الأمازيغية والعربية لغتان لأمة واحدة

هوية بريس – إلياس الرشيد اليوسفي
إن الصراع الذي يُراد اليوم إشعاله بين العربية والأمازيغية في المغرب ليس بحثا علميا في التاريخ ولا غيرة صادقة على الهوية، بل هو في صورته المتشنجة رجوع إلى عصبية جاهلية ممقوتة، تُلبس نفسها لباس الثقافة وتتكلم باسم الأصل، وهي في حقيقتها تهدم الأصلين معا.
فمن جعل العروبة خصما للأمازيغية فقد جهل أنساب أهل المغرب، ومن جعل الأمازيغية خصما للعربية فقد مزّق ذاكرة المغرب. إذ لم يكن هذا البلد يوما جسدا بلسان واحد ولا تاريخا بلون واحد، بل كان نسيجًا عجيبًا جمع الله فيه بين الإسلام والعربية والأمازيغية والقرآن والجامع والقبيلة والزاوية والعلم والجهاد والبيعة.
والدعوى القائلة إن المغرب لا يكون مغربيًا إلا إذا غلب فيه طرف وأُقصي الطرف الآخر، دعوى فاسدة في أصلها ولازمها. أما فساد أصلها فلأنها تبني الهوية على الإلغاء لا على الاجتماع. وأما فساد لازمها فلأنها تجعل ملايين المغاربة غرباء في وطنهم، إما لأنهم أمازيغ أو لأنهم عرب، أو لأنهم يحملون اللسانين والذاكرتين معا. وهذا لازم باطل، واللازم الباطل يدل على فساد الملزوم.
ثم نقول لهؤلاء وهؤلاء: هل جاء الإسلام ليجعل الأنساب معاول هدم، أم جسور تعارف؟ قال الله تعالى: ﴿وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا﴾. فالعلة المنصوصة في اختلاف الشعوب والقبائل هي التعارف، لا التناكر، والتكامل، لا التناحر. فمن نقل القبيلة من باب التعارف إلى باب السخرية والاحتقار فقد عكس مقصود النص، وجعل آية الله سببًا للفتنة.
وقال تعالى: ﴿ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم﴾. فجعل اختلاف الألسنة آية ربانية، فمن احتقر الأمازيغية فقد احتقر لسانًا جعله الله من آياته، ومن حارب العربية فقد حارب لسان القرآن ووعاء علوم الإسلام في هذه الأمة.
ولا يجتمع تعظيم القرآن مع ازدراء لسانه، كما لا يجتمع تعظيم آيات الله مع احتقار ألسنة خلقه.
ومن دقائق هذا الباب أن هذا الصراع بهذه الصيغة الإقصائية لم يكن من طبيعة المغرب الأصيلة، وإنما تضخم وتحوّل إلى مشروع تفريق مع دخول الاحتلال وسياساته. فقد عمل الاستعمار الفرنسي في عهد الحماية على إبراز الفوارق بين “العرب” و“البربر” وتوظيفها سياسيًا وقانونيًا، وبلغ ذلك ذروته في ما عُرف بالظهير البربري سنة 1930، الذي فهمه الوطنيون المغاربة آنذاك باعتباره محاولة لتقسيم المجتمع المغربي وفصل بعض قبائله عن الإطار الإسلامي العام. وقد تناولت دراسات أكاديمية هذا البعد من السياسة الاستعمارية في بناء الدولة والهويات داخل المغرب زمن الحماية.
فإذا كان أصل هذا التنازع الحديث قد غذّاه الاحتلال، فالعجب ممن يظن نفسه مدافعًا عن المغرب وحضارته وهو يردد أثرًا من آثار من أرادوا تمزيقه. إن من يحوّل العربية والأمازيغية إلى خندقين متقابلين لا يحيي التاريخ، بل يستأنف جرحا صنعه غيرنا، ويصب فيه من غضبه وجهله.
وقد يقال: إن لكل طرف آلامه ومخاوفه من التهميش أو المحو. ولكن هذا لا يدفع بظلم آخر، وحفظ اللغة لا يكون بإهانة لغة أخرى، ورد الاعتبار للأمازيغية لا يقتضي كراهية العربية، كما أن تعظيم العربية لا يقتضي احتقار الأمازيغية. فالمفسدة لا تزال بمفسدة مثلها أو أكبر منها.
والفرق بين الاعتزاز والعصبية أن الاعتزاز يحفظ الأصل مع العدل، أما العصبية فتحفظ الأصل بالظلم. الاعتزاز أن تقول: لغتي كريمة، وقومي لهم فضل، وتاريخي عزيز. والعصبية أن تقول: لا كرامة إلا في لغتي، ولا أصل إلا أصلي، ولا حق إلا ما كان من جهتي.
والمغرب لا ينهض بهذا الضيق. فقد خدم الأمازيغ العربية والقرآن قرونًا، وخدمت العربية دين الأمازيغ وعلمهم وفتاواهم وقضاءهم، واختلطت الدماء والبيوت والقبائل حتى صار الفصل العدائي بينهما نوعًا من العبث التاريخي. فمن أراد أن يقطع العربية عن الأمازيغية في المغرب، فقد أراد أن يفصل الروح عن الجسد أو الذاكرة عن اللسان.
فالواجب اليوم ليس أن نختار بين العربية والأمازيغية، بل أن نُسقط وهم الخصومة بينهما. العربية ليست عدوة الأمازيغية، والأمازيغية ليست خصمًا للعربية. هذه لسان الوحي والفقه والبيان، وتلك لسان الأرض والجذور والذاكرة والوجدان، وكلاهما في المغرب عاش في ظل الإسلام وخدم أهله وصنع شخصيته.
وأقول هذا لا من موقع من ينكر الأمازيغية أو يستحيي منها، بل من موقع من يتشرف بأنه يتحدث الأمازيغية بطلاقة، ويعدّها جزءًا عزيزًا من وجدانه وذاكرته وأصله. وفي الوقت نفسه أفتخر بالعربية حبا للسان القرآن ولغة النبي العدنان صلى الله عليه وآله وسلم، ووفاء للعلم الذي حملَتْه، والفقه الذي صاغته، والبيان الذي حفظته.
فليست الأمازيغية عندي خصمًا للعربية، ولا العربية غريبة عن أمازيغيتي. بل أرى في اجتماعهما نعمة، وفي حفظهما معًا أمانة، وفي تحويلهما إلى صراع ظلمًا للتاريخ والدين والإنسان.
الأمازيغية والعربية لغتان لأمة واحدة. ومن جعل إحداهما سلاحًا على الأخرى فقد خان سعة المغرب وخالف مقصود الشرع وأحيا فينا أثرًا من آثار الجاهلية والاحتلال.
إن أكرمكم عند الله أتقاكم.



