علاقة السياق الدولي بمتغيرات التعامل مع الظاهرة الدينية

علاقة السياق الدولي بمتغيرات التعامل مع الظاهرة الدينية
هوية بريس – د. حسن الباز
لعل هذا عنوان أكبر مما يمكن تناوله في هذا الحيز المستعجل المتاح له آنيا، لما يستدعيه من رصد وقائع تاريخية في الذاكرة الحضارية للأمة وواقعها المعاصر. فضلا عن تتبع معطيات علمية محددة لفقه التعامل مع الآخر، وحدود استيعابه وإدماجه، وآفاق المشترك الإنساني في الاندماج والتعاون معه.
ولا يخفى على المتتبع أن المستجدات الدولية وانعكاساتها الداخلية في بلدان العالم الإسلامي منذ ما يقرب من نصف قرن كانت لها آثار مباشرة واضحة وخفية على التعامل مع الظاهرة الدينية في المجتمعات الإسلامية. وإن كانت استراتيجيات الدول الاستعمارية في التحكم والاختراق والاستكبار قد بدأت في مظاهرها المعاصرة والمباشرة منذ القرن التاسع عشر، أو قبله بقليل بالنسبة لمراكز القوة في العالم الإسلامي خاصة دولة الخلافة العثمانية.
وأكتفي هنا بحقيقة أثارت انتباهي وأنا أتصفح صحيفة في أرشيف مكتبتي، تعود إلى أزيد من أربع وأربعين سنة. وكان ذلك في العدد 129 من صحيفة النور المغربية بتاريخ 1 ذي الحجة 1401ه، 30 شتنبر 1981، حيث ورد في صفحتها الأولى بعنوان ( الجمعيات التي صدر قرار بحلها في مصر) ذكر أسماء 9 جمعيات، وهي: جمعية الخلفاء الراشدين – الجمعية الطبية الإسلامية – جمعية أنصار السنة المحمدية – جمعية الدعوة الإسلامية – جمعية فجر الإسلام- جمعية الهداية الإسلامية – الجمعية الإسلامية للدعوة – جمعية النهضة الإسلامية – جمعية مسجد السلام.
وفي الصفحة الثانية من الصحيفة نفسها، وتحت عنوان ( صحف إسلامية عطلت خلال السنة الحالية 1401ه)، ورد ما يأتي:
” شهدت السنوات العشر الأخيرة بروز الصحافة الإسلامية في ميدان الإعلام، وبرز دورها كإعلام ليعتمد الخبر الصحيح والتعليق الصريح.
غير أن هذه السنة شهدت إيقاف جل هذه الصحف، وهي: الدعوة – الاعتصام – المختار الإسلامي. ( والثلاثة كانت تصدر بمصر.) – المعرفة – المجتمع – الحبيب. ( والثلاثة كانت تصدر بتونس.) – ميللي غازيت ( صحيفة يومية يصدرها حزب السلامة التركي.) إلى جانب مجلات الحزب الأخرى.”
ومن أهم الأحداث التي يمكن أن تكون لها علاقة بهذه الإجراءات التي تدل القرائن على أن لها أبعادا دولية: الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979، ومقتل الرئيس المصري محمد أنور السادات في 6 أكتوبر 1981. وفي هذه الأثناء كان هناك ما يسمى بتقرير حسن التهامي ( 1924-2009 )، تلك الشخصية الغامرة التي ارتبط اسمها بالرئيس جمال عبد الناصر وثورة الضباط الأحرار، كما كان من المقربين إلى أنور السادات، ولعب دورا كبيرا في الاتصالات والمفاوضات التي مهدت لتوقيع السادات معاهدة السلام مع إسرائيل، وأتتذكر هامته وقامته الطويلة وشخصيته العسكرية عندما حضر مجلس الدروس الحسنية في عهد المرحوم الملك الحسن الثاني. وقد تحدث المحامي المرحوم عبدالله رشوان (ت 2013 ) في محاضرة مطولة، كنا نتداول شريطها المسموع ونحن طلبة في الجامعة، عن ذلك التقرير الذي ارتبط باسمه. وهو يبين ذلك التتبع الدقيق لألوان ومظاهر التدين والنشاط الاجتماعي والفاعلية السياسية لدى مختلف الجماعات الإسلامية، واستباق رصد التطور الذي يقع في نشاط أفرادها واهتماماتهم وتأثيرهم في المجتمع، قصد رسم الخطط الناجعة في التعامل مع الظاهرة أفرادا وجماعات.
وكل هذا مما يدل على العلاقة بين التقرير وبين الإجراءات المشار إليها سابقا من حل الجمعيات الإسلامية التي ظنت وهما أنها ستمارس حقها في النصح والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في ظل ما تضمنه قوانين الحقوق والحريات العامة، وإيقاف صدور تلك الدوريات والمجلات الإسلامية التي كان المهمومون من ذوي الغيرة الدينية والحرص على مستقبل الأمة يجدون فيها بلسما يخفف همومهم وترياقا ينعش آمالهم.
وهناك قرينة أخرى تلقي الضوء على ما نحن بصدده، وترسم الطريق لكل الذين يعاصرون ظروفا مماثلة، ويعيشون تجارب مشابهة، وهي أن الصحيفة المذكورة نفسها في العدد المذكور وفي ركن (كلمة) بالصفحة الأولى ورد ما يأتي:
” مهما حاول بعض حكام المسلمين في البلاد الإسلامية أن يعرقلوا مسيرة الدعوة الإسلامية بالتنكيل برجالها فإن الإسلام ماض يشق طريقه نحو الأمام، يملأ نفوس الجماهير المؤمنة نورا وخيرا. ولن تستطيع قوة في الأرض أن تعوق ركبه عن السير؛ إذ المد الإسلامي في ازدهار مطرد، وغيره في انطماس مستمر (…).
ومهما حاول أيضا بعض الحكام الآخرين في البلاد الإسلامية أن يتعاملوا مع الإسلام بحيلة الخداع والنفاق على طريقة عبد الله بن أبي، خوفا من صولته بعد أن تأكدوا بأنه قوة لا تغلب، فإنه سيأتي يوم وتنكشف اللعبة – وقد أخذت تنكشف – وتتمزق الأقنعة، وتدور الدائرة على المخادعين، لأن صاحب الخدعة لا يخدع إلا نفسه (…).
ليس هناك من وسيلة لهؤلاء إلا الإذعان لأمر الله تعالى بتحكيم كتابه إن أرادوا إحراز حب الله وحب الناس.” (صحيفة النور، ع 129، س 8، 1 ذي الحجة 1401ه، 30 شتنبر 1981م، ص 1.)
والمقصد الأساس للتنبيه إلى هذه النافذة تذكير الفاعل الديني المعاصر، سواء في ظل المنظومة التدبيرية الرسمية، أو خارجها ضمن ما تتيحه الأعراف الاجتماعية المستقرة أو هياكل مبادرات المجتمع المدني المؤطرة، بعدم فقدان أو تجاهل ذاكرة التجديد الديني والإصلاح العام في ظل ظروف متجددة تستمد جذورها من سوابق تاريخية، ويتطلب الوعي بها تكاملا معرفيا وتنوعا منهجيا للاستفادة من المعطيات المستثمرة والمخرجات المكتسبة التي تؤكد حتمية السنن التاريخية وصرامة الحقائق الدينية، مما يحفز على جدوى التنزيل الأمثل لأحكام الشريعة الإسلامية وقيمها السلوكية السامية في واقع متضارب الأمشاج بفتن وأهواء تتحكم فيها شبهات العقول وشهوات النفوس.



