صيف بلا ضوابط… إلى أين؟

صيف بلا ضوابط… إلى أين؟
هوية بريس – نور الدين درواش
لا يختلف اثنان أن فصل الصيف يمثل فرصة للراحة وتجديد النشاط بعد أشهر من العمل والدراسة، وأن الترويح عن النفس حاجة إنسانية معتبرة لا يناقضها الدين ولا تعارضها الفطرة. لكن الإشكال لا يكمن في الصيف نفسه، وإنما في الكيفية التي يجري بها استثمار هذا الموسم، وفي التحولات السلوكية التي تصاحبه عند كثير من الفئات، حتى يبدو وكأن العطلة أصبحت عندهم موسما لتعليق الالتزام بالقيم الدينية والأخلاقية، والتساهل مع ممارسات كانت إلى وقت قريب محل استنكار اجتماعي واضح.
وإذا كان من حق الناس أن يبحثوا عن الراحة والاستجمام، فإن من حق المجتمع أيضا أن يتساءل عن الثمن الأخلاقي الذي يدفعه كل عام في بعض الشواطئ والمنتجعات والسهرات والمناسبات المرتبطة بالموسم الصيفي. فالمتابع للمشهد العام يلحظ أن جزءا من النقاش لم يعد يتعلق بأماكن الترفيه أو جودتها، بل بمظاهر متزايدة من التبرج الفاحش، والعلاقات غير المشروعة، والاختلاط المنفلت، والسهرات التي تتحول في كثير من الأحيان إلى فضاءات للتطبيع مع السلوكيات المخالفة للدين والقيم المجتمعية.
وتزداد خطورة هذه الظواهر حين يجري تقديمها في الخطاب الإعلامي والثقافي باعتبارها تعبيرا عن الحداثة أو الحرية الشخصية أو الانفتاح على العالم، بينما يغيب عن هذا الطرح سؤال جوهري: هل يمكن لأي مجتمع أن يحافظ على تماسكه الأخلاقي إذا أصبحت الشهوة مرجعية للسلوك، وأصبح الانفلات من الضوابط قيمة في حد ذاته؟
إن المجتمعات لا تنهار فقط بسبب الأزمات الاقتصادية أو الصراعات السياسية، بل قد تتآكل من الداخل حين تضعف منظومتها الأخلاقية، وتفقد المعايير التي تضبط العلاقات بين أفرادها. ولذلك لم يكن اهتمام الإسلام بالأخلاق شأنا هامشيا، بل جعلها جزء من مقاصده الكبرى في حفظ الإنسان والمجتمع.
ومن هذا المنطلق جاء التحذير القرآني من كل المسالك التي تفضي إلى الفاحشة، فقال تعالى: (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا) [الإسراء: 32].
واللافت أن النص لم يقتصر على تحريم الفعل نفسه، بل نهى عن مقدماته ومسالكه؛ لأن الانحرافات الكبرى لا تبدأ عادة بقرارات مفاجئة، وإنما تتشكل عبر مسار طويل من التطبيع مع المخالفات الصغيرة حتى تصبح الكبائر أمرا عاديا في نظر أصحابها.
وفي السياق نفسه جاء الأمر بغض البصر وحفظ الفروج، فقال تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم) [النور: 30].
وهي توجيهات لا تستهدف التضييق على الإنسان أو حرمانه من متع الحياة، وإنما تهدف إلى حماية الفرد والأسرة والمجتمع من النتائج المدمرة للانفلات الجنسي والعاطفي.
ولعل من أبرز المفارقات أن بعض الخطابات المعاصرة تتحدث كثيرا عن الحرية، لكنها تتجاهل الآثار الاجتماعية والنفسية المترتبة على تحويل العلاقات العابرة والشهوات المؤقتة إلى نمط حياة. فارتفاع نسب التفكك الأسري، وتزايد حالات الحمل خارج إطار الزواج، والأطفال المتخلى عنهم، واتساع دوائر الابتزاز والانحراف، ليست ظواهر منفصلة عن المناخ الثقافي والسلوكي الذي يهون من شأن العفة ويضعف قيمة الحياء.
وقد أدركت الشريعة الإسلامية مبكرا أهمية هذا المعنى، فجعلت الحياء ركنا أساسيا في بناء الشخصية السوية. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “الحياء شعبة من الإيمان” [متفق عليه].
وليس المقصود بالحياء الانطواء أو العجز، وإنما ذلك الوازع الداخلي الذي يحول بين الإنسان وبين ما يخل بمروءته أو يجرحه في دينه وخلقه.
ولا تقف مظاهر الانفلات الصيفي عند حدود العلاقات المحرمة، بل تمتد إلى صور أخرى من المخالفات الشرعية، من أبرزها القمار والمراهنات التي تشهد رواجا متزايدا في مواسم الفراغ. وقد حسم القرآن الموقف منها حين قرنها بالخمر في سياق التحريم، فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) [المائدة: 90].
ولم يكن هذا التحريم مجرد موقف تعبدي مجرد، بل كشف القرآن عن أبعاده الاجتماعية والنفسية، فقال تعالى: (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون) [المائدة: 91].
فالقمار في جوهره ليس وسيلة للترفيه كما يصوره المروجون له، وإنما آلية لنقل الأموال من جيوب كثيرة إلى جيوب قليلة، وإنتاج أوهام الثراء السريع على حساب العمل الجاد والمسؤولية والإنتاجية التي تخدم المجتمع.
ومن الخطأ النظر إلى هذه القضايا باعتبارها مجرد اختيارات فردية معزولة عن محيطها الاجتماعي؛ فالسلوك الفردي حين يتحول إلى ظاهرة عامة يصبح قضية مجتمعية بامتياز. وما يحدث في الشارع والشاطئ والفضاء العام لا يخص فاعليه وحدهم، لأنه يسهم في تشكيل الذوق العام، ويؤثر في الأجيال الناشئة، ويرسم الحدود الفاصلة بين المقبول والمرفوض داخل المجتمع.
ومن هنا فإن الدفاع عن القيم ليس معركة ضد الفرح، ولا خصومة مع الترفيه، ولا دعوة إلى مصادرة المباحات. بل هو دفاع عن حق المجتمع في أن يستمتع بالحياة دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية، وعن حق الشباب في أن يعيشوا أوقات الراحة دون أن يصبحوا فرائس لثقافة الاستهلاك والشهوة، وعن حق الأسر في أن ترى أبناءها يكبرون في بيئة تعين على الفضيلة بدل أن تدفع نحو الانحراف.
لقد منح الله الإنسان من المباحات ما يغنيه عن الحرام، وفتح له من أبواب السعادة ما يجعله في غنى عن مسالك الفساد. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على التمييز بين الترفيه الذي يجدد الحياة، واللهو الذي يهدمها، وبين الحرية التي ترتقي بالإنسان، والانفلات الذي يسلبه إنسانيته وقيمته.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل موسم صيفي؛ كيف نستثمر أوقات الفراغ بما ينفع الفرد والمجتمع، بدل أن تتحول هذه الأوقات إلى مناسبة متكررة للتفريط في القيم وإضعاف المناعة الأخلاقية للأمة؟ وهو سؤال لا يخص العلماء والدعاة وحدهم، بل يخص الأسرة والمدرسة والإعلام وصناع القرار وكل من يعنيه مستقبل هذا المجتمع وهويته.
والله الهادي إلى سواء السبيل.



