عاشوراء بين السنة و الشيعة؟

12 يونيو 2026 19:22

هوية بريس – إبراهيم الصغير

مقدمة

كلما اقترب العاشر من شهر محرم الحرام من كل سنة، كلما تجدد النقاش والجدال حول الأحكام الدينية والتقاليد الشعبية والعادات الخرافية، المرتبطة بهذا اليوم، وتجدد معه الخلاف بين السنة والشيعة، في جدلية قديمة حديثة، قائمة على فروق جوهرية متنافرة دينيا و تاريخيا.

ولتحليل عميق و تفكيك دقيق لهذه الفروق، يلزمنا إيجاد إجابات واقعية ومنطقية للعديد من الأسئلة المشروعة، والتي يمكن إجمالها في الآتي:

ماذا يمثل يوم عاشوراء عند المسلمين؟ وما دلالاته الدينية والتاريخية؟ وكيف ينظر أهل السنة إلى الطقوس العاشورائية التي يقيمها الشيعة في هذه المناسبة؟

ما الذي تمثله ذكرى عاشوراء عند الشيعة؟ وما المنطلقات الدينية و التاريخية التي بنوا عليها معتقداتهم وطقوسهم؟ وكيف ينظرون لعبادات و عادات أهل السنة المتعلقة بهذا اليوم؟

لماذا يصر الشيعة على إحياء ذكرى مقتل الحسين في كربلاء لأكثر من 1300 سنة؟ ويجعلونها عنصرا مركزيا في الهوية الشيعية؟ ولا يحيون ذكرى وفاة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو أعلى منزلة من الحسين قطعا؟ وكيف أسهمت قضية كربلاء في تشكيل مفهوم المظلومية عندهم؟

عاشوراء عند أهل السنة

ينطلق أهل السنة في تأسيس معتقداتهم وعباداتهم وجميع تنظيراتهم من القرآن المحفوظ، والسنة النبوية الصحيحة، بفهم سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

ومن ذلكم التصرف في يوم عاشوراء الذي يعتبرونه مناسبة عبادة محضة، تخضع لمنهج الاتباع لا الابتداع، فتجد أهل السنة يصومون ذلك اليوم اقتداء بصيام النبي صلى الله عليه وسلم له، ويستحب عندهم صيام يوم قبله ويوم بعده، مخالفة لليهود الذين كانوا يصومونه لأنه يوم نجى الله فيه موسى، عليه السلام، والذي كان يصومه.

ففي الحديث الصحيح، عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: “قَدِمَ النبيُّ صَلّى اللهُ عليه وسلَّمَ المَدِينَةَ فَرَأى اليَهُودَ تَصُومُ يَومَ عاشُوراءَ، فَقالَ: ما هذا؟ قالوا: هذا يَوْمٌ صالِحٌ، هذا يَوْمٌ نَجّى اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ مِن عَدُوِّهِمْ، فَصامَهُ مُوسى، قالَ: فأنا أحَقُّ بمُوسى مِنكُمْ، فَصامَهُ، وأَمَرَ بصِيامِهِ” أخرجه البخاري(4680) ومسلم(1130).
وعن ابن عباس، رضي الله عنهما، أيضا قال: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشهر يعنى شهر رمضان”( رواه البخاري: 2006) ومعنى يتحرى أي: يقصد صومه لتحصيل ثوابه.

ولم يثبت عند أهل السنة في هذا اليوم غير الصيام و فضائله، وذلك بخلاف ما يفعله بعض العوام من محدثات وعادات تسربت إليهم من غيرهم، كالتوسعة على العيال، وإظهار الفرح، وزمزم وإشعال النار، والاكتحال والحناء، وغيرها من مظاهر الخرافة والممارسات الدخيلة على ديننا.

وجوابا عن هذه المظاهر يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “الحمد لله رب العالمين لم يرد في شيء من ذلك حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه ‏وسلم ولا عن أصحابه ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا ‏روى أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئا لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة ولا التابعين ‏لا صحيحا ولا ضعيفا لا في كتب الصحيح ولا في السنن ولا المسانيد ولا يعرف شيء من هذه ‏الأحاديث على عهد القرون الفاضلة” (مجموع الفتاوى25/299).

فعاشوراء تاريخيا مرتبط عند أهل السنة بحدثين اثنين:

1- نجاة موسى وهلاك فرعون: وما ترتب عليه شرعا من الصوم.

2- استشهاد الحسين رضي الله عنه، وهو من المصائب العظيمة التي حلت بالمسلمين، وما يترتب عليه من أحكام شرعية، يمكن إجمالها عند أهل السنة في ما يلي:

جواز الحزن والبكاء على الميت، تحريم النياحة وما يصاحبها من مخالفات جاهلية كشق الجيوب ولطم الخدود وإظهار الجزع من القدر، والحداد لأكثر من ثلاثة أيام لغير المرأة على زوجها.

مما هو وسط بين العاطفة الغريزية الطبيعية لفقد عزيز، وبين مظاهر الغلو الجاهلية.

وبناء على ما سبق ينظر أهل السنة إلى الطقوس العاشورائية الشيعية بأنها مخالفة لهدي الإسلام الرباني وابتداع بشري، وخرافات تسيء إلى الإسلام باسم محبة آل البيت والحزن عليهم.

عاشوراء عن الشيعة

مقدمة لا بد منها قبل تحرير هذه المسألة، و هي عن أي تشيع نتكلم؟ هل التشيع العربي الأصيل الذي على عجره وبجره لم يعد موجودا أصلا، أم عن التشيع الفارسي الذي اختطف التشيع العربي وصيره مشروعا سياسيا مغطى بالديني.

هل نتكلم عن المعتدل، إن وجد، أم عن الغلاة الذين يتهمونه بالتوسع في التقية؟

لماذا هذه الأسئلة تطرح نفسها وبشدة، حتى لا نحاكم أقوال الشيعي إلى القرآن وهو يعتقد بتعرضه للتحريف، حتى لا نحاكمه إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتهمها بالوضع والتزوير؟

تعتبر ذكرى عاشوراء عند الشيعة مناسبة للحزن والحداد على استشهاد الحسين بن علي -رضي الله عنه- في كربلاء سنة 61هـ.

فتقام مجالس العزاء الحسينية، والمواكب الجماهيرية، التي تلطم وتطبر وتضرب الرؤوس والظهور وتلتحف السواد إظهارا للحزن والجزع مدة أربعين يوما.

فما مراحل تطور هذه الشعائر، وما الأسس الشرعية التي بنيت عليها؟

يختلف مؤرخو الشيعة وعلماؤها على تاريخ ظهور الشعائر الحسنيية، التي يرى عبد المحسن الأميني في محاضراته المجموعة في كتاب (سيرتنا وسنتنا)، أن أول من أقامها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياة حفيده، ويرى آخرون أن ظهورها كان بشكل فردي منذ 61هـ، ذكرى استشهاد الحسين، رضي الله عنه، بينما يذهب غيرهم إلى أن الظهور الفعلي لها كظاهرة كان في العصر البويهي (القرن الرابع الهجري) وقال آخرون أنها لم تظهر بالشكل الذي عليه الآن إلا مع الدولة الصفوية (من القرن العاشر الهجري فصاعدا) والتي أرست قواعد هذه الشعائر كما هي الآن.

وهذا غير مهم بقدر معرفة الأسس العلمية والشرعية التي بنيت عليها هذه الشعائر، وهنا اصطدم الشيعة بالأدلة التي تحرم هذه الشعائر مما خلق حالة من التناقض وتناقض التناقض حولها داخل المدارس الشيعية، حتى عمد بعض العلماء إلى تحريمها والنهي عنها، كخامنئي ممثل ولاية الفقيه وحوزة قم، الذي يرى فيها وهنا وضررا على التشيع. وجوزها البعض شريطة انتفاء الضرر، كالشيخ الفياض من النجف، وأوجبها الشيرازي بل يعتبرها شعائر إلاهية واجبة.

أراء و توجهات وإن اختلفت في قضاياها الأساسية إلا أنها توحدت في الطعن في المخالف ويقصدون أهل السنة حيث يرون أنهم يبغضون آل البيت بدليل عدم الحزن عليهم بالطريقة الشيعية، وأن تاريخهم مزور تعرض للتحريف، إلى غير ذلك من التهم الجاهزة.

التوظيف السياسي الشيعي لمقتل الحسين

لم يكن الحسين رضي الله عنه، أول رجل يقتل من آل البيت، فقد مات صاحب البيت، ولا يحي الشيعة ذكرى وفاته بل ولا يتذكرونها حتى، وماتت الزهراء والإمام علي، رضي الله عنهما، ولم يؤثر عن الشيعة خمس ما يقومون به في قصة كربلاء.

لماذا نسي الشيعة آلاف المعارك التي وقعت في التاريخ الإسلامي، ودفنوها في ذاكرة الماضي، إلا معركة كربلاء بقيت حية في الوعي والوجدان الشيعي؟

لقد مر حدث مقتل الحسين عبر مراحل طويلة، ومع كل مرحلة كان يحمل رمزية شحن أقوى، حتى تحول إلى ثقافة كربلائية ثورية، قابلة للاستعمال الطائفي والتوظيف السياسي، تحت شعارات عاطفية شتى (يا لثارات الحسين) (كل أرض كربلاء وكل يوم عاشوراء).

فقد تحول الحسين عند الشيعة إلى رمز للمقاومة ضد الظلم والطغيان، ترفعه الدول الشيعية لتجييش المقاتلين وخوض الحروب التوسعية.

وإلى مظلوم يحتاج إلى النصرة ممثلا محور الحق ضد الباطل لإضفاء شرعية على معاركهم القتالية ضد الخصوم، أو منتصر انتصارا رمزيا أخلاقيا مقابل الظلم الذي لحقه.

بينما جعل في النظام السياسي الإيراني الحالي وقودا للتعبئة ومناصرة المشروع الخميني الذي يدعي أنه امتداد للخط الثوري الحسيني، في إطار ولاية الفقيه الشيعية.

خاتمة

إن التوظيف السياسي الشيعي لمقتل الحسين رضي الله عنه، (عاشوراء) والانتقال بهذا الحدث من سياقه الديني التاريخي إلى محرك سياسي عاطفي للتجييش ضد المسلمين بوصفهم يمثلون الخط اليزيدي، مقابل الخط الحسيني، والدعوة إلى الانتقام، واللعن والتكفير، والإعلان لهذه الشعائر الجاهلية لا يخدم إلا أعداء الإسلام والمسلمين.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
22°
24°
السبت
23°
أحد
22°
الإثنين
22°
الثلاثاء

كاريكاتير

حديث الصورة