الهجرة النبوية: استعادةٌ لفقه التمكين وتأسيسٌ للمشروع الحضاري

18 يونيو 2026 22:24

الهجرة النبوية: استعادةٌ لفقه التمكين وتأسيسٌ للمشروع الحضاري

هوية بريس – فرج كُندي

لم تكن الهجرة النبوية في ميزان السيرة حدثاً عارضاً يمليه إكراه اللحظة الضاغطة، بل كانت لحظةً مفصلية انبثقت من رؤيةٍ ربانيةٍ سديدة، أرادت للرسالة أن تتجاوز مرحلة “البلاغ المباشر” إلى مرحلة “التمكين الحضاري”. إننا حين نقرأ الهجرة بعين المتأمل، لا نجدها هروباً من بطش قريش، بل نجدها استجابةً طبيعية لاستكمال البناء؛ فالدعوة التي ظلت ثلاثة عشر عاماً في مكة تُرسخ العقيدة في النفوس، وتصقل إرادة المؤمنين، كانت في حاجة إلى بيئةٍ تحتضنها لتتحول من “فكرةٍ تعيش في الصدور” إلى “نظامٍ يُطبق في الواقع”.

لقد تجلى في مسار الهجرة فقهٌ دقيقٌ للأسباب، ينسف تلك الدعاوى التي تصور التوكل على الله انقطاعاً عن سنن الكون. فقد كان النبي ﷺ في كل خطوةٍ من خطواته يرسم للداعية المعاصر خريطة طريقٍ في الإدارة والتدبير؛ بدءاً من اختيار الرفيق الذي يحمل عبء السر، مروراً باستئجار الدليل الخبير بطرق الصحراء، وصولاً إلى اختيار الغار الذي يُعد نقطة انطلاقٍ استراتيجية، لا مجرد مأوى للاختباء. إن هذا المزيج بين الثقة المطلقة في نصر الله وبين الأخذ بكافة أسباب الحيطة والحذر، يمثل ركيزةً أساسية في المنهج الدعوي، يخبرنا أن الغاية العظيمة لا تُنال إلا بجمعٍ متناغمٍ بين “إيمان القلب” و”عمل الجوارح”.

ومع وصول الركب النبوي إلى المدينة، لم يكتفِ الإسلام بمجرد الانتقال المكاني، بل أحدث نقلةً في بنية المجتمع، محولاً إياه من قبائل متناحرة تعيش في حيز التنافس العصبوي، إلى أمةٍ واحدةٍ يجمعها رابط الإيمان وتوثقها أواصر الأخوة. لقد استوعب النبي ﷺ بحكمته أن بناء “الدولة” يبدأ من بناء “الإنسان”، فكانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار إبداعاً اجتماعياً فريداً، تذوب فيه فوارق النسب والمال، لتغدو الطاعة لله والولاء للرسالة هي المقياس الوحيد للتفاضل. هذا التحول النوعي هو الذي أعطى الدعوة الإسلامية قوتها، إذ جعل من المدينة “قاعدة انطلاق” حضارية، لا مجرد ملجأ للمضطهدين.

ولعل الأثر الأعمق للهجرة يتجلى في تحويل الإسلام من “دعوةٍ تدعو إلى الأخلاق” إلى “منظومةٍ تحكم الحياة”. ففي المدينة، تشكلت المرجعية التشريعية، وتأسست مفاهيم المواطنة عبر وثيقة المدينة التي أرست قواعد التعايش السلمي في مجتمعٍ متعدد المشارب والأديان. لقد أثبتت الهجرة أن الإسلام دينٌ متسع، يستوعب تفاصيل إدارة الدولة وفقه السياسة وتدبير شؤون الناس، مما جعل من الدعوة إلى الله في ما بعد الهجرة فعلاً شمولياً لا ينفصل عن الواقع، بل يقوده ويقوم اعوجاجه.

إن واقعنا المعاصر في حاجة ماسة إلى استعادة روح الهجرة، ليس من حيث صورتها المكانية، بل من حيث جوهرها الفكري الاستراتيجي. إننا اليوم أحوج ما نكون إلى “هجرة المفاهيم”، حيث ننتقل من فوضى العشوائية إلى دقة التخطيط، ومن الانشغال بالجزئيات إلى التركيز على الكليات، ومن الانكفاء على الذات إلى التفاعل مع حركة التاريخ. إن الهجرة تُعلم الداعية أن التمكين لدين الله ليس ضربة حظ، بل هو نتيجةٌ حتمية لتربية النفوس، وإعداد العدة، والتوكل الصادق، والعمل المستمر وفق منهجٍ يجمع بين الثبات على المبدأ والمرونة في اتخاذ الوسائل، لتظل الأمة دوماً في موقع الشهادة على الناس، تحمل همَّ البلاغ، وتؤدي أمانة الاستخلاف في الأرض.

 

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
21°
27°
السبت
25°
أحد
26°
الإثنين
28°
الثلاثاء

كاريكاتير

حديث الصورة