بين مِشْكاةِ التَّبَايُنِ الزَّوجِيّ.. وجَدَلِيَّةِ الِائْتِلَافِ والعَوَاصِفِ!

هوية بريس – نجية أم سليمان
إنَّ عَقْدَ النِّكاحِ في المَنْظُورِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ مُجَرَّدَ مِيثَاقٍ تَعَاقُدِيٍّ عَابِرٍ، بَلْ هُوَ “مِيثَاقٌ غَلِيظٌ” يَسْتَهْدِفُ صِهْرَ نَفْسَيْنِ فِي بَوتَقَةِ السَّكَنِ والمَوَدَّةِ والرَّحْمَةِ. بَيْدَ أَنَّ هَذَا الِائْتِلَافَ الرُّوحِيَّ كَثِيرًا مَا يَصْطَدِمُ بِعَوَارِضَ النَّزَعَاتِ البَشَرِيَّةِ وتَبَايُنِ المَشَارِبِ فِي نَمَطِ العَيْشِ؛ فَإِذَا لَمْ يُحَاطَا بِبَصِيرَةِ التَّدْبِيرِ وحِكْمَةِ التَّسْدِيدِ، تَحَوَّلَ التَّبَايُنُ مِنْ آيَةٍ لِلتَّفَكُّرِ إِلَى مَظِنَّةٍ لِلتَّدَاحُرِ.
• صُوَرٌ مِنْ تَنَازُعِ المَشَارِبِ والعَادَاتِ:
كَيْفَ يَسْتَقِيمُ الظِّلُّ والعُودُ أَعْوَج؟ وكَيْفَ يَلْتَقِي فِي مَرْفَأِ الحَيَاةِ قَلْبَانِ:
√ فِي فَلْسَفَةِ الحَرَكَةِ والمَال: أَحَدُهُمَا نَازِعٌ إِلَى ضَرْبٍ فِي الأَرْضِ، شَغُوفٌ بِالسَّفَرِ والرِّيَاضَةِ، يَرَى فِي ارْتِيَادِ الآفَاقِ وتَقْوِيَةِ البَدَنِ صَقْلًا لِلرُّوحِ (عَمَلًا بِالمَقْصِدِ الشَّرْعِيِّ فِي رِعَايَةِ القُوَّةِ والمُتْعَةِ المُبَاحَةِ)، بَيْنَمَا الآخَرُ “بَيْتُوتِيٌّ” سَاكِنٌ، يَرَى فِي التَّنَقُّلِ مَضْيَعَةً لِلْوَقْتِ والمَالِ، مُتَدَثِّرًا بِدِثَارِ الِادِّخَارِ الذِي قَدْ يَنْحَرِفُ لِيُلامِسَ حِمَى التَّقْتِيرِ!
√ فِي مِيزَانِ البَدَنِ والقُوت: طَرَفٌ يَسْلُكُ سَبِيلَ الحِمْيَةِ والنَّظَافَةِ الصِّحِّيَّةِ رِعَايَةً لأَمَانَةِ الجَسَدِ، وطَرَفٌ آخَرُ لَا يَرَى اللَّذَّةَ إِلَّا فِي الفَوْضَى المَطْبَخِيَّةِ والأَكَلَاتِ الدَّسِمَةِ، مُعْتَبِرًا الِانْضِبَاطَ حِرْمَانًا، جَاهِلًا أَنَّ حِفْظَ النَّفْسِ مَقْصِدٌ كُلِّيٌّ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ.
√ فِي فِقْهِ النَّفْسِ والعَقْل: رُوحٌ تَطْلُبُ السَّكِينَةَ، وتَأْنَسُ بِالكِتَابِ، وتَلُوذُ بِالتَّأَمُّلِ الذِي هُوَ عِبَادَةُ أُولِي الأَلْبَابِ، فِي مُقَابِلِ نَفْسٍ تَعْشَقُ الصَّخَبَ، وتُزْجِي فَرَاغَهَا بِاللَّهْوِ الرَّقْمِيِّ والأَلْعَابِ، أَوْ تَعِيشُ هَمَلًا بِلَا شَغَفٍ يُذْكَرُ.
√ فِي سُنَّةِ النِّظَامِ: نَفْسٌ جُبِلَتْ عَلَى حُبِّ النَّظَافَةِ والاتِّسَاقِ، تَمْثِيلًا لِلْجَمَالِ الإِلَهِيِّ الَمشْرُوعِ، وأُخْرَى غَارِقَةٌ فِي عَفْوِيَّةٍ تَصِلُ إِلَى حَدِّ الفَوْضَى والمَشَقَّةِ.
• السُّؤَالُ المَقَاصِدِيُّ الحَرِجُ:
إِذَا غَابَ التَّفَاهُمُ المَبْنِيُّ عَلَى فِقْهِ “المُدَارَاةِ”، والتَّفَهُّمُ المَسْنُودُ إِلَى “احْتِمَالِ الأَذَى”، أَلَنْ تَتَحَوَّلَ هَذِهِ التَّفَاصِيلُ الَّتِي نَحْسَبُهَا هَيِّنَةً وَهِيَ عِنْدَ النَّفْسِ عَظِيمَةٌ، إِلَى مَصَادِرَ قَلَقٍ دَائِمٍ ومَعَاوِلَ هَدْمٍ لِلصَّرْحِ الزَّوجِيّ؟ إنَّ غِيَابَ التَّوَازُنِ يَجْعَلُ مِنَ المَعْرُوفِ نُكْرًا، ومِنَ السَّكَنِ ضَنْكًا.
• مَسَارَاتُ الخَلَاصِ (بَيْنَ الِاتِّفَاقِ الِابْتِدَائِيِّ والمُرُونَةِ التَّكَيُّفِيَّةِ):
إنَّ الخُرُوجَ مِنْ هَذِهِ المَضَايِقِ الرُّوحِيَّةِ والفِكْرِيَّةِ يَسْتَوْجِبُ احْتِمَالَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا:
1- الِاخْتِيَارُ المَبْنِيُّ عَلَى الكَفَاءَةِ الفِكْرِيَّةِ والسُّلُوكِيَّةِ: أَنْ يَكُونَ التَّأَسِيسُ الأَوَّلُ قَائِمًا عَلَى “التَّقَارُبِ”، لَيْسَ فَقَطْ فِي الدِّينِ بِمَفْهُومِهِ الشَّعَائِرِيِّ، بَلْ فِي “فِقْهِ العَيْشِ” والتَّصَوُّرَاتِ الكُلِّيَّةِ لِلْحَيَاةِ؛ فَتَشَابُهُ النَّمَطِ يُغْنِي عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الِاعْتِذَارِ.
2- التَّخَلُّقُ بِأَخْلَاقِ المُرُونَةِ والتَّقَبُّلِ: إِذَا وَقَعَ التَّبَايُنُ بَعْدَ المِيثَاقِ، فَلَا مَنَاصَ مِنَ الِانْتِقَالِ إِلَى مَرْتَبَةِ “الجِهَادِ النَّفْسِيِّ الزَّوجِيِّ”؛ بِتَعَلُّمِ مَهَارَاتِ التَّكَيُّفِ، وإِدَارَتِهِ بِمَنْطِقِ “الفَضْلِ لَا العَدْلِ” لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ).
إنَّ العَجْزَ عَنْ تَحْقِيقِ أَحَدِ هَذَيْنِ المَسَارَيْنِ يَعْنِي كَفْكَفَةَ دُمُوعِ الاسْتِقْرَارِ، وإِشْعَالَ بَرَاكِينَ مَكْتُومَةٍ مِنَ التَّوَتُّرِ الَّذِي لَا يَهْدَأُ.. فَيَعِيشُ المَرْءُ فِي بَيْتِهِ غَرِيبًا، يُعَانِي غُصَّةَ “العَدَمِ الرُّوحِيِّ” وشُعُورًا مَقِيتًا بِعَدَمِ الِاكْتِمَالِ، حَيْثُ يَصِيرُ العَيْشُ المَشْتَرَكُ جَسَدًا بِلَا رُوحٍ، وظِلًّا لَا دِفْءَ فِيهِ.



