اجتماع مدريد: هل حسم الحكم الذاتي نزاع ملف الصحراء؟

13 فبراير 2026 07:49
البحرين تصدم عصابات البوليساريو والجنرالات وتقف مع المغرب

اجتماع مدريد: هل حسم الحكم الذاتي نزاع ملف الصحراء؟

هوية بريس – بلال التليدي

تنفيذا لقرار مجلس الأمن 2797 انعقد اجتماع في الثامن والتاسع من فبراير في مقر السفارة الأمريكية في مدريد حضرها ممثلو دبلوماسية ثلاث دول معنية بالنزاع حول قضية الصحراء، ناصر بوريطة عن المغرب، وأحمد عطاف عن الجزائر، ومحمد سالم ولد مرزوك عن موريتانيا، وحضر عن جبهة البوليساريو محمد يسلم بيسات، وحضر المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستيفان ديسمتورا، ومايكل والتز سفير الولايات المتحدة الأمريكية في الأمم المتحدة، بالإضافة إلى مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية مسعد بولس، وحضر رئيس الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس.

اللقاء أحيط بكتمان جديد، انتهى بتصريح نشره مسعد بولس بمنصةx ، يعلن فيه عن انعقاد الاجتماع وموضوعه وسياقه دون أي إضافات أخرى.

الصحافة الإسبانية ربما انفردت بنشر بعض التسريبات، من خلال إغناوسيو سامبريرو الصحافي الإسباني المعروف للمصالح المغربية، والذي زعم أن الإدارة الأمريكية طالبت المغرب بمزيد من تفصيل وثيقته، فيما تحدثت صحف إسبانية مقربة من جبهة البوليساريو بمعطيات أخرى مغايرة، تقول بأن المغرب عرض وثيقة مفصلة للحكم الذاتي من أربعين صفحة، وأن لجنة تقنية مشتركة تم الاتفاق عليها للاتفاق على الأمور التقنية، أنه سيعقد لقاء بعد أشهر للإعلان عن الاتفاق السياسي الذي يشكل الحل النهائي للنزاع.

المعطيات الأخرى التي تسربت تشير برفض وزير الخارجية الجزائري التقاط صورة جماعية مع الحضور، بحجة أنه غير مخول بذلك.

لا يهمنا كثيرا مضمون هذه التسريبات إلا ما تعلق بقضايا شكلية لها مدلول سياسي عميق، ومن ذلك حضور الجزائر بوصفها طرفا معنيا بالنزاع ممثلا برئيس دبلوماسيتها أحمد عطاف، وهو ما يعني أنها جزء أساسي في الحل، وأنها دورها لا يقتصر على تشجيع الطرفين للتوصل إلى حل سياسي للنزاع.

الجانب الشكلي الثاني وهو حضور ممثل دبلوماسية البوليساريو محمد بن يسلم بيسات، وهي التي ركبت لغة مزدوجة، بين التأكيد على أن مجلس الأمن أصدر قرار حق تقرير المصير، وبين الحديث عن اقتسام كلفة السلام مع المغرب. اليوم، من الواضح أن الضغط الأمريكي والأوروبي أنهى هذه الازدواجية، فحضرت الأطراف جميعها لمباشرة لتطبيق استحقاقات قرار مجلس الأمن. ما يؤكد ذلك أن بلاغ الجبهة، وبشكل غير معهود تحدث عن أن القرار يرجع إلى الشعب الصحراوي، مع أنها كانت دائما تؤكد تمثيلها الحصري للشعب الصحراوي. هذه إشارة فهم منها المراقبون، أن الجبهة توجد في موقع الحرج الذي فرضته الضرورة، وأنها ستباشر التفاوض حول الحكم الذاتي، ضدا على خطاباتها السابقة، وأنها تحاول إيجاد المخرج بفكرة عرض الأمر على ساكنة المخيمات في تندوف.

الإعلام الجزائر الرسمي فسر وجود وزير الخارجية الجزائري في مدريد بزيارة عمل يقوم بها وأنه التقى السبت مع وزير الخارجية الإسباني خوسي مانويل ألباريس لترتيب زيارته إلى الجزائر للإعداد للدورة الثامنة للاجتماع رفيع المستوى الجزائري الإسباني، ويبدو أن الالتزام بقانون الصمت خدم الموقف الجزائري في عدم التعرض لمضمون اللقاء.
نعم، التكتم والسرية كانت تفرضان ذلك، لأن الجلسة لم تكن معلنة، ويبدو أن قانون الصمت قد ضرب على مخرجاتها، لكن المشكلة لا تكمن في هذه الجهة التي يشترك فيها وزراء خارجية أربعة بلدان، منها المغرب، وإنما من جهة أن وثيقة الحكم الذاتي هي التي وضعت أرضية وحيدة وحصرية للحل، بما يعني أن ما كان يسمى بتقرير المصير لم يعد يتصور خارج هذا الحل.

نعود الآن للمضمون، وهو بالمناسبة لا يختلف كثيرا عن الشكل، فمهما يكن الأمر، فالمغرب بقي على خط ثابت وجدي وذي مصداقية، مبددا بذلك الانتقادات التي قدمت لوثيقته الأولى، متهمة إياها بالغموض والعمومية، وأنها لا تتعدى أربع صفحات، فالمغرب ظل دائما يقول بـأنه قدم وثيقة إطار، وأنه لم يفصلها حتى ينتظر موقف الأطراف منها، وأنه في الحال التي تصدر منها مواقف مبدئية إيجابية، فإنه سيمر إلى الخطوة الثانية المتعلقة بالتفاصيل، بخلاف الجزائر وجبهة البوليساريو، فظلتا ترفضان الموافقة المبدئية على مقترح الحكم الذاتي، ثم اضطرتا للقبول للتفاوض على أساسه، هذا على الأقل ما يظهر من خلال اجتماع مدريد.

الجانب الثاني في المضمون، يتعلق بمدى التفصيل، فالمغرب على الأقل كما تشهد بذلك بعض التسريبات، قدم وثيقة مفصلة تتضمن البنى والهياكل المؤسسية والإدارية، وحدد بدقة صلاحيات المركز والإقليم، وأدوار البرلمان الجهوي، ورسم الجوانب الخاصة بتدبير الثروات فضلا عن الجانب المالي والضريبي، أي أن الوثيقة – وفقا لهذه التسريبات-بلغت مستوى عاليا من تفصيل المقترح، أي أن المغرب تخطى الجانب المبدئي إلى الجانب العملي والتقني، ووضع الأطراف المقابلة أمام الحرج وذلك من جهتين، الأولى، إذا أصروا على العودة إلى نقاش المبدأ، فمعنى ذلك أنهم يموقعون أنفسهم ضد قرار مجلس الأمن 2797، وضدا على الإرادة الدولية. والثانية، أنهم إن تخطوا الجانب المبدئي، فإنهم ملزمون بإبداء آراء حول الحكم الذاتي، وهو ما يعني خرج الموقف مع الرأي العام الداخلي.
التسريبات تقول بأن اللقاء نجح في التوصل إلى اتفاق إجرائي، وأن الأطراف تسلمت وثيقة المغرب، وأن لجنة مشتركة تقنية مشتركة ستتداول فيها ليتم إعداد الإطار التفصيلي الذي سيتم تتويج الاتفاق حوله في الأشهر القليلة القادمة ضمن اتفاق سياسي يشكل الحل النهائي.

ومهما يكن مضمون هذه التسريبات، فالقضية اليوم أخذت مسارا آخر، بعيدا عن الصراع التقليدي الذي عمر طويلا، والذي حكم بطرح خيارين لا يلتقيان أبدا: الحكم الذاتي والاستفتاء لتقرير المصير، فما يوجد على الطاولة اليوم فقط هو خطة المغرب المفصلة للحكم الذاتي، والمدى الزمني المتبقي لا يتعدى شهر مايو المقبل، بحكم أن الاتفاق السياسي (الحل النهائي)، حسب الرؤية الأمريكية، يتوقع التوصل إليه في نهاية أبريل أو بداية مايو، وأن ترتيبات تفكيك مهمة المينورسو في الصحراء جارية على قدم وساق، وأن جوهر التفاوض سيكون حول تفاصيل تقنية تخص مضمون الوثيقة التي حدها المغرب، وتدبير السلطة والثروات بين المركز والإقليم في إطار السيادة المغربية.

لخيارات المفتوحة اليوم، تعني أن أوراق التفاوض ستكون من داخل مقترح الحكم الذاتي لا من خارجه، وما عدا ذلك بالنسبة إلى جبهة البوليساريو في حالة الرفض، ليس هناك إلا خيار كسب الوقت من خلال تعميق الخلاف حول آليات ومؤسسات تدبير السلطة والثروة، والعمل على استحالة التوصل على اتفاق في هذا الإطار، وهو الخيار الذي لا أفق له في ظل الضغوط التي تقوم بها واشنطن والاتحاد الأوروبي لإنهاء النزاع، وكسب مواقع نفوذ جديدة في المنطقة.
في الواقع، ثم خيار أفضل، يمكن أن يجنب الأطراف تضخم المصالح الغربية في المنطقة، وهي أن تؤول بشكل طوعي لحوار بيني، يحسم النزاع، ويضع خارطة طريق لتسوية سياسية بين المغرب والجزائر، وتحقيق تكامل اقتصادي في المنطقة المغاربية، وتنسيق استراتيجي للعب دور موحد لتحقيق الأمن والاستقرار في منطقة الساحل جنوب الصحراء.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
19°

كاريكاتير

حديث الصورة