مقرر التربية الإسلامية إعدادي يستهزئ بأحكام الجهاد (صورة)

مقرر التربية الإسلامية إعدادي يستهزئ بأحكام الجهاد
هوية بريس – د. أحمد الشقيري الديني
يطرح درس التربية الإسلامية السنة الأولى إعدادي أسئلة على التلميذ بشأن تعريف “الفقيه الحقيقي”؛ وذلك في الصفحة 116 تحت عنوان “الفقيه كل الفقيه”: نلاحظ صيغة طرح الأسئلة في فقرة “وضعية الانطلاق” على هذا النحو: (إستمعت أنت وصديقك لمحاضرة على الانترنت حول “الإيمان ومقتضياته” فكانت أهم الأفكار الواردة فيه كالآتي: أن الفقه في الدين من أعظم القربات؛ وجوب التحقق بأركان الإيمان؛ محاربة أهل الكفر بالسلاح؛ جواز سرقة أموال الملحدين واعتبارها غنيمة؛ تحريم السفر لبلاد الكفار ولو من أجل طلب العلم.
-ماذا شكل هذا الخطاب في ذهنك؟
-ما حقيقة الفقه الذي دعا له الإسلام؟!..

هذا مقتطف من مقرر التربية الإسلامية السنة الأولى من التعليم الثانوي الإعدادي؛ ونحن نتساءل: ماهي الرسالة التربوية التي تريد وزارة التربية الوطنية أن توصلها للتلميذ من خلال مضمون ما جاء في “وضعية الانطلاق” هذه؟!
ماذا تعني بمحاربة أهل الكفر بالسلاح، جواز سرقة أموال الملحدين واعتبارها غنيمة، وتحريم السفر لبلاد الكفار ولو من أجل طلب العلم؟!
هذه الأسئلة الملغومة ماذا تريد الوزارة ترسيخه من خلالها في ذهن أطفال في سن المراهقه؟!
هل هي محاولة لتقوية مناعة المتلقي ضد الأفكار الإرهابية؟!
فإن كان الأمر كذلك، وهو مقصد نبيل، فكيف يتم نعت (الغنيمة) وهو مصطلح قرآني متداول في كتب السنة والفقه بالسرقة؟!
في هذا المقال نحاول مقاربة الموضوع من زاوية الفقه الاسلامي، والمالكي منه على وجه الخصوص؛ ثم من زاوية حقوق الإنسان كما هو متعارف عليها اليوم.
فقه الغنائم في الحرب عند المالكية مدعوم بالقرآن والسنة:
عن المقدام بن معدي كرب الكندي : أنه جلس مع عبادة بن الصامت ، وأبي الدرداء ، والحارث بن معاوية الكندي – رضي الله عنهم – فتذاكروا حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال أبو الدرداء لعبادة : يا عبادة ، كلمات رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس ؟ فقال عبادة : إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – صلى بهم في غزوة إلى بعير من المغنم ، فلما سلم قام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فتناول وبرة بين أنملتيه فقال : إن هذه من غنائمكم ، وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم ، فأدوا الخيط والمخيط ، وأكبر من ذلك وأصغر ، ولا تغلوا ، فإنالغلول نار وعار على أصحابه في الدنيا والآخرة ، وجاهدوا الناس في الله ، القريب والبعيد ، ولا تبالوا في الله لومة لائم ، وأقيموا حدود الله في الحضر والسفر ، وجاهدوا في سبيل الله ، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة عظيم ؛ ينجي به الله من الهم والغم .
قال الحافظ ابن كثير عند تفسير آية (واعلموا أنما غنتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل..) الآية من سورة الأنفال:قال رحمه الله هذا حديث حسن عظيم ، ولم أره في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه.
مذهب الامام مالك في هذه المسألة نقلا عن شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله: (إن الخمس (من الغنيمة) يتصرف فيه الإمام بالمصلحة للمسلمين ، كما يتصرف في مال الفيء .
وقال شيخنا الإمام العلامة ابن تيمية – رحمه الله – : وهذا قول مالك وأكثر السلف ، وهو أصح الأقوال) انتهى نقلا من تفسير الحافظ ابن كثير.
وفي تفسير البغوي “معالم التنزيل”: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ﴾ الْآيَةَ، الْغَنِيمَةُ والفيء اسمان لما يُصِيبُهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُمَا وَاحِدٌ. وذهب قوم أنهما يختلفان، فَالْغَنِيمَةُ مَا أَصَابَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ عَنْوَةً بِقِتَالٍ، وَالْفَيْءُ مَا كَانَ عَنْ صُلْحٍ بِغَيْرِ قِتَال..
وذكر الإمام القرطبي، وهو من أئمة المالكية، في تفسيره:( وقد ادعى ابن عبد البر الإجماع على أن هذه الآية نزلت بعد قوله : يسألونك عن الأنفال وأن أربعة أخماس الغنيمة مقسومة على الغانمين..) وقال أيضاً (وكذا الأربعة أخماس للغانمين إجماعا ، على ما ذكره ابن المنذر وابن عبد البر والداودي والمازري أيضا والقاضي عياض وابن العربي . والأخبار بهذا المعنى متظاهرة .. ويكون معنى قوله : “يسألونك عن الأنفال” الآية ، ما ينفله الإمام لمن شاء لما يراه من المصلحة قبل القسمة..)
فهذه أقوال أئمة المالكية كما ترى في معنى الغنيمة..؛ فمن أولها بأنها تشبه السرقة فهو ضال مضل جاهل بأحكام الفيء والغنائم التي يستفيدها المجاهدون في الحرب مع الكفار.
بعد هذا البيان الفقهي لحكم شرعي بشأن الغنائم مذكور في القرآن الكريم وفي السنة النبوية وأقوال الفقهاء، ومنهم على الخصوص أئمة المالكية، فإن نعت الغنيمة بالسرقة، ولو من باب السؤال، توجيه فاسد سيجعل المتلقي مشوشا بين درس التربية الإسلامية وما يقرره القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة؛ وبالتالي فإن هذا المتلقي سيحكم يوما على المشرفين على إنجاز مقرر الدرس الإسلامي بالجهل أو الضلال، وقد يدفعه ذلك للارتماء في أحضان التكفيريين، فيكون بذلك هذا التوجيه الملغوم قد جاء بخلاف ما سعت إليه وزارة التربية الوطنية؛ والصواب أن مقرر الإعدادي لا يحسن أن يتطرق لأحكام الجهاد لأنها فوق مستوى التلاميذ المراهقين..!
الغنائم في عصر حقوق الإنسان:
ربما يثير المخالف مسألة تربية النشء على احترام منظومة حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها في عصرنا الحالي من أجل دعم الفكرة التي يقدمها درس التربية الإسلامية بشأن الغنيمة في الحرب وجعلها صورة لسرقة الشعوب المغلوبة بهدف التنفير منها؛ لكن واقع الحروب في عالم اليوم ينسف هذه الفكرة ويجتثها من الجدور؛ ذلك أن الدول التي وضعت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا ترى في المغلوب إلا مشروع نهب الثروات واقتسام الغنيمة بين المنتصرين في الحرب؛ ولنا نماذج من ذلك، لعل أبرزها ما فرضته معاهدة فرساي على ألمانيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، ودفع تعويضات هائلة بمليارات الماركات الألمانية في ذلك الوقت. كما خسرت ألمانيا تقريبا كل مستعمراتها في أفريقيا وآسيا وفي المحيط الهادئ، إلى جانب خسارتها لأجزاء من أراضيها، في الجنوب الغربي استقطعت منطقة الألزاس واللورين لصالح فرنسا. وفي الشمال الشرقي استقطعت منها منطقة غرب بروسيا لصالح بولندا. كما أعلن الحلفاء المنتصرون في الحرب، الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا والدول المتحالفة معها أن مسؤولية إعلان الحرب تقع فقط على عاتق ألمانيا وحلفائها. وبذلك حملوا ألمانيا مسؤولية البدء بالحرب وعليها تحمل مسؤولية دفع التعويضات كاملة.
تكرر مثل هذا مع إيران التي شهدت عقوبات قاسية على صادراتها ووارداتها؛ أما دول الخليج فقد تم امتصاص مدخراتها بصورة مهولة عبارة عن تريلونات الدولارات التي غنمها الرئيس ترامب في إحدى جولاته للمنطقة السنة الماضية.
وغير بعيد عنا اتفاقية سايكس بيكو التي بموجبها قسمت الدولة العثمانية بين فرنسا وابريطانيا وتم استغلال خيراتها ونهب ثرواتها تحت أنظار “العالم المتحضر”..!
إن منطق الحرب يطلق يد المنتصر في خيرات المغلوب باعتبارها غنيمة مستحقة؛ وهذا قانون غريزي منذ ظهور أول الصراعات بين بني البشر؛ والإسلام بطبيعته يعترف بالغرائز البشرية ولا يقف في وجهها، بل ينظمها ويحد من غلوائها ويشتغل على أنسنتها وتجريدها من أسباب الظلم، وهو ما يظهر جليا في تنظيم وتوزيع غنائم الحرب بعيدا عن معنى السرقة الذي تلابسه أيادي الظلم والبغي.



