مسلسلات رمضان.. هل أصبح المغاربة خفاف؟

02 مارس 2026 16:55
المسلسلات المدبلجة والكاميرا الخفية في خبر كان

مسلسلات رمضان.. هل أصبح المغاربة خفاف

هوية ربيس – ذ.علي الرباج

يحدث في شهرنا المبارك، ما حدث في رمضان الفائت والذي سبق والذي سبقهما، ففي كل رمضان تضج أن وسائل التواصل الاجتماعي وزوايا الحي وصالوناته ومقاهيه وأسواقه، بنقاشات الشارع المغربي الغاضب من الإنتاجات التلفزية التي لم تعد ترضي أحدا -اللهم من يتمعش منها-، ولقد طالت الأعمال التلفزية الرمضانية عامة، لكن للمسلسلات نصيب الأسد، وهي التي أصبحت ومنذ مدة ليست بالبعيدة(ربما خمس سنوات) مادة للانتقاد والهجوم الشديدين، فلم يعد الجم ولا الداسوكين ولا الخياري ولا فاطمة واشاي ولا أحد ممن عهدنا معهم الفرجة والمتعة والاستفادة، واليوم نحن أمام شخصيات تكاد تكون نسخ طبق الأصل، لا تسعى للترويح عن المشاهد بل لغسل دماغه.

لقد تعدى الأمر الهجوم على الأداء والإنتاج والتصوير إلى ما ذلك من أمور تقنية، وبات موجها نحو المضمون الفكري، أو فلنقل نحو الغاية من المسلسل ككل، إذ لا يمكن لأحد أن ينكر أن مسلسلات رمضان الأعوام الأخيرة، لم تعد تلك التي مسلسلات عادية، فلم يعد الهدف منها هو الترفيه أو التسلية، وأمسى واضحا أنها تسعى لإعادة تشكيل الوعي الجماعي للمغاربة، لاسيما في قضايا تمس المرأة والدين، ضمن إطار غير عن المعهود بالنسبة للشارع المغربي(لن أقول حداثيا لأن الحداثة ليست حقوق المرأة وتمكينها على حساب الرجل، ربما تكون الحداثة مراجعة للإرث الديني اليهودي-المسيحي)، خاصة وأن المغاربة لا يحتاجون لمن يعلمهم كيف يعيشون فهم من عالم العالم، ولمن أراد التأكد فليعد للأندلس.

فحين تحدث المغربي عن رفع المرأة وهو الذي يضع الأم فوق رأسه والجدة يجعلها تتحكم في القبيلة وليس المنزل فقط، سيستغرب، فكيف تطلب منه ما يفعله، فليس المغربي هو الغربي الذي يرى في المرأة أداة جنس وحسب، فديننا وثقافتنا وموروثنا الشعبي، علمنا أن أفضل استثمار في الحياة هو الزوجة الصالحة، وأن العقد تحل “برضا الوليدة” وهلم جرا.

يحاول البعض أن يمهد لهذه الأفكار(التي تقوم المسلسلات بإعادة تدويرها من مكب نفايات الغرب)، بكون بعض المغاربة “متطرفين دينيا”، ويريد آخرون بالقول أن:”الثقافة المغربية الدينية” تنتج أشخاص معقدين!”، يجب علاجهم بترياق العلمانية، وكأننا لا نعرف تاريخ العلمانية ولا نشاهد ما يحدث في الغرب ولا نقرأ إنتاجات القوم عن تجاوز العلمانية(تيار مابعد العلمانية بقيادة الفيلسوف الألماني هابرمس).

وكأننا لا نسمع أراء العلمانيين في المغرب ولا نقرأ أفكارهم التي تقطر حقدا على كل ما هو ديني، وها قد ذهب البعض منهم أبعد، إذ يشكك في تدين المغاربة ويصفهم بالمنافقين، بل وسب الإمام مالك صاحب المذهب(والأكيد لا أحد يتدخل فيه ولا يسأله عما يتفوه به!)، فهل يخيل لعاقل، أن هؤلاء سيصلحون المغرب؟

ثم هل ما كان سببا في خراب الأسرة والمجتمع الغربي سيكون سببا في صلاح المغرب؟
“لكان الخوخ يداوي كن دوا راسو”.

لسنا في العصور الأوربية المظلمة، وما نحن في عصر فولتر، ولا في أوج الصراع مع الكنيسة، حتى نهاجم الدين والشيوخ، ونعمل على مهاجمة مظاهر التدين في المجتمع، فاليوم نحن قد استفدنا من تجارب تونس العلمانية وتركيا والعراق ومصر، وأدركنا أن العلمانية لم تكن لتنجح خارج أوربا، وفهمنا اليوم أن العلمانية الشاملة هي طاعون العصر، وأدركنا قيمة الدين والتدين في الحفاظ على تماسك المجتمعات والدول، وأصبحنا أكثر وعيا بخطورة المضي في طريق مشاعة الجنس والحريات الفردية.

فلا يأتي أحد يرد منا أن نكرر نفس أخطاء الماضي ونجرب المجرب، ونستهلك بضاعة مزجاة قد مضى تاريخ استهلاكها، وتحولت مكوناتها إلى سم، ومن غذاء إلى بلاء(أدركت الصين هذا وها هي اليوم تعيد دعم الأسرة والتدين وتقمع أصوات التفسخ والانحلال رغم أن الحزب الحاكم شيوعي).

لَكَم أشفق على دعاة العلمانية، حين يتهمون المسلمين بالرجعية، وحين يربطون بين تخلفنا والإسلام، أو حين يطالبوننا بالتقدم نحو العلمانية باعتبارها الحل.

أتخيل هؤلاء كرجل “غارق في الوحل حتى شحمتي أذنيه، بينما يسخر من حذاء صاحبه الملطخ بالوحل”.

أفيقوا من سباتكم، وعدوا معنا للقرن الواحد والعشرين فإنكم عالقون في العصر الحديث لم تخرجوا منه بعد، ولا تكونوا علمانيين أكثر من العلمانيين(الغرب هو العلماني بينما ما لدينا نسخ مكررة بحبر رديء).

– المغاربة..أساتذة في التعايش

نحن أبناء التسعينات والثمانينات وحتى السبعينات، لم نتربى على هذا النوع من الإنتاج التلفزي، فحتل في صراع الجزائر معنا، لم يكن هناك ولا برنامج يوجهنت نحو كؤه الجزائر والجزائريين، بل العكس تربينا على حب الكل، مغاربة كانوا أو لا، مسلمين وغير مسلمين، وهذا يفسر كيف استطاع المغرب أن يكسب حب الكل، فيندر أن تجد مغربيا متعلما وذو تربية مغربية أصيلة مجرما أو متطرفا(أقصد التطرف بنوعيه الديني واللاديني).

لا يمكن لمن تربى على صوت الإذاعة المغربية هي تملأ المنزل طمأنينة بآيات من الذكر الحكيم، ولا يمكن للذي جلس ينتظر الدروس الحسنية ويشاهد ملوكنا العظماء، وهم في حضرة العلماء الأجلاء ينصتون بجلاء للذكر ويتفاعلون مع الوعظ والإرشاد، لا يمكن له أن يسيء للناس أو أن يكيد لهم ويسعى في خراب دينهم وبلدانهم.

اذهب وزر المدن المغربية وانظر لحفاوة الاستقبال وحسن المعاملة(لا أتحدث عن بعض التجار والسماسرة بل عن عامة الناس)، واطلب المساعدة من أحدهم، وانظر كيف يهب إلى خدمتك كأنها فرض، وهي في الحقيقة كذلك، فنحن تربينا على سخرة الجيران وعلى الأكل في منازلهم، وعلى مساعدة الغرباء، وحتى وإن ظننا أن هذه الأمور قد تناقصت، إلا أن الذهب لا يصدأ، وكذلك المغاربة، فلا بد أن يعود المغربي لأصله ومعدنه الاصيل.

ربما يقول القائل “وماذا عن تورط المغاربة في سوريا والعراق وأحداث أخرى”.

أقول أنهم تورطوا كما أشرت وأنا لا أقول كل الناس جيدون وكلهم ملائكة أو رسل منزلون.

وإن سقط البعض فلأسباب ليس الإسلام السبب، فكونك تر السماء خضراء، لا يعني أنها كذلك، بل يعني أن عليك زيارة طبيب العيون في أقرب وقت.

فيجب النظر إلى هذه الأزمة بعين فاحصة وعدم الاكتفاء بالجاهز(الجاهز هو الدين سبب الإرهاب)، وكملاحظة أولية يمكن الخلاص إلى ثلاثة أسباب، بعيدة عن الدين ساهمت في ارتفاع منسوب التطرف العالمي(وليس الإسلامي)،، وهي كالآتي:

– أولا: سقط البعض ضحية لأفكار مشوهة وحقائق معيبة، وبروباغندا قوية، لم تواجه بقوة مضادة، فخيل إليه أن المنظمات الارهابية ما هي إلا صوت للحق، وما هي إلا فرقة تدافع عن شرف الأمة وعن السنة ضد الشيعة خاصة، وهكذا بدافع الحمية وجد السنة والشيعة أنفسهم في حرب طاحنة، الكل فيها خاسر ما عدا الغرب، الذي جلس يمول آلة الحرب ويدعم في الخفاء الفصائل ضد بعضهم، ثم يخرج علنا ليتباكى علينا “يأكل الغلة ويسب الملة”.

فالحل إذا برمجة خطة نابعة من الإسلام وبمشاركة العلماء الأجلاء في المغرب الحبيب، تستقطب الناس والشباب خاصة، وتعلمهم دينهم الحقيقي وتبين لهم الفرق بين الذمي والمعاهد والمحارب، وتشرح لهم كيف يستغل الغرب حماستهم وجهلهم بالدين لتنفيذ أجندته…

-ثانيا: أكثر من تسعين في المئة منهم دون مستوى دراسي لائق، ودون عمل قار، ودون أفق ولا أمل في تحسن وضعيتهم، هذا ما جعلهم لقمة صائغة للأفكار الهدامة، ولعل خيار بعض الفلسطينيين لأخوانهم بسبب البطالة والحاجة والجهل، أقرب مثال على مدى خطورة الفقر والجهل على المجتمعات، وعلى مدى تأثير نشر العلم وتحسين حياة الناس في سلوكياتهم، وقد أورد ميشيل فوكو في كتابه “تاريخ الجنون” نصا يبين مدى أهمية العمل في تغيير الإنسان الأوربي في العصر الكلاسيكي، يقول “نظر للبطالة على أنها الخطيئة الثانية للإنسان بعد خطيئة آدم”، ويقول  أجدادنا رحمهم الله: “قلة الشغل مصيبة”.

فالحل إذا واضح، وأرى أن المغرب خطى خطوات في إشراك الشباب ودعم مشاريعهم الخاصة، ولعل برامج مثل “مقاول” مثال واضح على ذلك، ولكن للأسف سجلت تعثرات في هذا الملف، وجب الوقوف على أسبابها ومعالجتها، ولعل أهم أسبابها توغل بعض الشركات في السوق وعدم وجود إرادة حقيقية في ضبط الأوضاع، ولهذا يجب إعادة النظر في السوق المغربي من جذور، فلا يمكن أن نستمر في نمط اقتصادي يضع البيض في سلة واحدة.

كما يجب الضغط على الشركات والمقاولات لرفع الأجور لتسحين دخل الشباب، ناهيك عن مشروع دعم سكن الشباب المتزوج، وهو المشروع الذي سيعرف النور قريبا إن شاء الله، وأراه خطوة ممتازة للغاية، على أن يتابع البرنامج ومنفذوه بدقة، حتى لا يفشل كما حدث مع سابقيه.

– ثالثا: لا يمكن لأحد أم ينفي الهجوم الشرس الذي تعرض له المسلمون بعد أحداث 11/9، وكأنهم مسؤولون جميعا عن حدث تابعوه كباقي العالم على شاشات التلفاز، ووقفوا مذهولين من هول ما حدث.
وحتى لو نسب الأمر لفئة منهم، فلا يعني هذا أن هذه الفئة تمثلهم، فهل نأخذ الدين من القرآن وسنة أم من تصرفات وأفكار الجماعات!

لقد وجد المسلمون أنفسهم في مأزق لا يحسدون عليه، فتعرضوا لهجمات غربية دمرت دول عديدة، وأسهمت في تحويل حياتهم بين ليلة وضحاها إلى حرب لا تتوقف، لقد أعلن جورج بوش الابن أم العالم بداية مرحلة رابعة من الحروب الصليبية وأطلق قولته المشهورة “من ليس معنا فهو ضدنا” وخرج وزير دفاعه ليصرح “العربي الجيد هو العربي الميت”.

أشعل الغرب المنطقة بالحروب وأنتهك الأعراف واستباح الدماء واستحي النساء والأطفال، وأدخل المنطقة في فوضى ما كان لها أن تخرج لنا بيتهوفين ولا فاغنر، وكيف لمن أصبح وأمسي على أصوات الصراخ والبكاء، وعلى وقع الانفجارات والاقتحامات، أن يأنس بالألحان والعبارات الشعرية، أن له ذلك!

سبق وأن كتب بورديو وناعوم تشومسكي عن هذا أكثر من مرة، وقد فصلوه تفصيلا دقيقا، وهم الذين عايشوا الأحداث في بيئة غربية لا إسلامية، ولكنهم بفطنة الخبير أدركوا أن الأمر لا يعدوا كونه ردة فعل أكثر من كونه مبادرة شخصية، وضربوا مثالا بدول غربية لا تتعرض لأي هجومات إرهابية، وذلك لأنها لا تتدخل في شؤون دول الشرق الأوسط، ما يجعل من الصعب على هذه الجماعات أن تقنع أتباعها بمهاجمتها، فديف ستقنع شخصا بمهاجمة البرازيل مثلا، وهو يدرك أنها لا علاقة لها بما يحدث، ورغم أنها مسيحية وفيها أكبر تمثال.

لهذا قرر ناعوم وبورديو ربط موجة التطرف برغبة غربية في خلق هذا النوع من الفوضى(أطلقت عليه وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك كوندليزا رايس :”الفوضى الخلاقة”)، من أجل إعادة ترتيب الوضع في الشرق وفي شمال إفريقيا منبع البترول والغاز.

ونحمد لله الذي جنب بلادنا هذه الفوضى وسخر لها ملكا فطنا ومؤيدا، وشعبا متزنا، خرجا بسفينة المغرب الحبيب، من أمواج الفوضى العاتية إلى  شاطئ الأمان، فاستمر المغرب بمسلميه ويهوده وباقي طوائفه، جنبا إلى جنب، لا يعكر بعضهم مزاج بعض(ربما بدأت موجة من الإشاعات تحاول تغيير هذا الوضع، فالمطلوب عدم الانجرار وراءها).

لقد عاش اليهود والنصارى في هذه الأرض المباركة، فكانوا مغاربة مثلنا ولم يعرف التاريخ أن وضع قرار يقصيهم أو يسيء إليهم، ولم أقرأ عن مواجهة بينهم وبين المسلمين، وكل ما أعرف أنهم كانوا جيران لأجدادنا، ولازال منهم الكثير يعيش في المغرب كأي مغربي آخر، والكنائس ودور العبادة لها الاحترام من الصغير والكبير، فإن مسها أحد فكأنما مس المساجد، مصدقا للحديث “من آذى ذميا فقد آذني”.

إن الغرب لم يفهم بعد أننا مختلفون عنه، وأن تاريخنا ومجتمعاتنا لم تشهد حروب كحرب الاسترداد التي عذب فيها المسلمون واليهود، ولا حروب الكاثوليك والبروتيستانت التي راح ضحيتها الملايين، ولم نعرف ما يسمى عندهم “الحرب على الساحرات”، ولم تعش كراهية النازية وحقدها على اليهود، ولقد كنا ولازلنا أهل سماحة وأهل شهامة، وما طرأ من تغييرات فهو لخروجنا عن الإسلام وعن ثقافتنا الأصيلة، وليس لتعمقنا فيهما.

فالذي يحاول تعليم المغاربة دروسا في التسامح والتعايش، عليه أن يأخذ دروس تقوية ودعم في تاريخ الإسلام والمغرب، فالمغاربة أساتذة في التعايش.

– هل أصلح المغاربة “خفاف”؟

أستعير هذا السؤال الجوهري من ذاكرتنا الوطنية، فذات يوم قالها الملك الراحل الحسن رحمه الله تعالى، وها نحن نعيدها، قد يختلف السياق لكنها تصلح لكل سياق، خاصة وأنها تؤكد على أن المغاربة أهل رزانة وثقل، ولك أن تتسأل هل فقدوا ذلك، أم هل يراد لهم أن يفقدوه؟

يقول المغفور له بإذن الله:
“إذا كان المقصود بالحداثة القضاء على مفهوم الأسرة وعلى روح الواجب إزاء الأسرة ، والسماح بالمعاشرة الحرة بين الرجل والمرأة والإباحية في طريقة اللباس مما يخدش مشاعر الناس ، إذا كان هذا هو المقصود بالحداثة ، فإني أفضل أن يعتبر المغرب بلدا يعيش في عهد القرون الوسطى ، على ألا يكون حديثا”

لكم تمنيت أن تدرس هذه الكلمات في المدرسة ويخصص لها درس خاص، ولا أبالغ إن قلت أن هذه الجمل على قدر بساطتها، على قدر ما تحمل من ثقل، يتجاوز ثقل كل ما كتب العلمانيون المغاربة طيلة تاريخهم، لقد وضع المرحوم خطوطا واضحة للهوية المغربية وللقوانين المغربية، وفهم جيدا أن الغرب لا يريد تحديث بلداننا، بقدر ما يريد إفراغها من روحها الإسلامية، ولا يهم ما بعد ذلك، فحتى لو تحولت لغابة(كما حدث مع بعض دول أمريكا اللاتينية)، كما لا يخاف أن تمزق شرايين المجتمع إن هو اقتلع الإسلام، فلا بأس من موت المجتمعات الإسلامية، وذاك عنده خير من عودتها إلى عصورها المشرقة، وليس هناك أفضل من إغراق العالم الإسلامي بالإباحية وقلة الحياء.

لقد كنا مغاربة محافظين على جلباب هويتنا وأصالتنا لا ينازعنا فيها كائن، فإذا بنا نتفاجأ بتكاثر وجوه تحاول أن تريد منا نزع جلبابنا الأصيل وارتداء جلباب الآخرين، باسم التغيير والحداثة والانفتاح والواقع!

أتسأل كأي مغربي عاقل “لماذا الهجوم على الخطاب والرموز الإسلامية حصرا؟”

إذا كان الخمار الأسود ليس من ثقافتنا المغربية، فإنه من ثقافتنا الإسلامية(الدليل قصيدة “قل للمليحة بخمار الأسود” وأغنية الراي الشهيرة “يا ملات الخمار”، وليس أفغانيا كما يقال فالأفغان يتخذون نوعا مختلفا تماما ذو لون أزرق سماوي)، وليس من العيب أن تلبسه المرأة المغربية إن أحبت ذلك، وليس من حق أي أحد أن يمنعها ما دام في الدولة دستور وقوانين، فنحن في النهاية نعود للدستور باعتباره أسمى تمثيل للإرادة الأمة، فتعدي على حق المرأة في ارتداءه أراه تعديا على الدستور، ممن يتغنون باحترامهم للقوانين والمواثيق والعهود، وينصبون أنفسهم دعاة للحرية، فهل المحجبات خارج نطاق هذه الحرية؟ هل هم من الجن لا من الإنس؟

حتى لو فرضنا أن الغاية هي الحفاظ على الهوية المغربية، والدليل هو اقتراح “الحايك” كبديل مغربي للخمار (المشرقي)، فكان يجب أن يعالج بطريقة أقل عدوانية وبطريقة ذكية، إذ أني مثلا مع الحايك وأحبه وأعتبره إرثا مغاربيا، ولكني أبعد نفسي عن مهاجمة الآخرين أو تنصيب نفسي وصيا عليهم، وكما قال أحد الحكماء:
“لقد كنت فيما مضى ذكيا، أحاول إصلاح الناس، الآن أصبحت حكيما، سأحاول إصلاح نفسي”

ثم هل التعري وقلة الأدب ورفع الصوت على الأب والزوج، وإدخال شخص غريب إلى غرفة النوم من الهوية المغربية في شيء؟ هل الإيحاءات الجنسية الواضحة والعلاقات المتشابكة بين الأقارب، من الهوية المغربية؟

هل ضرب وإهانة الرجل فب كل حلقة من حلقات المسلسلات هو الحل في نظركم للرفع من مكانة المرأة في المجتمع؟ أريد أن أعرف كيف تفكرون!

أنا أتسأل بكل صدق، لأني أظن أن البعض فهم موضوع الهوية بالمغربية والدفاع عن المرأة بالمقلوب، حتى ليخيل إلي أننا كنا عراة، نسلخ جلد النساء في الصباح ونأكله لحومهم في العشاء، وجاء الفرنسيون، فألبسونا اللباس وأخبرونا أن المرأة ليس ديكا روميا.

مع أن الأمازيغ قبل الإسلام، كانوا أمة الستر والحياء وتقديس لدور المرأة، ولم يعرفوا أبدا التفسخ الجنسي،  مع أن عصرهم كان عصر أثينا وروما، وحين قدم العرب الفاتحون أي اختلاف يذكر بينهم وبين الأمازيغ(اللهم في أمور عقائدية)، وهذا يفسر النجاح الباهر للدعوة الإسلامية في الشمال الإفريقي، ويفسر الفتح الأندلسي المبارك، والتشبث بالإسلام الذي يعرف به الأمازيغ لليوم(يخرج بفضله الله آلاف من حفظة القرآن “ذكورا وإناثا”، كل عام من كتاتيب الأطلس وسوس).

سيقول القائل “هذا هو الواقع؟”

نرد عليه بقولنا: وهل الواقع مقتصر على هذه الأمور؟ هل ليس في المغرب أيادي تصنع السرور؟ أليس فيها حكايات لزوج مخلص وزوجة تملأ المنزل بالحبور؟ أليس فيها حب وإخلاص وأخوة وتضحية عوض الحزن والموت والقبور؟

إن هدف الفن بكل أنواعها هو التعبير عن الذات أولا وعن الواقع ثانيا، ودور الأعمال التلفزية إصلاح الواقع وليس التطبيع معه، ومحاولة اقتراح حلول وليس الاكتفاء بعرض المشكلات، ونشر القدوة الحسنة لا السيئة.

ولماذا لا ننتج مسلسلات تعالج الفقر والأمية والبطالة والفساد…، ولماذا يكتفي الجميع بالتركيز على مواضع الخيانة والمشاكل الأسرية، والفتوة الذي تحبه كل الفتيات، والعم الذي يحب ابنة أخيه، والفقيه الذي يسرق ويكذب ويزني، ويتلقى الوعظ من الراقصة؟ هل هي أزمة إبداع أم “همزة”؟

لماذا تتشابه كل الأعمال التلفزية وكل السيناريوهات في العالم الإسلامي؟ هل الأمر مجرد صدفة؟ هل تشابهت الأفكار والقلوب والمواهب فجأة؟

لماذا لا ستطيع المرء أن يميز بين أي عمل تلفزي، لتشابهها الغريب، وكأن كاتبها ومخرجها ومنتجها واحد؟

هذا لعمرك لم أرى مثله قبلا، وأنا رجل محب للسينما والأعمال الأدبية والمسرح والشعر والقصص، وقد شاركت في صغري في عدة مسرحيات، وقضيت أيام وأشهرا وسنوات أتدرك في مسرح خاص، ولازالت لليوم محبا للسينما والشعر والفن عموما، فلست إذا بدخيل ولا بمتطاول على الميدان(حتى لا يقال لست تعرف الميدان).

– خاتمة لا بد منها

هذا البلد ركيزته الأساس “الإسلام” فمن أراد أن يهدمه فلحفر تحت هذه الركيزة، أو ليحاول تغيير معالمها أو بنيتها.

وكل أملنا في أن يعيد القائمون على الإعلام نظرهم، ويفهموا أن مهاجمة الرموز الدينية لن يعالج شيئا، بل لربما زاده علة وسقما، وأن احترام المعاهدات والتوصيات الدولية، لا يكون على حساب دين المغاربة ولا هويتهم ولا وحدة وطنهم ولا حبهم ملوكهم الشرفاء، فكلها خطوط حمراء، كما لا يعقل أن نطلب من الأسد أن يصبح عاشبا، لا يمكننا أن نطالب المغربي بأن يغير أفكاره تجاه الدين أو تجاه الحجاب الشرعي أو الصلاة أو العلاقات المحرمة وغيرها، وحتى لو وقع في الخلافات، فمن باب التقصير والذنب لا التحدي والجحود.

ولا يمكن بأي حال أن نقدم الأقلية الفكرية العلمانية على الأغلبية المسلمة التي ترفض العلمانية، ولا يمكن مراعاة مشاعر الأقلية الدينية على حساب مشاعر 99.97% المغاربة(حسب تقرير نشرته جريدة هيسبريس).

وليفهم الناس أن الفقه هو تخصص قائم بذاته له أهله، وهو وصية الله تعالى للمسلمين “فلولا نفر من كل فرقة طائفة لتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون” وليس هوى النفس وسيناريوهات المسلسلات وارتجال الممثلات والممثلين.

فالآية واضحة تشير إلى أشخاصا بعينهم، سيدرسون تخصصا هو الفقه، ثم يكونون معلمين للناس، وليس كل المسلمين -حسب الآية- ملزمون بالتفقه والتعمق في العلوم الشرعية.

وأخيرا، أسأل الله أن يحفظ هذا البلد من الفتن، ويجمع أهله على ما فيه الخير.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
19°
21°
الجمعة
22°
السبت
24°
أحد
23°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة