جهود الدولة المغرببية في تأطير الشأن الديني لمغاربة العالم: قراءة تقييمية هادئة (الجزء الأول)

جهود الدولة المغرببية في تأطير الشأن الديني لمغاربة العالم: قراءة تقييمية هادئة (الجزء الأول)
هوية بريس – شريف السليماني
بحكم اشتغالي في مجال الإمامة والخطابة والدعوة، يظلّ الشأن الديني لمغاربة العالم من القضايا التي تفرض نفسها في كثير من المجالس والنقاشات التي أحضرها. فنحن لا نتحدث عن موضوع هامشي، بل عن مساجد، وأئمة، ومرجعية دينية يُفترض فيها الوضوح والاستقرار، بينما الواقع في كثير من الأحيان يعكس شيئاً من الاضطراب وعدم الانسجام.
قبل أيام، دار بيني وبين أحد الأصدقاء نقاش حول هذا الموضوع، وكنا متفقين – إلى حد بعيد – على أن وضع الشأن الديني لدى مغاربة العالم لا يسير على ما يرام، سواء من حيث المرجعية أو تنظيم المساجد أو أوضاع الأئمة. غير أن صديقي طرح سؤالاً بدا له بديهياً، فقال: ألا ترى أن تولّي المغرب الإشراف المباشر على هذه المساجد، كما هو الحال داخل المغرب، يمكن أن يضع حداً لهذه الفوضى ويحقق الاستقرار؟
كان يتوقع مني موافقة سريعة، لكن جوابي لم يكن بتلك البساطة. ومن هنا بدأت فكرة الوقوف وقفة تقييمية مع هذا المجهود، بعيداً عن منطق القبول المطلق أو الرفض المطلق.
قبل أن أشرع في هذا التقييم، أود التأكيد على أن ما أقدمه هنا هو رأي شخصي، يمثل رؤيتي التي لا ألزم بها أحداً. غير أنني، ولله الحمد، صادق في قصدي، لا أبتغي إلا الإصلاح ما استطعت، ولا أريد إلا الخير لبلدي وللمغاربة أينما كانوا. ودافعي في ذلك هو النصح والرغبة في الإصلاح والتقدم. كما أن أي ملاحظة أو نقد يرد في هذا المقال لا يستهدف أشخاصاً بعينهم، وإنما يتعلق بالسياسات والتدبير، وهي – كغيرها من الأعمال البشرية – تحتاج إلى النصح والتقويم، بل وإلى النقد أحياناً من أجل التحسين والتطوير.
ولعل من المهم كذلك أن أوضح أنني لا أتحدث من بعيد، ولا من موقع نظري أو “برج عاجي”، بل من تجربة عشتها وواقع عايشته. فقد كنت إماماً وخطيباً قبل قدومي إلى أوروبا، ومنذ ما يقارب ثلاثين سنة لم أنقطع عن الإمامة والخطابة والاحتكاك بالمجال الديني. كما كنت في هولندا كاتباً لجمعية الأئمة، وكنا نستقبل وفود المرشدين والأئمة الذين يأتون خلال شهر رمضان ونقوم بتوزيعهم على المساجد. إضافة إلى حضوري ومشاركتي في الأيام الدراسية الموجهة للأئمة، بل والمساهمة في تنظيم بعضها. لذلك، فرؤيتي – وإن كانت قد لا تُحيط بكل التفاصيل – فهي مبنية على تجربة ميدانية وليست مجرد انطباع من بعيد.
ومن باب الإنصاف، لا يمكن لأي متابع أن ينكر أن هناك جهوداً تُبذل من طرف الدولة المغربية في تأطير الشأن الديني لمغاربة العالم. فهناك أموال طائلة تُصرف، ومؤسسات قائمة بميزانيات مهمة، كما يتم إرسال مئات الأئمة خلال شهر رمضان وتوزيعهم على مختلف الدول، إضافة إلى تنظيم لقاءات ودورات وأنشطة متعددة. وكل هذا يدل على وجود اهتمام واضح بهذا الملف.
أما بخصوص النوايا، فهناك من يشكك وينظر إلى هذه الجهود بعين الريبة، لكن من منطلق ديننا الذي يأمر بحسن الظن، لا يمكن أن نحكم بسوء القصد إلا بدليل. ولذلك فإننا ننطلق من أن الدولة المغربية تريد فعلاً خدمة المغاربة ومساعدتهم على تأطير شؤونهم الدينية، ونحسب نيتها في ذلك صادقة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تؤتي هذه الجهود أكلها كما هو منتظر؟
وهل يعكس الواقع حجم هذه الجهود؟
قبل الجواب عن هذا السؤال، ينبغي أولاً أن نتساءل: كيف نقيم هذه الجهود أصلاً؟ وكيف نحكم على نجاحها أو عدمه؟
لا يمكن ذلك إلا من خلال معرفة الأهداف التي يُراد تحقيقها. ورغم أنني لم أطلع على وثائق رسمية مفصلة تحدد هذه الأهداف، إلا أنه يمكن استنتاجها، ومن أبرزها: نشر النموذج المغربي في التدين، وترسيخ الفكر الوسطي المعتدل، وربط المغاربة في الخارج بهويتهم الدينية والوطنية، والمساهمة في استقرار الوضع الديني في بلدان المهجر.
وانطلاقاً من هذه الأهداف، أجد – من موقعي الذي أنظر فيه إلى الموضوع من الداخل ومن الخارج معاً – أن النتائج لا ترقى إلى مستوى الجهود المبذولة.
فمن بين الملاحظات الأساسية، أنه رغم مرور سنوات – قد تصل إلى خمسة عشر سنة – على انطلاق بعض هذه المشاريع، لا نكاد نلحظ توسعاً حقيقياً في دائرة المساجد المنخرطة فيها. فالمساجد التي كانت تتعامل مع هذه المؤسسات منذ البداية، هي في الغالب نفسها إلى اليوم، مع إضافات محدودة جداً قد لا تتجاوز مسجداً أو مسجدين في بعض الدول. ويظهر ذلك أيضاً في قلة المساجد التي تحتضن الأنشطة، حيث غالباً ما تقتصر على عدد محدود في كل بلد، مما يدل على ضعف القدرة على الاستقطاب والإقناع.
والأمر نفسه يُلاحظ على مستوى الأئمة، حيث إن الأسماء المنخرطة في الدورات والندوات هي في الغالب نفسها منذ سنوات، مع غياب واضح للتجديد. ونفتقد بشكل خاص حضور الأئمة الشباب، خاصة أولئك الذين وُلدوا أو نشؤوا في أوروبا، والذين يفترض أنهم الأقدر على التواصل مع الجيل الجديد. وهذا الغياب يطرح تساؤلات حول مدى اقتناع هذه الفئة بالمشروع أو ارتباطها به.
ومن خلال تجربة عشتها شخصياً، عندما كنت في هولندا أشتغل كاتباً عاماً لجمعية الأئمة، كنا نحرص دائماً على استقطاب الأئمة الشباب، نظراً لتأثيرهم الكبير في فئة الشباب، ولإتقانهم لغة البلد وفهمهم لواقعه الثقافي والاجتماعي. غير أننا كنا نصطدم في كثير من الأحيان بتحفظات ومواقف واضحة من طرف بعض هؤلاء الأئمة.
فقد كان عدد منهم يرى أن هناك مبالغة في التركيز على ما هو مغربي على حساب ما هو هولندي، وأن هذا الطرح لا ينسجم دائماً مع واقعهم اليومي ومع طبيعة المجتمع الذي يعيشون فيه. بل إن بعضهم كان يعبّر عن تخوفه من أن يؤدي الارتباط الزائد بالمغرب إلى إعاقة جهود الاندماج الإيجابي، بدل أن يخدمها.
ولم يقف الأمر عند حدود التحفظ، بل إن بعض هذه الأصوات كانت تفكر في إنشاء أطر أو مبادرات موازية تعبّر عن تصور مختلف لتأطير الشأن الديني في سياق أوروبي. وهذا في حد ذاته مؤشر مهم على وجود فجوة في الرؤية أو في التواصل، وصعوبة في استقطاب فئة يُفترض أنها الأكثر تأثيراً في المرحلة الحالية.
وقد يكون هذا المثال متعلقاً بتجربة هولندا، لكنه – في نظري – لا يبتعد كثيراً عن واقع دول أوروبية أخرى، كبلجيكا وغيرها، حيث تبرز نفس التحديات بدرجات متفاوتة.
ومن جهة أخرى، نلاحظ قلة المساجد التي تتبنى المرجعية المغربية بشكل صريح وواضح، بحيث نادراً ما نسمع مؤسسات تعلن “بالفم المليان” أنها تعتمد المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية وتتبنى النموذج المغربي بكل مكوناته. ورغم مرور سنوات من العمل، ما يزال هذا التبني محدوداً، وقد يكون جزئياً أو غير معلن في بعض الحالات، مما يدل على أن الرسالة لم تصل بالشكل المطلوب.
كما أن من أبرز المؤشرات على محدودية الأثر، عدم وصول هذه الجهود إلى فئة الشباب. فمن خلال تجربتي في العمل داخل المساجد، يظهر أن معظم الأنشطة يستفيد منها الجيل الأول والثاني، في حين يبقى الشباب بعيدين نسبياً. والسبب في ذلك أن من يشتغل فعلياً مع هذه الفئة هم الأئمة الشباب المتقنون للغات البلدان والمطلعون على واقعها، وهؤلاء في الغالب غير منخرطين في المشروع، مما يجعل أثر هذه الجهود على الشباب ضعيفاً.
ويُضاف إلى ذلك وجود تخوف وتشكيك من طرف بعض المغاربة، بل وحتى بعض الجهات في الدول المستضيفة، حيث يُنظر أحياناً إلى هذه الجهود على أنها تحمل أبعاداً سياسية أكثر منها دينية. وهذا – في حد ذاته – مؤشر على وجود خلل في التواصل والإقناع. فإذا كنا ننطلق من حسن النية، فإن ذلك يفرض بذل جهد أكبر في توضيح المقاصد وبناء الثقة وإقناع هذه الأطراف بأن هذه الجهود إيجابية وتصب في مصلحة الجميع، بما في ذلك استقرار المجتمعات التي يعيش فيها المغاربة.
ومن المؤشرات أيضاً ما يُلاحظ من داخل المؤسسات نفسها، من قبيل الحديث عن تغيير بعض القيادات، وضخ دماء جديدة، وتبني أفكار مختلفة، بل وحتى الاستعانة بكفاءات من خارج الأطر الرسمية. وهذه كلها إشارات يمكن أن تُفهم على أنها تعبير عن عدم رضا كامل عن النتائج، وسعي إلى المراجعة والتطوير، خاصة إذا ما قورنت بحجم الإمكانيات والموارد التي رُصدت لهذا المشروع.
كل هذه المعطيات تجعل من الصعب القول إن هذه الجهود قد حققت أهدافها بالشكل الكامل، رغم أهميتها وحجم الاستثمار فيها.
وفي الجزء الثاني من هذا المقال، سأحاول الوقوف عند الأسباب أو المعيقات التي – في نظري – حالت دون أن تؤتي هذه الجهود أكلها كما هو منتظر، مع محاولة تقديم قراءة تساعد على الفهم وربما على المساهمة في الإصلاح.



