عرفتَ فالزم.. لماذا لا تؤثر فينا المواعظ؟

09 مايو 2026 18:20

عرفتَ فالزم.. لماذا لا تؤثر فينا المواعظ؟

هوية بريس – شريف السليماني

إن الله تعالى لم يُنزِل الكتب، ولم يُرسِل الرسل، لنستمع إليهم فقط، وإنما لنتبعهم ونطيعهم. ولذلك قال سبحانه:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾

وقال تعالى: ﴿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾

فتأملوا: لم يقل الله فقط “فاقرؤوه”، ولا “اسمعوه”، وإنما قال: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾، لأن بركة القرآن الحقيقية ليست في جمال التلاوة وحده، ولا في كثرة الاستماع إليه، وإنما في أن يتحول إلى حياة وسلوك وأخلاق ومواقف.

وقال تعالى أيضًا: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾
لم يقولوا: “سمعنا فأعجبنا”، ولا: “سمعنا فتأثرنا فقط”، وإنما قالوا: “سمعنا وأطعنا”، لأن الإيمان الحقيقي ينتقل من السماع إلى العمل، ومن القناعة إلى الالتزام.

وقد ورد في بعض الآثار أن النبي ﷺ سأل حارثة بن مالك:

«كيف أصبحت يا حارثة؟»

فقال:

“أصبحت مؤمنًا حقًا.”

فسأله النبي ﷺ عن حقيقة إيمانه، فقال:

“وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها.”

فقال له النبي ﷺ: «عرفت فالزم».

أي: إذا وصلت إلى حقيقة الإيمان، فاثبت عليها، ولا تجعل المعرفة مجرد شعور عابر أو تأثر مؤقت.

وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا بصدق:

كم من المواعظ نسمع؟

وكم من آيات الله عز وجل نتلو أو تُتلى علينا؟

وكم من الأحاديث والخطب والدروس تمر علينا كل أسبوع؟

لكن… كم نتبع من ذلك؟

وأي أثر تتركه هذه المواعظ في حياتنا؟

كم عدد الخطب التي تُلقى؟

وكم عدد الدروس والمواعظ؟

لكن أين أثرها في الأخلاق؟

أين أثرها في المعاملات؟

أين أثرها في علاقتنا بالله تعالى؟

نخشى أحيانًا أن تتحول هذه المواعظ يوم القيامة إلى حجة علينا لا لنا؛ لأن الله لم يحملنا مسؤولية السماع فقط، وإنما مسؤولية العمل بما سمعنا.

ولذلك قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله: “اعلم أن أي علم لا يقربك من طاعة الله، ولا يبعدك عن معصيته في الدنيا، فإنه لن يقربك يوم القيامة من الجنة، ولن يبعدك عن النار”.

ويؤكد هذا المعنى حديث النبي ﷺ:

«لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع…»

وذكر منها:

«وعن علمه ماذا عمل به.»

استمعت إلى خطبة؟ هذا علم.

سمعت آية فيها أمر أو نهي؟ هذا علم.

حضرت موعظة أو درسًا؟ هذا علم.

لكن السؤال يوم القيامة ليس فقط: ماذا علمت؟

وإنما: ماذا عملت بما علمت؟

ومن أعظم الأمثلة على سرعة الاستجابة والطاعة ما وقع عند تحريم الخمر؛ فلما نزل قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾
قال الصحابة رضي الله عنهم: “انتهينا يا رب، انتهينا يا رب”.

حتى إن من كان في فمه شيء من الخمر رماه فورًا، ومن كان عنده شيء مخزون أراقه، حتى سالت الخمر في طرقات المدينة.

لم يقولوا:

سنكمل ما بأيدينا أولًا…

أو نعطي أنفسنا وقتًا…

وإنما كان شعارهم:

سمعنا وأطعنا.

وكذلك لما نزل قول الله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾

سارعت نساء الصحابة إلى الامتثال، فأخذن ما وجدن من الأقمشة وغطين به رؤوسهن امتثالًا لأمر الله، حتى خرجن وكأن على رؤوسهن الغربان من شدة السواد.

لم يكن المهم عندهن:

هل اللباس متناسق؟

هل هو أنيق؟

هل يوافق الموضة؟

بل كان السؤال:

كيف نطيع الله؟

فأين نحن من هذا اليوم؟

ولماذا لا تؤثر فينا المواعظ كما أثرت فيهم؟

من أول الأسباب: النية.

بأي نية أحضر خطبة الجمعة؟

وبأي نية أستمع إلى القرآن؟

وبأي نية أسمع حديث رسول الله ﷺ؟

يجب أن يدخل الإنسان إلى المسجد وهو يقول في نفسه:

ربما تكون هدايتي في هذه الكلمة.

ربما أسمع اليوم ما يغير حياتي كلها.

أما إذا تحول السماع إلى عادة فقط، فإن أثر الموعظة يضعف.

وقد كان بعض السلف — ويُنسب هذا المعنى إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه — يقول:

“إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأصغِ لها سمعك؛ فإنه إما خير يأمرك الله به، أو شر ينهاك الله عنه.”
أي أنك أنت المقصود بالخطاب.

ومن الأسباب كذلك: الإصرار على الذنوب والمعاصي.

قال النبي ﷺ:

«إن العبد إذا أذنب ذنبًا نُكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر صُقل قلبه، وإن عاد زيد فيها…»
ثم قال ﷺ: «فذلك الران».
أي الذي قال الله تعالى فيه: ﴿كَلَّا بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾

والقلب المغلف بالمعاصي لا تبلغ إليه المواعظ بسهولة؛ تدخل من أذن وتخرج من الأخرى.

وربما قبل أن يخرج الإنسان من باب المسجد يكون كل شيء قد تبخر مع الأسف.

ولذلك لابد من التوبة، ولابد من تنظيف القلوب.

ويمكن أن نشبه المواعظ بالدواء؛ فإذا أراد الإنسان أن يضع دواءً على جرح، فإنه ينظف الجرح أولًا حتى يقبل العلاج، وكذلك القلوب لا تنتفع بالمواعظ حتى تُغسل بالتوبة والاستغفار.

حينها فقط تدخل الموعظة إلى القلب، ويصبح للقرآن أثر، وللخطبة أثر، وللنصيحة أثر.

ومن الأمور المهمة كذلك: إيجاد بيئة إيمانية تساعد على التطبيق والثبات.

فالإنسان قد يسمع موعظة مؤثرة يوم الجمعة، ثم يعيش أسبوعًا كاملًا بعيدًا عن جو الإيمان والتذكير بالله، فمن الصعب جدًا أن يبقى ثابتًا دون أن يضعف أو يغفل.

ولذلك نحتاج إلى بيوت يذكّر فيها بعضنا بعضًا بالله، ويتعاون فيها الأب والأم والأولاد على الطاعة والخير.

قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ﴾

كما نحتاج إلى الصحبة الصالحة، وإلى أناس إذا غفلنا ذكّرونا، وإذا ضعفنا أعانونا.

وهذا الأمر مهم جدًا، خاصة في هذه البلاد؛ لأن الإنسان في كثير من الأحيان لا يختار دائمًا مع من يعمل أو يدرس، وقد يعيش في محيط بعيد عن الدين والالتزام، لكن على الأقل يجب أن يكون البيت بيتًا يساعد على الطاعة.

ومن الأسباب المهمة أيضًا: غياب القدوة.

فالصحابة رضي الله عنهم لم يتأثروا بالقرآن فقط، وإنما رأوا هذا القرآن مطبقًا حيًا في شخص النبي ﷺ، فكان لذلك أعظم الأثر.

أما اليوم، فكثير من شبابنا تُقدَّم لهم قدوات بعيدة عن الإيمان والالتزام؛ مشاهير، ومؤثرون، وأصحاب أموال وشهرة، فيتأثرون بهم في الكلام واللباس وطريقة الحياة، بينما تغيب عنهم القدوات الصالحة.

بل حتى نحن الكبار نحتاج إلى قدوات.

فالإنسان في أمور الدنيا يبحث دائمًا عمّن نجح في أمر من الأمور، فيتعلم منه ويقتدي به؛ فمن أراد النجاح المالي تابع الناجحين، ومن أراد النجاح المهني اقتدى بأهله.

فلماذا لا نفعل ذلك في طاعة الله أيضًا؟

إذا كانت عندي مشكلة في الغيبة، وأعرف شخصًا لا يغتاب الناس، أجالسه وأتعلم منه، وأسأله: كيف نجحت في هذا الأمر؟

إذا كنت أجد صعوبة في المحافظة على الصلاة، ورأيت شخصًا ثابتًا عليها، أسأله: كيف وفقك الله لذلك؟

وهكذا…

في كل فضيلة نبحث عن أهلها، ونقتدي بمن نجحوا فيها.

وليس شرطًا أن يكون الإنسان كاملًا حتى نقتدي به؛ فقد نتعلم من شخص حسن الخلق، ومن آخر الصدق، ومن ثالث المحافظة على الصلاة، ومن رابع بر الوالدين.

قال تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾

وفي النهاية…

ليس المهم كم سمعنا من المواعظ، وإنما:

كم تغيرنا بعدها؟

كم طبقنا؟

كم اقتربنا من الله بسببها؟

فالعبرة ليست بكثرة السماع، وإنما بصدق الاتباع.

عرفتَ… فالزم.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يرزقنا الإخلاص والانتفاع بالمواعظ والعمل بما علمنا.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
22°
22°
أحد
22°
الإثنين
22°
الثلاثاء
24°
الأربعاء

كاريكاتير

حديث الصورة