الكابوس الفرنسي في إفريقيا (القسم الأول): الخلفية التاريخية

08 فبراير 2020 19:06
الكابوس الفرنسي في إفريقيا (القسم الأول): الخلفية التاريخية

هوية بريس – وكالات

– يعود الوجود الفرنسي في إفريقيا إلى أسباب اقتصادية ودينية واجتماعية وسياسية
– مع تأسيس شركة الهند الشرقية الفرنسية عام 1664، زادت مساحة الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية
– عندما بدأت الدولة العثمانية تفقد قوتها، سارعت فرنسا إلى احتلال الجزائر عام 1830
– قال رئيس السنغال (1960/ 1980) ليوبولد سيدار سنغور، إن الطريقة الأنسب والمرغوبة لبلاده، هي المحافظة على موقعها داخل الإمبراطورية الفرنسية
– في مواجهة المواقف العدوانية لفرنسا، احتفظت الدولة العثمانية عام 1885 بحقوقها فيما يتعلق بشمال الكونغو وشرق النيجر
– توزعت المستعمرات الفرنسية في إفريقيا على منطقتين هما “غرب إفريقيا الفرنسية” و”إفريقيا الاستوائية الفرنسية”
-عام 1994، شهدت رواندا أعمال عنف واسعة النطاق، في 6 أبريل واستمرت حتى يوليو 

تنقسم إفريقيا اليوم وفق أيديولوجيات وحدود ولغات استعمارية، ساهمت فرنسا بشكل ملحوظ في وضعها وتعزيز وجودها، ما انعكس سلبا على مستقبل القارة السمراء.

يعود الوجود الفرنسي في إفريقيا إلى أسباب اقتصادية ودينية واجتماعية وسياسية، أفرزتها أنشطة “جمعية اليعاقبة” وأنصار الاستعمار، التي شكلت الوجه التاريخي للاستعمار الفرنسي في القارة وأثرت على حاضرها ومستقبلها.

وجرى خط الحدود بين بلدان القارة عقب مؤتمر برلين بين 1884 ـ 1885، لذلك سيكون من المفيد إلقاء نظرة سريعة على ماضي فرنسا الاستعماري في إفريقيا على وجه التحديد.

مع بداية فترة الاستقلال، تم نقل إدارات الدولة إلى شخصيات شغلوا مناصب في البرلمان الفرنسي خلال الفترة الاستعمارية، أو عملوا في الإدارة الاستعمارية، أو تلقوا تعليمهم في فرنسا، وبذلك ضمنت باريس استمرار النهج الاستعماري حتى ما بعد مرحلة الاستقلال.

** التطورات التاريخية للاستعمار الفرنسي في إفريقيا

يعود تاريخ الهيمنة الفرنسية على إفريقيا إلى القرن السابع عشر، حيث بدأت باريس احتلال مناطق القارة واستغلال سكانها المحليين منذ 1624، عبر إنشاء أول مراكزها التجارية في السنغال.

ومع تأسيس شركة الهند الشرقية الفرنسية عام 1664، بدأ الاستعمار يأخذ صورة أكثر منهجية، وزادت مساحة الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية، من 3.5 ملايين كيلومتر مربع في سبعينيات القرن السابع عشر، إلى 11.5 مليونا بحلول عشرينيات القرن العشرين.

ورغم حقيقة أن ملك فرنسا فرانسيس الأول، الذي أسره الإمبراطور الألماني كارلوس الخامس هابسبورغ (شارلكان) عام 1525 في معركة بافيا، مدين للسلطان سليمان القانوني بإنقاذه من الأسر واستعادة فرنسا من الاحتلال الألماني، إلا أن باريس سارعت إلى استهداف الدولة العثمانية بعد تعافيها واسترجاع قوتها.

وفي 1799، هاجم نابليون “عكا” للسيطرة على مصر ودمشق، حيث شهد هزيمته الأولى، ما دفع نابليون للقول وقتها كلمته الشهيرة: تحطمت أحلامي على أسوارك يا عكا، سلاما لا لقاء بعده. لولا وقوفي عند أسوار هذه المدينة لسيطرت على الشرق كله.

هذا يدل على أن تمكن الدولة العثمانية من إيقاف فرنسا عند أسوار عكا، حمى العالم الإسلامي وحتى العديد من الدول في آسيا من التحول إلى مستعمرات فرنسية، كما هو الحال في إفريقيا.

عندما بدأت الدولة العثمانية تفقد قوتها، سارعت فرنسا إلى احتلال الجزائر عام 1830، وقد كان هذا الغزو بداية لتوسعها في شمال إفريقيا، وما أن قُرعت طبول الحرب العالمية الأولى، حتى دفعت باريس بأكثر من مليون جندي إفريقي إلى ساحات القتال ضمن جيشها.

مع توسيع نطاق المناطق النائية الجزائرية وفقا للمعاهدة الفرنسية البريطانية عام 1890، توسعت ممتلكات فرنسا في البر الإفريقي لتشمل أيضا منطقة حوض تشاد، والأراضي الإفريقية ـ الفرنسية.

وخلال هذه التطورات، رسمت الدولة العثمانية بمذكرة مؤرخة في 30 أكتوبر 1890، حدود سيطرتها في منطقة شمال إفريقيا، حيث تحولت ليبيا، آنذاك، إلى عين العاصفة في الصراع الفرنسي ـ العثماني.

ووفقا لتلك المذكرة، فقد كانت المناطق الليبية النائية والسودان ومصر وتشاد وغرب إثيوبيا وجنوب السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى وشمال الكاميرون وشمال وشرق نيجيريا ووسط النيجر، ضمن المناطق التابعة للسيطرة العثمانية.

وفي مواجهة المواقف العدوانية لفرنسا، احتفظت الدولة العثمانية عام 1885 بحقوقها فيما يتعلق بشمال الكونغو وشرق النيجر، وهو ما تؤكده مذكرة مقدمة من وزارة خارجية الدولة العثمانية إلى فرنسا بتاريخ 12 مارس 1902.

وعلى الرغم من التدابير التي اتخذتها الدولة العثمانية، إلا أنها لم تستطع حينها منع أنشطة فرنسا الاستعمارية في القارة الإفريقية.

وخلال فترة الاتجار بالرقيق عبر المحيط الأطلسي، استعبدت فرنسا حوالي 5 ملايين و300 ألف إفريقي في سينيجامبيا (الاسم الجماعي للحصون والمراكز التجارية المملوكة من قبل شركة الهند الغربية الهولندية في المنطقة التي تعرف الآن باسم السنغال) وغرب ووسط إفريقيا، وتم نقلهم إلى الكاريبي وهايتي، أي إلى المستعمرات الفرنسية في العالم الجديد، بواسطة سفن فرنسية.

وفي هذه الفترة، توافقت القوى الاستعمارية على عدم الاحتكام إلى الحروب لحل الخلافات المحتملة على تقاسم الثروات فيما بينها، علاوة على ذلك، عمدت تلك القوى إلى تبادل المستعمرات فيما بينها، وعدم الانسحاب من إحداها إلا بعد تسليمها لقوى استعمارية أخرى.

وعلى سبيل المثال، فرضت القوى الاستعمارية لغاتها على البلدان الخاضعة لها، كما اضطر السكان في المستعمرات التابعة لفرنسا، إلى تعلم اللغة الإنكليزية إلى جانب الفرنسية، والسكان في المستعمرات التابعة لبريطانيا إلى تعلم الفرنسية إلى جانب الإنكليزية، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هذا الوضع لا يزال مستمرا حتى اليوم.

هذه السياسة في الواقع أوجدت للدول المستعمَرة قطبا بديلا يمكن اللجوء إليه في حال ضعف البلد المستعمِر، أو نالت الأولى استقلالها، وعلى سبيل المثال، أعلنت رواندا، بعد استقلالها عن فرنسا، الإنكليزية لغة رسمية في البلاد، لتصبح كما المستجير من الرمضاء بالنار.

** الاستعمار الفرنسي والإبادة الجماعية في إفريقيا

استعمرت فرنسا مناطق غرب ووسط إفريقيا قرونا عدة، وأنشأت أشكالا مباشرة للإدارة خلال تلك الفترة، واتبعت سياسات الاستيعاب من خلال فرض أنظمتها الثقافية وقيمها.

توزعت المستعمرات الفرنسية في إفريقيا على منطقتين هما “غرب إفريقيا الفرنسية” و”إفريقيا الاستوائية الفرنسية”، كما اتبعت باريس استراتيجية فرّق تسد، بين القبائل المحلية، ما وفر لها سهولة الإدارة، وضمان عدم حدوث تمرد ضد قواتها المستعمرة.

كما تمكنت فرنسا من إيجاد نخب إفريقية، دافعت عن الاستعمار وحاربت الأفكار الاستقلالية، ونشأ تيار فكري بين الأفارقة يدعى “الأوربة الإفريقية”، ركز على مناهضة الحركات الاستقلالية، مسلطا الضوء على فوائد الاستعمار.

بدوره، قال رئيس أول مؤتمر لعموم إفريقيا عام 1919، وعضو الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) عن السنغال بليز دياني، “نحن سكان المستعمرات نود البقاء ضمن ممتلكات فرنسا في إفريقيا. لأنها أعطتنا كل أنواع الحرية، وعاملتنا كأطفالها دون أي تمييز. لا أحد منا يريد من فرنسا أن تترك إفريقيا للأفارقة فقط، كما يود البعض”.

وقال رئيس السنغال (1960/ 1980) ليوبولد سيدار سنغور، إن الطريقة الأنسب والمرغوبة لبلاده، هي المحافظة على موقعها داخل الإمبراطورية الفرنسية.

لكن وعلى الأرض، فرقت الحدود التي وضعتها القوى الاستعمارية بين أبناء القبيلة والأسرة الواحدة، ما تسبب في صراعات بين العديد من البلدان الإفريقية بعد الاستقلال.

وكشرط لتأسيس العالم الرأسمالي الجديد الذي أنشئ بعد الحرب العالمية الثانية، وافقت فرنسا على منح مستعمراتها في إفريقيا استقلالا هزيلا ومشروطا، وافق عليه معظم الزعماء الأفارقة، باستثناء رئيس غينيا أحمد سيكو توري، في الوقت الذي وصف فيه الفيلسوف الاجتماعي فرانتس فانون (1925 ـ 1961) هذا النوع بأنه “استقلال زائف”.

رفضت غينيا هذا النوع من الاستقلال، فيما وافقت البلدان الإفريقية الأخرى، لكن فرنسا ضمنت استمرارها في إفريقيا عبر اتفاقيات تعاون ملزمة، خاصة فيما يتعلق بالعملة الاستعمارية الفرنسية (الفرنك الإفريقي)، ونظام التعليم الفرنسي، والعلاقات العسكرية والتجارية.

علاوة على ذلك، اضطرت الدول “المستقلة” الجديدة، إلى دفع تكاليف البنية التحتية التي أسستها فرنسا في تلك الدول خلال الفترة الاستعمارية، حيث تقوم 14 دولة إفريقية، من بلدان المستعمرات الفرنسية السابقة، بدفع الضرائب الاستعمارية إلى فرنسا منذ استقلالها.

وبينما ينبغي لفرنسا الاعتذار على نهبها وتبديدها للثروات الإفريقية، واستعبادها وقتلها الملايين في القارة السمراء، وزرعها الفوضى الاجتماعية، وارتكابها أعمال إبادة جماعية، تواصل بلدان القارة دفع الضرائب لها، مع أنها المسؤولة عن عمليات الإبادة الجماعية هناك.

قتلت فرنسا ملايين الجزائريين خلال فترة استعمار الجزائر، التي استمرت 132 عاما، حيث عمدت خلال هذه الفترة إلى ترحيل السكان والضغط عليهم، وعدم الاعتراف بحقوقهم، فضلا عن أعمال القتل.

إضافة إلى أن الوحدات العسكرية الفرنسية التي شاركت في “عمليات المساعدات الإنسانية” خلال الإبادة الجماعية التي قام بها “الهوتو” ضد “التوتسي” في رواندا، دعمت بشكل مباشر عمليات الإبادة الجماعية.

وعام 1994، شهدت رواندا أعمال عنف واسعة النطاق، بدأت في 6 أبريل واستمرت حتى منتصف يوليوز من العام ذاته، حيث شن قادة متطرفون في قبيلة “الهوتو” التي تمثل الأغلبية في رواندا، حملة إبادة ضد أقلية “التوتسي”.

ولا يزال حتى الآن عدد القتلى في تونس والسنغال والنيجر وموريتانيا والكاميرون وبوركينا فاسو وغابون وغينيا وبنين غير معروف.

كما استهدف الفرنسيون، مثل غيرهم من القوى الاستعمارية الأخرى، القادة والعلماء في المجتمع، حيث قامت قواتهم وعلى سبيل المثال لا الحصر، بقتل نحو 400 عالم مسلم خلال مؤتمر في تشاد عام 1917.

المصدر/ وكالة الأناضول.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M