مغاربة يحاربون “تاهركاويت” بصحيح البخاري!

27 يونيو 2026 10:27

مغاربة يحاربون “تاهركاويت” بصحيح البخاري!

هوية بريس – عابد عبد المنعم

في مشهد بسيط في شكله، عميق في دلالته، اختار عدد من سكان أحد الأحياء بمدينة سلا وسيلة شرعية لمحاربة السلوكات التي تسيء إلى الفضاء العام، فلم يعلقوا تهديدات قانونية ولا شعارات غربية أو سياسية، وإنما علقوا حديثا نبويا من صحيح البخاري على جذع عدد من الأشجار، يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا لم تستح فاصنع ما شئت”.

إنها رسالة تختصر فلسفة المجتمع المغربي في الإصلاح؛ فحين يعجز القانون عن مراقبة كل زاوية، وحين لا تكفي الغرامات لتغيير السلوك، يبقى الوازع الديني هو الرقيب الأقوى، لأنه يخاطب الضمير قبل أن يخاطب السلوك.

هذا الحديث لم يوضع لمحاربة جريمة كبرى، بل لمواجهة ما يسميه المغاربة اليوم بـ”تاهركاويت”، أي تلك السلوكات التي تعكس غياب الحس المدني والأخلاقي مثل رمي الأزبال في الشوارع، وتلويث الأحياء، وتبذير المياه، والإضرار بالممتلكات العامة، وكل ما يناقض قيم الإحسان والمسؤولية.

إن اختيار صحيح البخاري بالذات ليس اختيارا عفويا، بل يحمل دلالة رمزية عميقة. فصحيح البخاري عند المغاربة ليس مجرد كتاب للحديث النبوي فقط، وإنما هو مرجع ديني حاضر في وجدانهم، ظل عبر قرون جزء من البناء العلمي والعقدي لدى السلاطين وعموم الشعب، ومكونا أساسيا من هوية المجتمع. ولذلك فإن الاحتجاج به في الفضاء العام يعكس استمرار حضور السنة النبوية في توجيه الحياة اليومية، وليس فقط داخل المساجد أو حلقات العلم.

وهذا المشهد يكشف أيضا عن حقيقة كثيرا ما يتجاهلها بعض أصحاب المشاريع الفكرية التي تسعى إلى فصل الدين عن المجال العام، أو التقليل من مكانة السنة النبوية، أو التشكيك في صحيح البخاري. فالواقع الاجتماعي المغربي يقدم جوابا مختلفا؛ إذ لا يزال المواطن البسيط يجد في القرآن الكريم وصحيح البخاري مرجعية أخلاقية لإصلاح المجتمع وتقويم السلوك.

من أجل هذا وغيره كثير تبقى كل المحاولات الرامية إلى إسقاط مكانة صحيح البخاري أو التشكيك فيه تصطدم قبل أي شيء بواقع المجتمع المغربي نفسه، الذي لا يزال يعتبر السنة النبوية مصدرا للهداية والإصلاح. فالمعركة ليست مع كتاب على رفوف المكتبات، وإنما مع مرجعية متجذرة في وجدان أمة، تناقلتها الأجيال، وحافظت عليها المدارس العلمية، وترجمتها الممارسة اليومية للمغاربة.

هذا وإن الرسالة التي يحملها الحديث النبوي الشريف “إذا لم تستح فاصنع ما شئت” لا تقف عند حدود النظافة أو احترام الفضاء العام، بل تمتد إلى أصل من أعظم أصول الأخلاق في الإسلام، وهو الحياء؛ ذلك الخلق الذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم شعبة من الإيمان، وجعله الميزان الذي يضبط علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالناس.

فالحياء في التصور الإسلامي ليس شعورا بالضعف وإنما هو وازع داخلي يمنع الإنسان من القبيح، ويبعثه على الجميل، ويجعله يستحضر مراقبة الله قبل مراقبة الناس. ولهذا جاء الحديث النبوي حاسما: “إذا لم تستح فاصنع ما شئت”، لأن سقوط الحياء هو بداية سقوط كل الضوابط الأخلاقية.

ومن هنا نفهم لماذا أصبح الحياء هدفا للنقد لدى الخطاب العلماني الذي يعتبر أن الحرية الفردية ينبغي أن تكون المرجعية العليا، وأن الأخلاق مسألة شخصية منفصلة عن الدين. فهذه التصورات تدعو إلى فصل السماء عن الأرض، وإخراج الدين من المجال العام، وإعادة تعريف الفضيلة والرذيلة بمعايير متغيرة، بحيث يصبح المعيار هو رغبة الفرد لا القيم الثابتة.

أما المجتمع المغربي، فإن مثل هذه المبادرات الشعبية تؤكد أن مرجعيته لا تزال مختلفة؛ فهو لا يستدعي القانون وحده لضبط السلوك، بل يستدعي الوحي أولا وقبل كل شيء، ويجعل من الحديث النبوي وسيلة لتربية الفرد قبل زجر المخالف. ولذلك لم يعلق سكان الحي لافتة تقول: “لنغير سلوكنا” أو “احترموا البيئة” فقط، بل علقوا حديثا من صحيح البخاري يوقظ في الإنسان خلق الحياء، لأنهم يدركون أن من استحيا من الله لن يرمي الأزبال في الطريق، ولن يعتدي على حق الناس، ولن يفسد في الأرض.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
24°
25°
أحد
26°
الإثنين
26°
الثلاثاء
28°
الأربعاء

كاريكاتير

حديث الصورة