المغرب بين عبث السياسة وجشع الفراقشية وتطويع الدين للإملاءات السياسية

المغرب بين عبث السياسة وجشع الفراقشية وتطويع الدين للإملاءات السياسية
هوية بريس – نبيل غزال
كل المؤشرات تشير إلى أن الأزمة في المغرب لم تعد مرتبطة فقط بغلاء الأسعار والاحتقان السياسي، بل تحولت إلى حالة عامة من اختلاط الأدوار، وانهيار الحدود بين السلطة والمعارضة، وبين الدين والسياسة، وبين الرقابة والتواطؤ. فما يجري ليس مجرد أخطاء معزولة هنا وهناك، بل مشهد كامل تتشابك فيه المصالح والخطابات، حتى أصبح المواطن المغربي يشعر أنه وحيد في مواجهة حكومة تدافع عن نفسها، ومعارضة تدافع عن الحكومة، وخطاب ديني يُعاد تشكيله وفق المزاج السياسي وسلطة الثقافة الغالبة.
المعارضة التي تحولت إلى حارس للحكومة
في الأنظمة الطبيعية، يُفترض أن تكون المعارضة صوت الناس داخل المؤسسات، وأن تراقب الحكومة وتنتقدها وتحاسبها. لكن ما يقع اليوم داخل البرلمان المغربي يثير أسئلة محرجة حول طبيعة بعض من يقدمون أنفسهم كمعارضين، بينما يمارسون دور الدرع السياسي للحكومة.
أحد أبرز النماذج التي فجرت الجدل أخيرا هو إدريس اشطيبي، عضو حزب الاتحاد الاشتراكي والنائب الرابع لرئيس البرلمان، الذي تحولت جلسات مجلس النواب في عهده إلى ساحة توتر واستفزاز ومواجهات لفظية عنيفة. الرجل لا يكتفي بتسيير الجلسات، بل يدخل في معارك مباشرة مع نواب ورؤساء فرق المعارضة، يهاجم هذا، ويطرد ذاك، ويصف آخر بالشيوعي أو الشيعي، ويوجه عبارات مستفزة لامرأة من قبيل: “من أنت؟ ومنين جات هادي؟”.
أي حياد بقي داخل مؤسسة تشريعية يفترض فيها احترام التعدد والاختلاف؟
المثير ليس فقط سلوك شخص قد نال منه عامل السن بشكل واضح، بل ما يكشفه هذا السلوك من عقلية سياسية جديدة لم يشهد لها المغرب مثيلا من قبل، معارضة تحارب المعارضة، وبرلمان يتحول فيه بعض المسيرين إلى محامين عن أخنوش ووزرائه بدل أن يكونوا ضامنين للنقاش الحر والنزيه. ولذلك لم يكن غريبا أن يصف بعض النواب سي اشطيبي بـ”الهستيري” و”الفاقد للتوازن”، لأن الصورة التي تصل للرأي العام هي صورة مسؤول منفعل ومتوتر لا يحتمل النقد، ويعتبر أي اعتراض تهديدا شخصيا.
المغرب اليوم يعيش مفارقة خطيرة، فالحكومة تملك الأغلبية والسلطة والإدارة والإعلام الرسمي وغير الرسمي، ومع ذلك تريد أيضا من معارضة ضعيفة أن تكون طيِّعة لا ترفع صوتا.
حين تصبح الدولة عاجزة أمام الفراقشية
إذا كان البرلمان يقدم صورة العبث السياسي، باستثناء قليل، فإن سوق المواشي يقدم صورة العبث الاجتماعي والاقتصادي.
المواطن المغربي يعيش منذ شهور تحت ضغط أسعار غير مسبوقة، خصوصا في ملف اللحوم والأضاحي، ورغم كل الحديث عن الدعم، وعن إلغاء شعيرة العيد السنة الماضية من أجل إعادة تكاثر القطيع، فإن الواقع لم يتغير ولم يرتفع. الفراقشية فعلوا ما أرادوا، والأسعار تواصل الاشتعال، والحكومة لا تتحرك إلا عندما ينفجر الغضب على مواقع التواصل الاجتماعي.
وحين يشتعل “الفايسبوك” و”تيك توك” و”اليوتيوب”.. تخرج التصريحات، وتتحرك اللجان وتطلق تهديدات استهلاكية سرعان ما تتبخر وتختفي، بينما يبقى المواطن على دوام ولاية هذه الحكومة يشوى على نار الغلاء الملتهب.
بالله عليكم أي معنى للدعم إذا كان المواطن لا يرى أثره؟
وأي مراقبة هذه التي تجعل أصغر خروف يتجاوز راتب مستخدم بسيط يتقاضى ثلاثة آلاف درهم؟
الأدهى أن وزير الفلاحة خرج يتحدث عن وجود خروف بـ1000 درهم، ثم تراجع إلى 2000 درهم، بينما المغاربة يبحثون في الأسواق عن هذا الخروف الأسطوري فلا يجدونه إلا في التصريحات الرسمية. حتى صار الناس يسخرون بالقول: ربما يبيعونه بهذا الثمن للوزراء وحدهم، أو يبيعون لوزير الفلاحة نفسه العـْجْل، حين يرفعون له أرقاما وأسعارا غير صحيحة.
المشكلة لم تعد فقط في الغلاء، بل في الإحساس الجماعي بالاحتقار والإهانة. المواطن يرى أمام عينيه 2800 مليار من المال العام تُصرف تحت للدعم، بينما لا يغادر سعر اللحم عتبة 140 درهما للكيلو، والوعود ذاتها تتكرر، والمضاربون يزدادون ثراء، ثم يُطلب من المواطن المطحون بعد كل هذا أن يصدق أن الأمور متحكم فيها وتحت السيطرة، وأن “الفراقشي” ليس أقوى من مؤسسات المراقبة، وأسرع تأثيرا من قرارات الحكومة.
تشكيل الدين وفق الطلب السياسي
أما أخطر ما يقع اليوم، فهو ما يجري داخل المجال الديني، حيث لم يعد النقاش مجرد اختلاف فقهي أو اجتهاد علمائي، بل أصبح يتعلق بمحاولة إعادة صياغة صورة الدين نفسه بما ينسجم مع الضغوط السياسية والثقافة الغربية؛ التي يتم تنزيلها عبر هيئات ومؤسسات دولية.
تصريح وزير الأوقاف بأن النبي ﷺ “بعث هاديا لا غازيا” أثار غضبا واسعا، لأن المنتقدين رأوا فيه اختزالا متعمدا لشخصية الرسول ﷺ، وتقديما لصورة منزوعة من سياقها التاريخي والحضاري.
أكيد أن النبي ﷺ كان هاديا ورحمة للعالمين، لكن هل كان ذلك بمعزل عن بناء الدولة، وعن الجهاد المشروع، وعن قيادة المعارك، وعن مقاومة المعتدين؟
كتب السيرة والمغازي، والتراث الإسلامي كله، لا يقدم النبي ﷺ باعتباره مجرد واعظ روحي منزوع التأثير السياسي والعسكري، بل نبيا وقائدا ومربيا وحاكما ومجاهدا في آن واحد. ولذلك اعتبر عدد من العلماء والمتابعين أن هذا الطرح من وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، ليس مجرد زلة تعبير، بل محاولة لإعادة تشكيل الوعي الديني وفق النموذج الغربي الذي يقبل دينا فردانيا منزوع التأثير في الحياة العامة.
الأخطر من ذلك، هو خروج بعض المتصدرين بالمجال الديني لتبرير كل ما يصدر عن الوزير، حتى حين يناقض الثوابت أو يتضمن أحكاما متسرعة كما وقع سابقا في قضية وصف بعض العلماء والدعاة بالخوارج.
هؤلاء لا يناقشون علميا، بل يمارسون وظيفة التبرير. يقتطعون نصوصا ويهملون أخرى، ويستدعون روايات تاريخية ضعيفة، ويؤسسون لفهم انتقائي للدين يخضع للمطلوب السياسي لا للميزان العلمي المحكّم.
ولذلك لم يكن مستغربا أن يواجهوا غضبا شعبيا واسعا، لأن الناس لم تعد ترى في هذا الخطاب دفاعا عن الدين، بل دفاعا عن السلطة باسم الدين.
المغاربة يمكن أن يتحملوا الفقر، ويمكن أن يصبروا على الغلاء، لكنهم حين يشعرون أن دينهم نفسه يُعاد تشكيله وفق الإملاءات السياسية والثقافية، فإن الأمر يتحول إلى أزمة ثقة عميقة وخطيرة.
ما يقع اليوم في المغرب ليس مجرد اختلافات سياسية أو سجالات دينية وإعلامية عابرة، بل صراع حقيقي حول الهوية والوجود وأسلوب الحياة؛ بين من يريد مجتمعا يضمن كرامة العيش ويحترم عقول الناس ودينهم ومعاناتهم، ومن يطمع لتسلق المناصب أو المحافظ عليها، ويريد من الجميع أن يكون مصفقا، حتى وإن كانوا يختنقون اقتصاديا وسياسيا وفكريا.



