الطلب المتصاعد لتجاوز بعض آثار العقوبات على اقتصادها.. لكن التهديد يبقى قائما ما بقيت محطات التصفية الخليجية مهددة بالقصف الإيراني، وما بقي الاقتصاد الإيراني حبيس ضعفه العام في ظل احتمالات التصعيد وتفاقم الأوضاع السياسية والمشاكل الاجتماعية.. قد تساهم الاحتياطات الخليجية في صمود اقتصادات دول الخليج، غير أن صمود النظام الإيراني في ظل تفاقم المشاكل الاجتماعية يبقى رهين نجاح النموذج الحربي للاقتصاد، بما في ذلك تفعيل آليات الاقتصاد التضامني في صيغتها الإيرانية (مؤسسات اجتماعية وفقهية).
الاقتصاد “الإسرائيلي” أيضا يتضرر بالقصف الإيراني، نظرا لهشاشته وقابليته للنقل إلى مواقع أكثر أمنا وتحقيقا للربح، فهذه هي عقيدة الرأسمال.. وبالتالي فكل اضطراب أو حرب أو قصف يهدد بالتفكك اقتصادا مصطنعا رغم استقلاليته الطارئة. وهذا أثر اقتصادي عام، لا يناقشه كثير من المحللين، فيبقون حبيسي الحديث عن تأثير الحرب على الأسعار والإنتاج الخ. في حين أن كل استهداف لـ”إسرائيل” (الأراضي الفلسطينية المحتلة) يهدد بنيتها الرأسمالية ككل، إذ هي بنية مصطنعة طارئة، كل تهديد يعيدها إلى نقطة البداية، أي إلى الاعتماد الكامل على الرأسمال الغربي؛ كما يجهض حلمها بتأسيس “رأسمال إسرائيلي” قوي ومنافس.. قد يتحدث البعض عن الخبرات التي راكمتها “إسرائيل” في التكنولوجيات والصناعات الحربية، وهذه في منطق الاقتصاد السياسي لا تمنح “الاقتصاد الإسرائيلي” الخلود والبقاء الأبدي، خاصة باستحضار طارئيته في بيئة ذات خصائص مختلفة ونموذح تاريخي واقتصادي غير النموذج الذي حاول الرأسمال الغربي استنباته في الأراضي الفلسطينية المحتلة عنوة.



