حتى نحفظ عقولنا من الضياع (ج4) التحسين والتقبيح العقليين

08 يوليو 2019 15:53
"التوحيد !..التوحيد.... ! يا علماء المغرب...

هوية بريس – د. يوسف فاوزي

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا به وتوحيدا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم سليما مزيدا، أما بعد:

من المسائل المتفرعة عن قضية العلاقة بين العقل والنقل، مسألة التحسين والتقبيح العقلي، وهي من المسائل المشتركة بين العقيدة وأصول الفقه المتفرعة عن الكلام في الحكمة والتعليل في أفعال الله، والمقصود بها أن العقل مستقل عن النقل في إيجاب المعارف قبل ورود السمع، وأنه –العقل- يحكم على المعارف بالحسن والقبح، وأول من ابتدع هذه المقالة في التاريخ طوائف من الهند قالوا بتناسخ الأرواح[1]، أما في هذه الأمة فكان الجهم بن صفوان (ت124هـ) أول القائلين بها[2]، ثم نشأ النزاع في هذه المسألة في المائة الثالثة[3].

ويطلق الحسن والقبح على ثلاثة اعتبارات:

* الاعتبار الأول: بمعنى ملاءمة الطبع ومنافرته، فما لاءم الطبع فهو حسن؛ كإنقاذ الغريق، وما نافر الطبع فهو قبيح؛ كاتهام البريء.

* الاعتبار الثاني: بمعنى الكمال والنقص، فالحسن: ما أشعر بالكمال؛ كصفة العلم، والقبيح: ما أشعر بالنقص؛ كصفة الجهل.

والحسن والقبح بهذين الاعتبارين: لا خلاف أنهما عقليان، بمعنى أن العقل يستقل بإدراكهما من غير توقف على الشرع.

جـ) والاعتبار الثالث: بمعنى المدح والثواب، والذم والعقاب[4].

وهذا الاعتبار الثالث هو الذي اختلفت فيه طوائف المسلمين على ثلاثة أقوال، طرفان ووسط:

* الطرف الأول: أن الحسن والقبح صفتان ذاتيتان في الأشياء، بمعنى استقلال العقل التام عن الشرع في الإدراك، والشرع كاشف ومبين لهذه الصفات فقط، وهذا مذهب المعتزلة، والكرامية والرافضة، وهو قول عامة الفلاسفة والمتكلمين[5].

* الطرف الثاني: وهو عكس القول الأول، أي أن العقل لا يحسن ولا يقبح قبل ورود الشرع، وإنما التحسين والتقبيح مرده الشرع والسمع، وهذا مذهب الأشاعرة[6].

* الطرف الثالث: وهو القول الوسط بين الطرفين، وهو أن التحسين والتقبيح والثواب والعقاب يعرف من جهة العقل دون ترثيب ثواب أو عقاب على ذلك، وهو قول أهل السنة والجماعة (الحنفية وعامة المالكية والشافعية والحنابلة)، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم[7].

فعلى قول المعتزلة  –أصحاب القول الأول- ومن وافقهم، فإن العقل تبوأ المكانة العالية والاستقلالية التامة في التشريع ويترتب عن هذا مفاسد، منها:

* تعطيل وظيفة الشرع في الحكم على الأشياء بالحسن أو القبح.

* إلزام الله -تعالى الله عن ذلك- بفعل الأصلح حتى يناسب حكم عقولهم، وهو الأمر بما حسنته والنهي عما قبحته، وهو عين مقالة القدرية، وهذا من أشنع الأقوال وأفسد الملزمات، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رده على أصحاب هذا القول (وأما الإيجاب عليه سبحانه وتعالى، والتحريم بالقياس على خلقه، فهذا قول القدرية وهو قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول، وأهل السنة متفقون على أنه سبحانه خالق كل شيء ومليكه، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئا، ولهذا كان من قال من أهل السنة بالوجوب، قال: إنه كتب على نفسه، وحرم على نفسه لا أن العبد نفسه يستحق على الله شيئا، كما يكون للمخلوق على المخلوق؛ فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير فهو الخالق لهم وهو المرسل إليهم الرسل، وهو الميسر لهم الإيمان، والعمل الصالح، ومن توهم من القدرية والمعتزلة ونحوهم أنهم يستحقون عليه من جنس ما يستحقه الأجير على من استأجره؛ فهو جاهل في ذلك.

وإذا كان كذلك لم تكن الوسيلة إليه إلا بما من به من فضله وإحسانه، والحق الذي لعباده هو من فضله وإحسانه، ليس من باب المعاوضة، ولا من باب  ما أوجبه غيره عليه فإنه سبحانه يتعالى عن ذلك)[8].

* تشبيه الخالق بالمخلوق، فيكون التحسين والتقبيح وصفا مشتركا بين الذات الإلهية والعقل البشري.

وفي مقابل هذا القول، فإن قول الأشاعرة هو الآخر يترتب عليه مفاسد، أبرزها تعطيل العقل وإلغاء وظيفته في الفهم والإدراك المسموح به شرعا، ومن مفاسده أيضا:

* إلغاء الفطرة السليمة، ذلك أنهم سووا بين القبح والحسن في الأشياء، والشرع جاء موافقا للفطرة، والعقل لا يناقض الفطرة والشرع.

* إلغاء القول بالحكمة والتعليل في الأفعال الإلهية، وهذا مخالف لما هو مقرر بالشرع كتابا وسنة واجماعا.

قال سبحانه (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) (الجاثية،21)، قال ابن القيم رحمه الله معلقا على هذه الآية (فدل على أن هذا حكم سيء قبيح ينزه الله عنه، ولم ينكره سبحانه من جهة أنه أخبر بأنه لا يكون وإنما أنكره من جهة قبحه في نفسه وأنه حكم سيء يتعالى ويتنزه عنه لمنافاته لحكمته وغناه وكماله، ووقوع أفعاله كلها على السداد والصواب والحكمة فلا يليق به أن يجعل البر كالفاجر ولا المحسن كالمسيء ولا المؤمن كالمفسد في الأرض، فدل على أن هذا قبيح في نفسه تعالى الله عن فعله …)[9].

وبين هذين القولين، جاء قول أهل السنة والجماعة ليكون وسطا، وهذه-الوسطية- دائما ميزة محفوظة لأهل السنة في كل مسائل المعتقد، وسطية بين الفرق الإسلامية، وسطية بين الإفراط والتفريط، بين الغلو والتمييع، مصداقا لقوله سبحانه (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة،143)، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (بل هم -أهل السنة- الوسط في فرق الأمة؛ كما أن الأمة هي الوسط في الأمم.

فهم وسط في باب صفات الله سبحانه وتعالى، بين أهل التعطيل الجهمية، وبين أهل التمثيل المشبهة.

وهم وسط في باب أفعال الله تعالى، بين القدرية والجبرية.

وفي باب وعيد الله، بين المرجئة وبين الوعيدية من القدرية وغيرهم.

وفي باب الإيمان والدين، بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية.

وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بين الروافض، وبين الخوارج)[10].

وفي هذه المسألة تجلت وسطية أهل السنة والجماعة بين المعتزلة والأشاعرة، فهم لا يرفعون العقل فوق قدره ليكون مستدركا حاكما على الشرع، ولا يعطلونه فيجعلونه بلا معنى، ولم ينفوا الحكمة والتعليل عن أفعال الله سبحانه، ولم يقولوا بما يناقض الفطرة السليمة.

فموقفهم القول بالتحسين والتقبيح العقليين، لكن لا يلزم منه المدح والذم، ولا الثواب والعقاب، وإنما مرد هذا إلى الشرع، وإن خفيت عن العقل علته، فالواجب عليه التسليم والانقياد[11].

والدليل على رجحان موقف أهل السنة والجماعة في هذه المسألة هو تلكم المفاسد المتفرعة عن قولي المعتزلة والأشاعرة، يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (والحق الذي لا يجد التناقض إليه السبيل أنه لا تلازم بينهما-أي بين التحسين والتقبيح والثواب والعقاب-، وأن الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة، كما أنها نافعة وضارة، والفرق بينهما كالفرق بين المطعومات والمشمومات والمرئيات، ولكن لا يترتب عليهما ثواب ولا عقاب إلا بالأمر والنهي، وقبل ورود الأمر والنهي لا يكون قبيحا موجبا للعقاب مع قبحه في نفسه، بل هو في غاية القبح، والله لا يعاقب عليه إلا بعد إرسال الرسل، فالسجود للشيطان والأوثان، والكذب والزنا، والظلم والفواحش، كلها قبيحة في ذاتها، والعقاب عليها مشروط بالشرع)[12].

إن هذه المسألة كما أسلفنا في الحلقة الماضية من هذه السلسلة التي خصصناها للحديث عن العقل والنقل متفرعة عنها، باعتبار أن المخالفين لأهل السنة ألهوا عقولهم فلم يجدوا سبيلا للتوفيق بينها وبين النصوص الشرعية، فراموا تعطيلها، فكانت بدعة القول بالتحسين والتقبيح العقلي، أما أهل السنة والجماعة فلا يرون تعارضا بينهما، ومن تمة فلا تعارض بين التحسين والتقبيح ومقتضى العقول السوية والفطرة السليمة مع اعتبار الشرع حاكما على عقولنا.

ومما يتصل بهذه المسألة مسائل أخرى تتعلق بالإلهيات والغيب والمعجزات، نتكلم عنها في الأجزاء المقبلة، وبالله التوفيق.

يتبع….

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) ينظر: التجسيم عند المسلمين (ص:363).

[2] ) ينظر: الملل والنحل (ص:88).

[3] ) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (6/611).

[4] ) معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة للجيزاني (ص:326).

[5] ) العدة في أصول الفقه (4/1275)، المسودة في أصول الفقه (ص:473).

[6] ) المحصل للرازي (ص:202).

[7] ) الرد على المنطقيين (ص:420)، مجموع الفتاوى (8/436)، مفتاح دار السعادة (2/42).

[8] ) اقتضاء الصراط المستقيم (2/310-311).

[9] ) مفتاح دار السعادة (2/11-12).

[10] ) العقيدة الواسطية (ص:82).

[11] ) ينظر: معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة (ص:331).

[12] ) مدارج السالكين (1/247).

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M