التوظيف السياسي للمداخلة وانحراف الميزان الشرعي

11 يناير 2026 09:21
تفكك غلاة التجريح في الجزائر.. أما آن لهم أن يتعظوا؟!

التوظيف السياسي للمداخلة وانحراف الميزان الشرعي

هوية بريس – نور الدين درواش

من أعظم ما ابتليت به الساحة الدعوية في هذا العصر اضطراب الموازين الشرعية في الحكم على الناس والمواقف، وظهور مناهج تنتسب إلى السنة وهي في حقيقتها تهدم مقاصدها، ومن أبرزها منهج غلاة التجريح المعروفين بالمداخلة، حيث قام خطابهم على ازدواجية ظاهرة في تنزيل الأحكام، وغلو في موضع، وتفريط في موضع آخر، حتى آل الأمر إلى تشويه مفاهيم عظيمة؛ كالسنة، والطاعة، والبدعة، والنصيحة، والرد على المخالف، والولاء والبراء، والجرح والتعديل.

فأما في جانب العلماء والدعاة والمصلحين، فإن هذا التيار قد اتخذ من الطعن والتبديع والتخوين مسلكا ثابتا، لا يكاد يسلم منه أحد ممن اشتهر بالدعوة أو الجهر بالحق أو الإصلاح بين الناس. فالعالم المعروف بالسنة، والداعية المشهود له بالصدق، والمجاهد الذي ضحى بنفسه، كل أولئك يسقطون عندهم بأدنى زلة أو اجتهاد، بل أحيانا بمجرد شبهة أو نقل مبتور، فيوصمون بأقبح الأوصاف: بدعة، قطبية، سرورية، خارجية، حزبية، اتباع أهواء، وكأن حسناتهم لم تكن، وسوابقهم في نصرة الدين لم تعرف.

وهذا المسلك مخالف لمنهج أهل السنة والجماعة، الذين قرروا أن الخطأ لا يوجب إسقاط العدالة، ولا يلغي الفضل، ولا يمحو السوابق. قال الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143].

فالوسطية هنا ليست شعارا، بل ميزان عدل، يضع الخطأ في موضعه، ويحفظ لأهل الفضل فضلهم، ويجمع بين النصيحة والإنصاف.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء” رواه الترمذي.

فكيف بمن جعل الطعن في العلماء والدعاة ديدنا، والتشنيع عليهم قربة، وتتبع عثراتهم منهجا؟

وقد قرر السلف أن من علامات أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر، وأن الطعن في حملة الشريعة باب من أبواب هدم الدين، إذ لا يتصور حفظ الشريعة مع إسقاط نقَلتها.

وفي المقابل، نجد في خطاب هؤلاء تفريطا ظاهرا في جانب الإنكار على الظلمة، بل استماتة في الدفاع عن كل حاكم، مهما ثبت ظلمه أو فساده أو سفكه للدماء، فيجعلون نصوص السمع والطاعة مطلقة غير مقيدة، ويسكتون بها عن كل منكر، ويجرّمون كل ناصح، ويخوّنون كل من جهر بكلمة حق، حتى صار الإنكار المشروع عندهم فتنة، والنصيحة خروجا، والسكوت عن الظلم دينا.

وهذا مخالف لصريح النصوص، فإن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135].

وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: 113].

فالجمع بين السمع والطاعة في المعروف، وبين النصيحة والإنكار، أصل من أصول أهل السنة، لا ينفك أحدهما عن الآخر، ولا يصح جعل أحدهما ذريعة لإبطال الآخر.

والخطير في هذا المنهج أنه لم يقف عند حدود الانحراف العلمي، بل تجاوزه إلى التوظيف السياسي والأمني، كما ظهر في اعترافات صريحة لبعض رموزه، حيث أقروا بأن مواقفهم في بعض القضايا المصيرية لم تكن اجتهادا شرعيا، بل جاءت بتوجيه من أجهزة مخابرات، وأنهم تحركوا وفق ما طُلب منهم، وسعوا في ترتيب لقاءات وتنسيق مواقف مع مشايخ محسوبين على هذا الاتجاه، خدمة لأجندات معينة.

وقد انكشف جانب من هذا المسلك حين صدرت اعترافات صريحة عن بعض المنتسبين إليهم، ومنهم أسامة عطايا العتيبي، حيث أقر بأن مواقف هذا التيار في بعض القضايا لم تكن مبنية على اجتهاد شرعي، بل على توجيه أمني مباشر، وأن تدخلهم في الشأن الليبي ومناصرتهم لطرف بعينه (المشير حفتر) جاء بإيعاز من جهات مخابراتية، مما يكشف قابلية هذا المنهج للتوظيف، وخطورته على الدين والدعوة.

وهذه الاعترافات تكشف حقيقة هذا المنهج، وأنه قابل للتوجيه، سريع الانقياد، لا تحكمه الأدلة، بل الإشارات، ولا تضبطه القواعد، بل المصالح المفروضة من خارج المجال الشرعي.

ومن هنا تتجلى المفارقة المؤلمة: فمن عرف بالصلاح والعلم والدعوة، سقط عند أول خطأ، ومن عرف بالظلم والانحراف والدموية، دُفع عنه، وبُرِّر له، واستميت في الدفاع عنه، وهذا قلب للميزان الذي أنزله الله.

قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].

فالعدل واجب مع الموافق والمخالف، ومع العالم والأمير، ومع القريب والبعيد، ومن جعل العدل انتقائيا فقد خان الأمانة الشرعية.

إن أخطر ما في هذا المسلك أنه يحول السنة من منهج هداية إلى أداة صراع، ويجعل الطاعة عبادة للأشخاص، ويحوّل التحذير من البدع إلى بدعة في ذاته، ويزرع الشك في قلوب الناس تجاه علمائهم ودعاتهم، ويفتح أبواب الفتنة باسم سدِّها.

ولا مخرج من هذا كله إلا بالرجوع إلى المنهج السني الأصيل، القائم على تعظيم النصوص، وتحقيق مقاصد الشريعة، وضبط الأحكام بالقواعد، والعدل في الحكم على الأشخاص والمواقف، وجعل الحق ميزانا يعرف به الرجال، لا جعل الرجال ميزانا يعرف به الحق.

 

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
9°
17°
الإثنين
18°
الثلاثاء
15°
الأربعاء
15°
الخميس

كاريكاتير

حديث الصورة