هل تحول “أنفا بارك” العمومي بالدار البيضاء لأكبر سوق للخمور.. على مساحة 50 هكتاراً؟

هل تحول “أنفا بارك” العمومي بالدار البيضاء لأكبر سوق للخمور.. على مساحة 50 هكتاراً؟
هوية بريس – نبيل بكاني*
أن يتم إغلاق منتزه عمومي بحجم مدينة صغيرة، وتفويته بالكامل لشركة خاصة من أجل إقامة مهرجان تجاري ربحي، لن يستفيد من ملياراته سوى صاحبه، فهذا ليس مجرد اختلال إداري، بل سابقة خطيرة في تاريخ المغرب، بل وفي العالم أجمع. فحتى الصين، بكل شساعتها الجغرافية وتركيزها الاقتصادي، لا يُسمع فيها بحرمان المواطنين من منتزه يمتد على مساحة 50 هكتاراً، وإغلاق أبوابه لتحويله إلى ضيعة خاصة تدر ثروات طائلة على جهة محتكرة محظوظة، وفي عز موسم المساءلة والمحاسبة وشعارات الحكامة الجيدة.
72 مليون درهم.. هذا هو الرقم الضخم الذي اقتُطع من جيوب دافعي الضرائب المغاربة لتهيئة “أنفا بارك” في قلب الدار البيضاء وهو مشروع يتجاوز المفهوم التقليدي للحديقة، لأنه مرفق عمومي أي مؤسسة عمومية لها نظام داخلي مصادق عليه ودفتر تحملات وادارة عمومية تسيره. قيل للمغاربة حينها إن العاصمة الاقتصادية، التي تختنق بالإسمنت والتلوث، ستتنفس أخيراً عبر هذا الفضاء الضخم، ليكون متنفساً عمومياً، مجانياً، وآمناً للأسر والأطفال. لكن، يبدو أن لوكالة التعمير وتنمية أنفا (AUDA)، التابعة لـ “صندوق الإيداع والتدبير” (CDG)، رأياً آخر؛ رأي يرى في الفضاء العام مجرد “أصل تجاري” يُفوت في جنح التكتم، لتتحول هذه المدينة الترفيهية إلى منصة احتكارية، ومرتع للإشهار الكحولي، وإقطاعية مغلقة في وجه المواطن البسيط، والدخول يتطلب تذكرة بين 550 و11000 درهم.
هنا تُحتقر إرادة المواطن، ويتعرض الشعور العام لاستفزاز غير مسبوق؛ ففي سابقة خطيرة، وبينما ظل المعمول به قانونياً وتاريخياً هو منح تراخيص مؤقتة لمنطقة مربعة ومغلقة ومعزولة تسمى منصة vip، نجد أصحاب القرار، اليوم يرخصون لإقامة حانات ومقاصف وعربات لبيع مختلف أنواع الكحول والخمور، مكشوفة وممتدة على أرض شاسعة تعادل مساحة مدينة بأكملها!
“حصان طروادة”: من منظم حفلات إلى إمبراطورية تحتكر أملاك الدولة
ما يحدث في “أنفا بارك” لم يعد مجرد تنشيط ثقافي، بل هو عملية سطو ممنهج على المرفق العمومي من طرف فاعل اقتصادي. واليوم، لم يعد هذا الاحتكار صامتاً، بل أصبح وقاحة تُعلن على الملأ. فقد صرح مدير وكالة “سيفن بي إم” (SEVEN PM) الربحية، بكل فخر، أن شركته قد انتقلت من مجرد منظم حفلات غنائية إلى “إمبراطورية” تحتكر أملاك الدولة في أفق 2030.
الأخطر في هذا المنشور الصادم هو التصريح العلني باستهداف “الملاعب” مستقبلا وتوظيف الزخم الرياضي لصالح شركته. هذا الاعتراف “الشجاع” يفسر لنا تماماً سبب استغلالهم لمنتزه “أنفا بارك” خلال مهرجان Jazzablanca لعرض مباريات كأس العالم 2026 بترخيص مُنح في الأساس لاقامة فعالية فنية وثقافية. لقد فهمنا اللعبة الآن: إنهم يستخدمون التراخيص الثقافية كـ “حصان طروادة” للسيطرة على سوق التظاهرات الرياضية الجماهيرية، وللالتفاف المفضوح على مساطر الصفقات العمومية وطلبات العروض التي كان يجب أن تفتحها ادارة المنتزه العمومي أمام جميع الشركات بشفافية ومساواة.
وقد توج رجل الأعمال هذا، اعترافاته بالتبجح بتحقيق مضاعفة في الأرباح، مؤكداً أن وكالته استثمرت 100 مليون درهم هذا العام. والسؤال هنا: أين هي قواعد المنافسة الحرة؟ وكيف يقبل “صندوق الإيداع والتدبير”، الذي يُفترض أن يكون حارس الحكامة المالية في البلاد، بهذا العبث الذي يُقصي المنافسين ويحول أملاك الدولة إلى منصة لتفريخ ثروات الخواص خارج إطار طلبات العروض؟ إننا أمام عملية تركيز اقتصادي وأرباح مضاعفة تُحقق في عشرة أيام فقط (مدة المهرجان)، من خلال استغلال مرفق عمومي! فهل هذا الوضع عادي في بلد تقوم سياساته الاستراتيجية على الحكامة؟ وما رأي مجلس المنافسة…؟
إذا كان الاحتكار المالي والتحايل الرياضي مستفزاً، فإن الكارثة الأخلاقية والقانونية أشد وطأة. لقد تم تحويل هذا الفضاء العائلي إلى سوق تجاري خارج الاجماع الشعبي، من خلال حانات ومقاصف عشوائية مكشوفة لبيع المشروبات الكحولية والخمور، وسط آلاف الزوار، في مسارات ملاصقة لأماكن لعب الأطفال.
أكثر من ذلك، تحول الفضاء إلى واجهة إشهارية ضخمة لعلامات كحولية، تغطي بوابات الدخول والشاشات الكبرى، وحتى أماكن التقاط الصور و”السيلفيات”، بمعنى توريط الشباب في ترويج إشهارات ممنوعة.
هذا الوضع ليس مجرد “استفزاز للشعور العام”، بل هو خرق سافر لقرارات تنظيمية تقول فيها الدولة صراحة: “يمنع بيع وإشهار الكحول في الأماكن التي تستوجب الحشمة والوقار، ويمنع بيعه للمغاربة المسلمين”. وللتذكير، فإن النظام الداخلي لـ”أنفا بارك” ينص صراحة على عدم جواز تغيير طبيعته، بمعنى أنه يظل منتزهاً عمومياً حتى في حال تفويت فضاءات منه مؤقتاً، ما يجعله من الأماكن التي تستوجب الحشمة والوقار بقوة القانون، خاصة أن المادة 11 من نظامه الداخلي تطالب الجمهور بتجنب إثارة أي اضطراب أو إزعاج من خلال “المواقف، أو الهندام، أو الأقوال”.
وهنا نتساءل باستنكار: فهل تسع حانات متفرقة، كما هو معلن، موجهة كلها لبضعة زوار أجانب؟!
إننا أمام جريمة في حق الناشئة؛ ففي الوقت الذي تحذر فيه “الاستراتيجية الوطنية لصحة المراهقين والشباب 2022-2030” من بلوغ نسبة تجريب الكحول لدى القاصرين 10.7%، تقوم الجهة المدبرة للمرفق العمومي “أنفا بارك” بتطبيع استهلاك الكحول علناً أمام أعين المراهقين، وفي تحد مخيف للمجتمع، في ظل غياب تام لآليات التحقق من السن عند بيع التذاكر الإلكترونية. هل تحولت سياسات الدولة في حماية الطفولة إلى حبر على ورق بمجرد أن يتعلق الأمر بأرباح المهرجانات؟ وهل أمست المؤسسات العمومية التي أساساً يُمنع فيها الكحول أسواقاً لاستهلاك وإشهار الخمور، وإغراء الشباب لنقلها عبر حساباتهم الاجتماعية وتحويلهم لا شعورياً إلى وكلاء إعلانات إشهارية؟ لا سيما أن المنتزه المذكور يُعتبر بطبيعته مؤسسة عمومية للتنشئة الاجتماعية، وغايته الأصلية -التي يكرسها نظامه الداخلي الرامي إلى “إدارة الحياة المشتركة”- هي خدمة المصلحة العامة، وتوفير فضاء آمن يساهم في بناء شخصية الأجيال الصاعدة وتلقينهم قيم المواطنة والوقار، وليس تحويلهم إلى أهداف لحملات تسويقية تدمر صحتهم وقيمهم وتتعارض مع عقيدتهم وتربيتهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*(مدير مركز حماية الحقوق الاجتماعية والاستراتيجيات الإنمائية)



