هؤلاء يتحملون المسؤولية.. حملات التشهير تترجم إلى اعتداءات داخل المساجد

19 يونيو 2026 21:42

 هؤلاء يتحملون المسؤولية.. حملات التشهير تترجم إلى اعتداءات داخل المساجد

هوية بريس – عابد عبد المنعم

لم تعد الاعتداءات التي تستهدف الأئمة والخطباء والقيمين الدينيين حوادث معزولة يمكن تفسيرها فقط باختلالات نفسية أو تصرفات فردية معزولة، بل أصبحت ظاهرة مقلقة تفرض طرح أسئلة حقيقية حول المناخ الذي أفرزها، والخطابات التي مهدت لها، والجهات التي ساهمت، بقصد أو بغير قصد، في صناعة صورة سلبية عن الإمام والمسجد وبيوت الله تعالى.

فخلال الأسابيع الأخيرة، شهد المغرب سلسلة من الاعتداءات الخطيرة التي استهدفت أئمة وقيمين دينيين في عدد من المدن، من القنيطرة إلى الحسيمة، ومن الدار البيضاء إلى بوزنيقة وأزغنغان وصفرو والدريوش. ووصل الأمر إلى جرائم قتل راح ضحيتها أئمة أثناء أدائهم لرسالتهم الدينية، وإلى عمليات طعن داخل المساجد نفسها، كما وقع أخيرا بمسجد السكينة بمدينة القنيطرة، وقبله محاولة الاعتداء بالسلاح الأبيض على إمام مسجد حي إيكسريوا بأزغنغان، فضلا عن حوادث أخرى متفرقة من سب وتهديد وترويع تعرض لها أئمة وخطباء في عدد من المساجد.

إن الصدمة التي خلفتها هذه الوقائع لا تعود فقط إلى بشاعة الأفعال المرتكبة، بل إلى كونها استهدفت أشخاصا يؤدون رسالة دينية وتربوية داخل فضاءات يفترض أن تكون عنوانا للأمن والسكينة والطمأنينة. غير أن هذه الأحداث الدامية لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من حملات التشهير والتحريض التي استهدفت الأئمة والمساجد على مدى سنوات طويلة.

فالأئمة والخطباء تعرضوا بشكل متواصل لحملات منظمة من التشويه والاتهام والطعن في النيات والذمم، دون أن تتاح لهم في أغلب الأحيان فرصة الرد أو توضيح الحقائق للرأي العام. وكثيرا ما سارعت بعض المنابر الإعلامية إلى تضخيم الاتهامات الموجهة إلى أئمة أو مؤذنين أو قيمين دينيين، لكنها حين تصدر الأحكام القضائية أو القرارات التي تثبت براءتهم، تتعمد تجاهلها أو تمريرها في صمت، وكأن المطلوب هو ترسيخ صورة سلبية عن الإمام مهما كانت الحقيقة.

لقد ساهمت شخصيات ومنابر وجمعيات ومؤسسات مختلفة في ترسيخ صورة نمطية ظالمة عن الإمام، حيث جرى تصويره باستمرار باعتباره شخصا رجعيا ومتخلفا، يعادي الحداثة والفنون والحريات، ويقف في وجه التطور والتقدم والنمو. وتكررت هذه الصورة في مقالات وتصريحات وبرامج ومنشورات على شبكات التواصل الاجتماعي، حتى أصبحت لدى بعض الفئات خبزا يوميا وتهما جاهزة لا تحتاج إلى دليل.

وفي هذا السياق برزت أسماء جعلت من مهاجمة المساجد والأئمة مادة متكررة في خطابها وخرجاتها الإعلامية. فـأحمد عصيد مثلا لم يخف في مناسبات عديدة انتقاداته الحادة للمساجد والأئمة والخطباء وبعض الشعائر الإسلامية، واعتبر وفق مرجعيته المتطرفة أن المغاربة يتسابقون لبناء المساجد بدل الاهتمام بقضايا أخرى، كما هاجم رفع الأذان ودعا إلى منع الصلاة في بعض المؤسسات العمومية، وقدم صورة سلبية عن دور المسجد في المجتمع.

أكثر من هذا فقد ادعى أن شيخا بمدينة طنجة عمره 70 سنة، اغتصب خلال فترة الحجر الصحي فتاة في 11 من عمرها داخل مرحاض بالمسجد!! والجميع يعرف أن مساجد المملكة كانت مغلقة حينها، وبعد الفتح الجزئي لبعضها، ظلت المراحيض مقفلة، وذلك في إطار الاحتراز من وباء كوفيد-19.

كما واصل محمد الفايد إطلاق تصريحات واتهامات خطيرة تجاه الأئمة والمساجد والكتاتيب القرآنية، متحدثا عن وقائع اغتصاب مزعومة داخل المساجد ومتهما مؤسسات دينية بالتستر عليها، دون تقديم معطيات موثقة أو أحكام قضائية تؤكد تلك المزاعم، بل وصل به الأمر إلى وصف الواعظات والمرشدات الدينيات في المساجد بـ”المنافقات”!

أما رشيد أيلال فقد ذهب إلى حد اعتبار كثرة المساجد مساهمة في إنتاج التطرف، وزعم أن تحويل بعض الفضاءات إلى مساجد يساهم بشكل غير مباشر في خلق تنظيمات متشددة، في خطاب لا يختلف كثيرا عن محاولات تحميل المسجد مسؤولية أزمات المجتمع ومشكلاته.

فنحن إزاء عملية منظمة لتشويه المساجد والأئمة والخطباء، واتهامات جماعية تمس آلاف القيمين الدينيين الذين يؤدون مهامهم في مختلف مساجد المملكة. فحين يتم تقديم الإمام باعتباره مصدر خطر أو تخلف أو تطرف، وحين يجري ربط المساجد بالجهل والانغلاق والعنف، فإن ذلك يخلق بيئة خصبة للتطرف والكراهية والتحريض.

لقد ساهمت شبكات التواصل الاجتماعي وبعض المنابر الإعلامية خلال السنوات الأخيرة في تسويق أفكار وخطابات تستهدف المقدسات الدينية وتزدري رسالة المسجد وتقلل من مكانة الأئمة والخطباء. ومع تكرار هذه المضامين وتداولها بشكل واسع، نشأ لدى بعض الفئات شعور بأن الإساءة إلى الإمام أمر عادي، وأن التنقيص من بيوت الله يدخل في باب الحداثة والتنوير، بل إن بعض الخطابات تجاوزت ذلك إلى التشكيك في وجود المساجد نفسها أو في جدوى أدوارها الروحية والتربوية والاجتماعية.

إن العنف لا يبدأ بالسلاح، بل بالكلمة، وحين يجري تجريد الأشخاص من مكانتهم المعنوية وتحويلهم إلى أهداف مشروعة للسخرية والاتهام والتشويه. ولذلك فإن الاعتداءات التي نشهدها اليوم ضد الأئمة والخطباء ليست منفصلة تماما عن المناخ الذي صنعته سنوات من التحريض المعنوي واستباحة الأعراض وتشويه السمعة والتنقيص من مكانة العلماء والقيمين الدينيين. وما شهدته مدن القنيطرة وأزغنغان وصفرو والدريوش وغيرها من اعتداءات وجرائم مؤلمة، إلا جرس إنذار يدعو إلى مراجعة هذا المسار الخطير وتحميل من تورط في حملات التحريض ضد الأئمة المسؤولية المعنوية عن الأحداث المتطرفة التي طالت بيوت الله تعالى بالمملكة الشريفة.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
21°
25°
السبت
25°
أحد
24°
الإثنين
24°
الثلاثاء

كاريكاتير

حديث الصورة