الهوية بين الفخ والصناعة: هوامش على “فخ الهويات” للدكتور حسن أوريد

الهوية بين الفخ والصناعة: هوامش على “فخ الهويات” للدكتور حسن أوريد
هوية بريس – د.فؤاد بوعلي
أعدت قراءة كتاب “فخ الهويات”، الذي يعتبر من أهم ما كتبه الدكتور حسن أوريد في السنوات الأخيرة، إن لم يكن من أهم ما كتب في الموضوع، مغربيا على الأقل، وإن لم ينتبه إليه كثيرا، والذي يقدم فيه صاحبه قراءة عرضانية لقضايا الهوية من خلال مستويين أساسيين: مستوى الطرح النظري المؤطر لأزمة الهوية كما تبلورت في الأدبيات الغربية على الخصوص، مع الإحالة إلى التجربتين العربية والمغربية، ومستوى التمثل الإجرائي كما أحالت عليه التجربة الفرنسية التي شكلت نموذجا لتنزيل العديد من المفاهيم المركبة. وأهمية الكتاب لا تتوقف عند الجولة الفكرية في أصول المفهوم ومداخله السياسية والسوسيولوجية، ولكن كذلك للإشارات الهامة الواردة في ثناياه التي لا يمكن فهمها إلا في السياق المغربي خصوصا، والعربي عموما. ونظرا لكثرة الأفكار وتزاحمها في ثنايا المؤلف فسوف نقصر حديثنا في هذا المقام على بعضها دون الإخلال بجوهر الرؤية الناظمة. وقد تفيدنا استخدام العنوان صيغة الجمع لا المفرد لاستيعاب فكرة الكاتب من البداية، والتي شرحها الطوزي سابقا بالقول: “الحديث يكون عن هويات؛ لأنّ الهوية بالمفرد لا تكون إلا من إنتاج إيديولوجيا ووراءها مؤَدلِج، أي داعية إلى خطاب إيديولوجي دوغمائي”.
فالقصد أننا نتحدث عن هويات بلون التنوع وليس التفرد، مادام النقاش ليس عن الهوية بل عن خطابات الهوية، وأن الغاية ليست التفكيك النظري للمفهوم بل هي مراجعة توظيفاته المجتمعية والثقافية. ولعل الكاتب وهو يتجول بين النصوص يتلمس حضوره الخاص في كل هذا الركام، مادام قد جمع في مفاصل ذاته الأبعاد المتعددة للهوية أو الهويات المغربية، ناقلا معاناته الدائمة التي عبر عنها في كتاباته المتعددة حتى حق لنا القول بأن بؤرة الاهتمام الأصلية للدكتور أوريد في رواياته وإبداعاته وكتاباته المختلفة هي الهوية بتمثلاتها وتجلياتها، وهو الذي مارسها مجتمعيا وثقافيا وتدبيريا، وعايش تطوراتها بتطور فكره ورؤاه. فالتعدد إذن كما صيغ هنا ليس اعترافا طارئا بل هو حالة طبيعية وأصيلة للكاتب وللوطن، مما يجعلنا نسائل حدود الذات والمعرفة في التناول. فبالرغم من قول الكاتب بأن الموضوع سيتناول “بمبضع الموضوعية”، وهذا صحيح إذا نظر إليه من زاوية التراكم المعرفي الذي انطلق منه الكتاب، فإن السؤال يطرح حول: حدود الموضوعية في قضية عنوانها الأصلي هو الذات؟
الأكيد أن الرؤية المؤسسة للكتاب برمته ليست أكاديمية بالأساس، وليس المقصود البحث في أصول المفهوم بكل تجلياته وتمثلاته الفردية والجماعية، الكونية والمغربية، وليس الباعث وراءها هو التأصيل النظري لموضوع شغل الباحثين والسياسيين، بل هو تقديم حلول إجرائية “للفخ” الذي وجدت جماعات الجنوب نفسها فيه من خلال تفاقم الصراعات المعتمدة على الهوية بعناوينها المختلفة، وقراءة الواقع المغربي بمنظار معرفي شمولي. فالبحث هنا لا يتوقف كثيرا عند مفهوم الهوية ومعانيها التي تناقلتها الكتب بل عند الخطاب حول الهوية الذي تصاعد مع القلق الذي بعثته التجارب المختلفة. فالانفجار الهوياتي ليس متماثلا وإن نسب إلى أحداث متماثلة، بل يختلف حسب المجالات التداولية والنماذج الثقافية. ففي الفضاء الفرنكفوني نلتقط ظهوره المكثف في علم الاجتماع الفرنسي في سبعينات وثمانينيات القرن العشرين مع أفول النموذج الطبقي وبروز مشاكل جديدة تتعلق بالاندماج الاجتماعي وتحوله إلى أزمة أنتروبولوجية كما قال كلود روبار. أما في المجال الأنجلوسكسوني، فقد عرف زخمه في الستينيات مع تصاعد أهمية الأقليات.
وهذا يدفعنا إلى القول بأن معالجة التجربتين العربية والمغربية تحتاج إلى البحث في أصول الإشكال وسياقاته الخاصة وليس نسبته إلى ما عاشته الشعوب الغربية. فصحيح أن زخم الهوية ارتبط ـــ كما ورد في الكتاب ـــ بسقوط جدار برلين ومفاعيل العولمة مما أخرج المطالبات الفئوية والطائفية من رماد الانتظار، لكن الواقع العربي تحكم فيه عاملان جوهريان: القطيعة الاستعمارية والحداثة القسرية. فالأولى فصلت المجتمع العربي عن عمقه الحضاري وأسست لسردية جديدة على حدود مصطنعة مما أعطى الشرعية لخطابات الهوية القطرية ومنحها العناصر المؤثثة وإن كانت وهمية مثل حديث القفطان والزليج والشخصية الوطنية وغيرها، والثانية غيرت في سلم القيم بل في المنظومة القيمية بأكملها وصنعت نماذج ممسوخة ومُوَجَّهة، لأن المفاهيم الليبرالية والعلمانية ليست آليات محايدة للتفاوض حول الاختلاف الهوياتي، كما قالت صبا محمود، بل تحمل في ذاتها عناصر تحيزها لبعض المفاهيم المعيارية للدين، والذات، واللغة.
وحتى عند قراءة النموذج الفرنسي فيلزم النظر إليه في شموليته ومراجعاته العديدة التي تشكك في الصور الوردية لزمن الأنوار الذي سوقت له، وأن ما وقع في العقود الأخيرة ضد الأسلمة أو المهاجرين ليس إلا نتيجة طبيعية لمنطق يسوق العدالة ويمارس العنصرية والإقصاء بل والإبادة. ألم يعترف العديد من الكتاب الفرنسيين بأن الحضارة الفرنسية هي أصل الوحشية الحديثة؟ أليس نابليون هو الذي قال: “التاريخ سلسلة أكاذيب مُتفق عليها”؟ وحين نستحضر المعطيين نستوعب الأسباب الحقيقية وراء تصاعد الخطاب الهوياتي في أسلوبه العنيف والصراعي، وتصاعد السردية الوطنية بعناوينها المختلفة. فالأمر لا يتعلق في جوهره بالقمع أو الإهمال الذي عانت منه بعض المكونات تحت إيديولوجيا القومية، أو التنميط السياسي كما يشاع، أو البحث عن الذات الخاصة داخل المجموع، بل القضية هي محاولة لصناعة هوية بديلة انبعثت شرارتها مع الاستعمار والدولة الحديثة، ووظفت فيها آليات قطرية مازالت تبحث لنفسها عن شرعيات في التاريخ والدين واللهجة واللباس… وربما حتى في طريقة شرب الشاي. وفي هذا السياق تتغير الأولويات والعلاقات مع الغير، حيث يغدو المستعمر صديقا والأخ عدوا، فهل نحن أمام اكتشاف للذات أم الأمر يتعلق بصناعة جديدة لها؟
يحسب للكتاب وصاحبه إشاراته العميقة التي تبين عن فهمه للصراع الهوياتي الطارئ في الساحتين المغربية والعربية وتطوراتهما. فمن البديهي أن الهوية غدت، بل كانت على الدوام، أداة للاختراق والتوظيف الأجنبي، كما أن هشاشة بنى الدول القطرية، منذ الاستقلال السياسي، تساهم في تيسير سبل الاختراق وتوظيف نخب موالية للخارج كما حدث لبعض التيارات الشيعية والكردية في العراق، والنخب الفرنكفونية في المغرب العربي. بل وتمكين هذه النخب من مواقع المسؤولية وتدبير الشأن العام ثقافيا وسياسيا. لكن الخروج من شرنقة الصدام الهوياتي يحتاج إلى فهم أعمق لمقاربة التدبير المشترك، فليس هناك وصفة جاهزة لتدبير الهويات كما قال حسن أوريد، لكن هناك حلول متعددة لتدبير الاختلاف في تصوره: الأول صياغة هوية مشتركة للبلد عبر الشخصية العميقة وإرادة العيش المشترك والمواطنة، والثاني الانطلاق من واقع الاختلاف ووضع قواعد ناظمة كما في الدول المتعددة الإثنيات والقوميات، أو المزج بين المقاربتين. وفي كل الأحوال تظل المواطنة سقف الخروج من الصراع.
وتتحقق المواطنة للفرد كامل الأهلية من خلال مشاركته في الجماعة الوطنية، وهي تعني أي فرد يحمل جنسية الوطن الذي يعيش على أرضه وتفرض عليه واجبات ويتمتع بحقوق دون اعتبار للون أو الجنس أو العرق أو الدين. لكن يبقى السؤال الجوهري هل المواطنة تحل الإشكال الهوياتي؟ هل حلت المواطنة الإشكال في الدول الديمقراطية؟ أم أن القيم المشتركة المجتمعية هي التي تحمي الدولة من الانهيار إبان الأحداث الكبرى؟ وهل يمكن لدولة واحدة أن تخرج منفردة مما يفرض على المنطقة برمتها؟ الجواب واضح والتاريخ شاهد.
يبدو أن التجربة الغربية لا تمنحنا الكثير من التفاؤل لصياغة عقد اجتماعي ينتظم حوله مجتمع، تحمله الدولة في نصوصها المؤسسة ومرجعياتها، كما ورد في المؤلَف، لكن البحث في مفردات الوحدة والفهم الجريء لأسباب الصراع هو الذي يعطينا مفاتيح الحل والتجاوز. فالقضية الهوياتية بدولنا ليست فقط قضية مجتمعية بل هي قضية سياسية توظف خارجيا من طرف القوى الكبرى لإدامة الهيمنة، وداخليا من طرف النخب لكسب الهوامش الانتخابية، والدول لإدارة التوازنات المجتمعية والسياسية. لكن الجرأة المعرفية والمجتمعية تفرض القفز على منطق التوازنات والحسم في الخيارات الهوياتية. والمدخل الطبيعي هو حماية المشترك الوطني بعمقه الحضاري دون البحث عن “صناعة هوية بديلة جديدة” تحت مسميات وهمية، وجعل القانون جزء من هذا التمثل بدل أن يكون “ثوبا رقيعا لهويات فرعية”، بذلك سنتجاوز “فخ الهويات”.



