نسبة التلقي عن الله ورسوله عند الصوفية

هوية بريس – نور الدين قوطيط
عبر التاريخ الإسلامي إلى يومنا هذا، ما زال يوجد أشخاص يزعمون أنهم أولياء الله، يؤسسون طريقة صوفية جديدة ويدعون أنهم يتلقون العلوم والمعارف وحتى إنشاء الطريقة وكتابة الكتب من الله ورسوله. السؤال: لماذا يحرصون على نسبة طريقتهم إلى التلقي المباشر عن الله ورسوله؟
نسبة الطريقة أو التعاليم إلى التلقي المباشر عن الله تعالى أو عن الرسول صلى الله عليه وسلم تحقق لزعيم الطريقة عدة وظائف في آن واحد. يمكن تكثيف معانيها على النحو التالي:
• أولاً: تثبيت السلطة المطلقة
السؤال الضمني الأول الذي تواجهه كل دعوة جديدة هو: لماذا نتبعك أنت؟ فإذا صرّح زعيم هذه الدعوة بأن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد اجتهاد منه، فهذا يعني أنه يقول: اجتهادي رأي، والرأي يقبل النقد والرد والموافقة والرفض. وهذا -كما ترى- لا يناسب حالة الشيخ الدجال.
إذن، سيكون الجواب هو: هذا أمر أخذته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقظة، أو: هذا أمر أمرني الله تعالى بالخروج به على الناس لهدايتهم. هنا، الشيخ الدجال يقوم بعملية نقل لمصدر السلطة من شخصه إلى مصدر مقدس، ومن ثم، يصبح الاعتراض عليه في نظر أتباعه ومريديه اعتراضاً على الله تعالى نفسه أو على رسوله صلى الله عليه وسلم! بهذا نفهم أن نسبة تلقي الطريقة إلى الله أو رسوله لديها قوة تأثير هائلة على نفسية المريدين والمتلقين.
• ثانياً: تجاوز الحاجة إلى البرهان
كل دعوى تحتاج إلى برهان صدقها وصحتها وصوابها، وإلا تظل مجرد دعوى لا قيمة لها عند العقلاء. وقد علّم المنهجُ القرآني النبوي المسلمَ “مبدأ المطالبة بالبرهان”، يكفي أن نعلم أن الله تعالى نفسه طالب خصوم النبوة بتقديم البرهان على صحة الشرك وصواب ما هم عليه: (قُلۡ هَاتُوا۟ بُرۡهَـٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ) [البقرة: 111- النمل:64].
ولما كان الوحي معصوماً، فقد جعله الله تعالى المرجعية المعيارية العليا التي يجب على المسلمين التحاكم إليها، ومحاكمة الأشخاص والآراء إليها، كما قال تعالى: (فَإِن تَنَـٰزَعۡتُمۡ فِی شَیۡء فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِۚ) [النساء:59]، وجعل هدي السنة معيارا: (قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِی یُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَیَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُور رَّحِیم) [آل عمران:31].
أما عندما يقول الشيخ الدجال: “أنا أتلقى مباشرة من الله أو من رسوله”، فهو يقول ضمناً: “أنا لا أحتاج إلى التحاكم إلى القرآن والسنة والإجماع، لأن المصدر الذي آخذ منه هو الأصل نفسه، فيكون قد جعل شخصه وتجربته مرجعية معيارية، ما قرّره هو الصواب وما لم يقرره هو الخطأ. ما يعني أنه ينصّب نفسه مشرّعاً لكن تحت غطاء التلقي الباطني عن الله ورسوله لدفع اعتراض المريدين والأتباع.
• ثالثاً: تأسيس هوية خاصة للطريقة
الجماعة لا تكون جماعة إلا بوجود جوانب تميّزها عن غيرها. ولهذا عبر التاريخ كثرت الطرق الصوفية، وكل طريقة يضع لها شيخها ما يميّزها عن غيرها، وإلا لن يكون لها معنى. وهنا تبدأ “اللعبة”، فشيخ الطريقة إذا قدّم طريقته على أنها مجرد اجتهاد شخصي، فستكون مجرد مدرسة سلوكية تتضمن الصواب والخطأ، وهذا ينفي عن الشيخ “هالة التقديس”.
لكن حين يقدّم الشيخ الدجال طريقته على أن مؤسسها الحقيقي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يعني أنها طريقة تحت رعاية الله وعنايته، إذن فلن تكون مجرد مدرسة تأسست على اجتهاد شخصي من الزعيم، وإنما هي طريقة ذات هوية خاصة، ولها سمات خاصة، ومن ثم، فلها منزلة استثنائية تتجاوز ذات الشيخ، لأنها موصولة بالله ورسوله مباشرة. فمَن إذن يجرؤ على انتقادها؟!
• رابعاً: تقديس شيخ الطريقة
عندما يقول الشيخ: “أنا مجرد إنسان مجتهد في محاولة التقرب إلى الله”، هذا يعني أنه مثل باقي الناس، لا ميزة له عليهم، فهو هنا يصيب ويخطئ، يمكن انتقاده ورد بعض كلامه، كما يمكن إهمال بعض توجيهاته وتعاليمه. أما عندما يقدّم نفسه على أنه يتلقى من الله ورسوله فهو يصبح في وعي أتباعه ومريديه: صاحب أسرار، صاحب مكاشفات، صاحب علم لدني، من أهل الله وخاصته، تحف به الملائكة، مغمور بأنوار العالم العلوي، صاحب علوم ومعارف فوق عقول المحجوبين. وهكذا يتحول في حس الأتباع إلى شخصية متجاوزة، مقدسة، فوق النقد والاعتراض.
هنا يكون الأتباع قد وقعوا في “الشرك الخفي أو الجلي”. فلا خلاف بين العلماء أن كل مَن ادعى العصمة لنفسه، تصريحا أو تلميحا، فهو ضال مبتدع، قد يصل إلى أن يكون زنديقا مرتدا. فحتى لو لم ينتحل الشيخ لنفسه العصمة بلفظ العصمة، فإن المعنى والمضمون هو المعتبر شرعا وعقلا. ولهذا قرّر الأئمة أنه لا معصوم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه نبي مرسل بالوحي، أما غيره فمهما بلغ في العلم والصلاح فهو معرّض للخطأ والسقوط والانحراف، كما قال عدد من أئمة السلف بألفاظ مختلفة هذا المعنى: “كل أحد يؤخذ من قوله ويُرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم”.
• خامساً: منح اليقين للمريدين
يحتاج أي داعية لمذهب جديد أو طريقة جديدة أو إيديولوجيا جديدة أن يمنح أتباعه قدراً من اليقين فيما جاء به، وإلا لن يكون للانضمام إليه أي معنى، فالإنسان بفطرته يبحث عن الاستقرار المعرفي واليقين النفسي. ولهذا ليس كل من انتمى إلى طريقة ما يكون قد درسها دراسة معمقة، وقامت عنده الأدلة العقلية والبراهين الشرعية على صحتها، بل قد ينضم إليها لما يتوهم فيها من اليقين.
إن الإنسان بطبعه لا يحب سلوك طريق يحتمل الصواب والخطأ، فهذا يسبب له قلقا وجوديا، بل يفضل الطريق التي يقال له: هذا هو الطريق الحق. فإذا أضفنا إلى هذا المعنى، حقيقة أن الإنسان حين يمر بأزمة على مستوى الذات أو على مستوى المجتمع والأمة فإنه يبحث عن اليقين والاستقرار في خضم هذه العدمية والاضطراب والتوتر. ولهذا تحب الجماهير الشخصيات التي تتحدث إليهم بيقين مطلق.
بناء على هذا، فإن الشيخ الدجال لن يقدم نفسه على أنه ينطلق من شخصه، فهذا لا يمنح اليقين للمريدين، وإنما يذهب إلى مستوى أعلى ومختصر وهو الانتساب المباشر إلى الله ورسوله، وأنه ما جاء بما جاء إلا بما تلقاه عن الله أو رسوله. وهذا يمنح المريدين طاقة هائلة من اليقين والاستقرار المعرفي والنفسي، كيف لا؟ وهم يتّبعون طريقة تلقاها الشيخ مباشرة من الله ورسوله؟
فهذا باختصار شديد “سر” حرص دجاجلة الطرق الصوفية على التوكيد بأنهم يتلقون من الله ورسوله، وأن طريقتهم مباركة من الله ورسوله. وإن شاء الله تعالى يأتي خلال المنشورات القادمة تنبيهات وإشارات لها صلة بهذا المعنى.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبارك.



