ما الأسرة التي ننشدها؟

13 يونيو 2026 19:20
ما الأسرة التي ننشدها؟
الأسرة في زمن التحديات (الحلقة الثالثة)
هوية بريس – شريف السليماني
في الحلقة السابقة تحدثنا عن أهمية الأسرة ومكانتها في حياة الإنسان، وكيف أنها ليست مجرد إطار يجمع أفراداً تحت سقف واحد، بل هي المؤسسة الأولى التي تبني الإنسان، وتنقل القيم والأخلاق والهوية من جيل إلى جيل، وتوفر للإنسان السكن والمودة والدعم والاستقرار.
لكن ليس كل بيت يحقق هذه الوظائف تلقائياً، وليس كل تجمع أسري ينجح في أداء هذه الرسالة. ولذلك يبرز سؤال مهم:
ما الأسرة التي ننشدها؟ وما المعالم التي ينبغي أن تتوفر فيها؟
ولعل من أجمع التعريفات للأسرة التي ننشدها أنها الأسرة التي توفر لكل فرد من أفرادها البيئة المناسبة للقيام بواجباته الدينية والدنيوية، وما يعينه على إشباع حاجاته المادية والمعنوية في إطار من المودة والرحمة والاستقرار.
وأؤكد هنا على كلمة «لكل»، لأن الأسرة الناجحة لا تُبنى على راحة فرد واحد وإهمال بقية أفرادها، بل تسعى إلى مراعاة حاجات الجميع وظروف الجميع بحسب أعمارهم وأدوارهم ومسؤولياتهم.
أولاً: مراعاة حاجات أفراد الأسرة
عندما نتحدث عن حاجات أفراد الأسرة، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو الحاجات المادية الأساسية، كالسكن والطعام واللباس والعلاج وسائر متطلبات الحياة الكريمة.
ولا شك أن توفير هذه الحاجات من أولى مسؤوليات الأسرة، ولا يمكن التقليل من أهميتها أو اعتبارها أمراً ثانوياً. بل إن من مسؤولية الأسرة كذلك أن تحمي أبناءها وتصون كرامتهم، وأن توفر لهم ما يحتاجون إليه من رعاية وعناية.
فالطفل يحتاج إلى الرعاية والحماية والتوجيه، لا إلى أن يتحمل أعباء الكبار أو مسؤولياتهم. والأسرة التي ننشدها هي التي تسعى إلى توفير حاجات أبنائها وحماية كرامتهم، وتمنحهم الفرصة ليعيشوا طفولتهم في بيئة آمنة ومتوازنة.
غير أن توفير الحاجات المادية لا يعني المبالغة في الإنفاق أو تحويل الأسرة إلى بيئة استهلاكية تقوم على الإسراف والتبذير، كما لا يعني البخل والتضييق والتقتير، بل المطلوب هو التوازن والاعتدال.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ (الإسراء: 29).
فالأسرة التي ننشدها لا تقوم على الحرمان، كما لا تقوم على الاستهلاك المفرط وتلبية كل رغبة دون ضابط أو حكمة.
وعندما نتحدث عن توفير الحاجات المادية فإننا نتحدث عن مسؤولية شرعية وأخلاقية واضحة. فالسكن اللائق، والطعام، واللباس، والعلاج، وسائر الحاجات الأساسية ليست منّة يتفضل بها المسؤول عن الأسرة متى شاء، وإنما هي من الواجبات التي ألزمه الله بها.
ولهذا جعل الإسلام النفقة من مسؤوليات الزوج والأب، وربط القوامة بالمسؤولية والتكليف، لا بمجرد السلطة أو الامتياز.
غير أن مسؤولية الزوج والأب لا تقتصر على الإنفاق المادي فقط، فبناء الأسرة ورعاية الأبناء يحتاجان كذلك إلى حضور ومتابعة واهتمام. ومن الخطأ أن يظن بعض الناس أن أداء واجبه المالي يعفيه من سائر المسؤوليات الأسرية.
وفي واقعنا المعاصر، ولا سيما في بعض المجتمعات الغربية، تزداد أهمية هذا الجانب بسبب كثرة المتطلبات التربوية والإدارية المرتبطة بتربية الأبناء، من التواصل مع المدارس، ومتابعة الدراسة، وحضور اللقاءات التربوية، والاهتمام بالأنشطة المختلفة.
وكثيراً ما نجد أن بعض الأمهات أو الزوجات يتحملن وحدهن معظم هذه المسؤوليات اليومية، بينما يكتفي الزوج بدور الممول المادي للأسرة. والحال أن تربية الأبناء ورعاية الأسرة تحتاج إلى الحضور والمتابعة كما تحتاج إلى النفقة والإنفاق.
ولذلك فإن الأسرة التي ننشدها هي الأسرة التي يتعاون فيها الزوجان على تحمل المسؤوليات بحسب ظروفهما وقدراتهما، ويشعر كل واحد منهما أنه شريك حقيقي في بناء الأسرة ورعاية الأبناء.
ومن المؤسف أن نسمع أحياناً شكاوى من زوجات يتحملن معظم الأعباء المادية للأسرة، لا لأنهن اخترن المساعدة طوعاً، بل لأن الزوج انسحب من مسؤوليته أو تهرب منها وهو قادر على القيام بها.
ولا حرج أن تساعد الزوجة أسرتها إذا رغبت في ذلك وكان في الأمر مصلحة للأسرة، بل قد يكون ذلك من التعاون والإحسان بين الزوجين. لكن الفرق كبير بين التعاون وبين التخلي عن المسؤولية. فالتعاون شيء، وترك الواجب وتحميله للطرف الآخر شيء آخر.
فالزوج الذي يترك النفقة الواجبة على أسرته وهو قادر عليها لا ينسجم سلوكه مع ما أمر به الإسلام من تحمل المسؤولية ورعاية الأهل.
ومن المعاني الجميلة التي يغفل عنها بعض الناس أن الإسلام لم يجعل النفقة على الأسرة مجرد واجب ثقيل، بل جعلها باباً من أبواب الأجر والقرب من الله تعالى.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة» (متفق عليه).
وقال صلى الله عليه وسلم: «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك» (رواه مسلم).
فالعمل من أجل إعفاف الأسرة ورعايتها والإنفاق عليها ليس مجرد شأن دنيوي، بل عبادة يؤجر عليها المسلم إذا قصد بها وجه الله وأداء الأمانة التي حمله الله إياها.
وكما أن الإسلام أوجب على الزوج النفقة على أسرته، فإنه في الوقت نفسه راعى أحوال الناس وقدراتهم المختلفة.
قال الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (الطلاق: 7).
فالأسرة التي ننشدها لا تجعل همها مقارنة نفسها بالآخرين أو منافستهم في المظاهر، بل تبني علاقتها على الواقعية والتعاون والقناعة.
وكما لا يجوز للزوج أن يتهرب من مسؤوليته، لا ينبغي كذلك أن تُحمَّل الأسرة المسؤول عنها ما يفوق قدرته وطاقته، أو أن تدفعه المطالب المتزايدة إلى الديون أو القلق أو السعي وراء مصادر رزق غير مشروعة.
فالزوجة الحكيمة، والأبناء الذين تربوا على القيم الصحيحة، لا يقيسون نجاح الأسرة بكثرة ما تملك، ولا يجعلون مطالبهم سبباً في إرهاق الأب أو دفعه إلى ما لا يطيق.
وقد كان من كلام بعض السلف أن المرأة كانت تودع زوجها إذا خرج لطلب الرزق فتوصيه بتقوى الله، وتذكره أن الرزق الحلال وإن كان قليلاً خير من المال الحرام وإن كثر.
إن الأسرة الناجحة ليست بالضرورة الأسرة الأكثر مالاً، بل الأسرة التي تحسن تدبير ما لديها، ويتفهم أفرادها ظروف بعضهم بعضاً، ويتعاونون على مواجهة أعباء الحياة بروح من الرحمة والمسؤولية.
ومن التحديات التي تواجه بعض الأسر المسلمة المقيمة في الدول الغربية أن التقصير في رعاية الأبناء لا تقتصر آثاره على الأسرة نفسها أو على الأطفال فقط، بل قد تترتب عليه أحياناً نتائج قانونية واجتماعية خطيرة. ففي بعض الدول الغربية توجد مؤسسات مختصة بحماية الطفولة تتدخل عندما ترى أن الطفل لا يحظى بالحد الأدنى من الرعاية أو الحماية أو العناية التي يحتاج إليها.
وكثيراً ما نسمع من يلقي اللوم مباشرة على هذه الجهات أو يتحدث عن استهداف الأسر المسلمة أو التأثير على أبنائها، لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا أولاً هو: هل قمنا نحن بواجباتنا كما ينبغي؟ وهل وفرنا لأبنائنا ما يحتاجون إليه من رعاية وتربية وحماية؟
فليس من الحكمة أن ننشغل دائماً بلوم الآخرين ونغفل أحياناً عن جوانب التقصير الموجودة داخل بعض الأسر. ولا يعني هذا أن كل تدخل أو كل قرار يكون بالضرورة صحيحاً، لكن من المؤكد أن الأسرة التي تقوم بواجباتها وتحسن رعاية أبنائها تكون أقل عرضة لكثير من المشكلات، وأقدر على حماية أبنائها والمحافظة عليهم.
ولذلك فإن من أهم ما تحتاجه الأسر المسلمة اليوم هو أن تعي حجم المسؤولية التي وضعها الله على عاتقها، وأن تدرك أن الإهمال أو التقصير لا تترتب عليه آثار تربوية فقط، بل قد تكون له أحياناً تبعات قانونية واجتماعية لا تحمد عقباها.
ثانياً: الاستقرار والسكينة
إذا كانت الأسرة مطالبة بتوفير الحاجات المادية لأفرادها، فإن الإنسان لا يعيش بالخبز وحده، بل يحتاج أيضاً إلى السكينة والاستقرار والطمأنينة.
قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ (الروم: 21).
فالأسرة التي ننشدها ليست مجرد مكان يجتمع فيه أفراد تحت سقف واحد، وإنما هي البيئة التي يجد فيها الإنسان الراحة بعد التعب، والطمأنينة بعد القلق، والدعم بعد الضعف.
فالزوج أو الزوجة يعودان من العمل مثقلين بأعباء الحياة، والأبناء يعودون من الدراسة بما فيها من جهد وتعب، ومن حق كل واحد منهم أن يجد في بيته مكاناً يساعده على استعادة توازنه وراحته.
كما أن الإنسان يحتاج داخل أسرته إلى الشعور بالأمان والاحتواء والانتماء. يحتاج إلى من يسمعه إذا ضاقت به الدنيا، ومن يشجعه إذا ضعف، ومن يسانده إذا تعثر، ومن ينصحه إذا أخطأ.
فالأسرة الناجحة ليست مجرد أفراد يعيشون معاً، بل أفراد يشعرون أنهم يقفون إلى جانب بعضهم بعضاً في أوقات الشدة قبل أوقات الرخاء.
ولا يعني الاستقرار غياب المشكلات أو الخلافات، فذلك يكاد يكون مستحيلاً في أي أسرة. وإنما المقصود أن تبقى الخلافات في حدودها الطبيعية، وأن تُدار بالحكمة والحوار والاحترام، دون أن تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والاضطراب.
ولعل الحديث عن أسباب الاستقرار الأسري وكيفية تحقيقه والمحافظة عليه يحتاج إلى وقفة خاصة، ولذلك سنؤجل الحديث عن بعض تفاصيله إلى مقالات أو حلقات لاحقة بإذن الله، ونكتفي هنا بالتأكيد على أن الاستقرار والسكينة من أهم المعالم التي ينبغي أن تتوفر في الأسرة التي ننشدها.
ولا يقتصر دور الأسرة على توفير الحاجات أو تحقيق الاستقرار، بل يتعداه إلى مساعدة أفرادها على أداء واجباتهم والنجاح في أدوارهم المختلفة.
فالطالب يحتاج إلى جو يساعده على الدراسة والنجاح، والعامل يحتاج إلى الراحة والاستقرار ليؤدي عمله على الوجه المطلوب، والأب والأم يحتاجان إلى الدعم والتعاون للقيام بمسؤولياتهما.
ولأننا مسلمون، فإن الواجبات التي نتحدث عنها لا تقتصر على أمور الدنيا فقط، بل تشمل كذلك الواجبات الدينية. فالأسرة التي ننشدها هي التي تعين أفرادها على طاعة الله، وتوفر لهم الجو المناسب للقيام بواجباتهم الشرعية، وتشجع على الصلاة، وتحترم القيم والأخلاق، وتعين أبناءها على الاستقامة.
إن الأسرة التي ننشدها ليست مجرد بيت يوفر الطعام والشراب والسكن، بل بيئة متكاملة تساعد أفرادها على أداء واجباتهم الدينية والدنيوية، وتمنحهم ما يحتاجون إليه من رعاية واستقرار وأمان. وكلما نجحت الأسرة في أداء هذه الرسالة اقتربت من تحقيق المقصد الذي أراده الله لها: أن تكون موطناً للسكن والمودة والرحمة.
وإلى اللقاء في الحلقة الرابعة بإذن الله،
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
21°
22°
أحد
22°
الإثنين
22°
الثلاثاء
24°
الأربعاء

كاريكاتير

حديث الصورة