الرأي والقناعة والوهم الكبير

24 يونيو 2026 22:10

هوية بريس – د.عبد الحميد بنعلي

رأي الإنسان لا يدل بالضرورة على قناعته الداخلية، فقد يمدحك من لا يطيق فيك شعرة، وقد يذمك مَن أنت مِن أحب الناس لديه، وقد يُحبّر بعضُهم مقالة في صحيفة يدافع فيها عن رأي ليس هو مقتنعاً به، وقد يؤلف آخر كتابا في شرح قضية لا يؤمن بها. وقد يشارك مبتدع في مؤتمر في ذم البدع، وسني مؤتمرا في التصوف الخ.

وقد ينطق بكلمة التوحيد من ليس في قلبه مثقال ذرة من إيمان كما قال ربنا سبحانه: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله – والله يعلم إنك لرسوله – والله يشهد إن المنافقين لكاذبون}.

والسبب في هذا الاختلاف: كامن في جلب المصالح ودفع المفاسد فالرأي في واقع الحال: سلعة تباع وتشترى، وليس بالضرورة أن يكون الثمن نقودا، بل تحقيق مصلحة أو دفع مفسدة.

حتى حين يكون الرأي مطابقا للباطن فإنما ذلك حيث تكون المصلحة الظاهرة مطابقة للاعتقاد الباطني إلا ما شاء الله.

أما حين تخالف مصلحةُ الظاهر اعتقادَ الباطن فقل في الناس من يجهر برأيه، لأن الانسان خواف بطبعه وطماع بطبعه وحريص بطبعه، ولا يمكنه والحال هذه أن يجهر بما يعتقده، بل هو في خير الأحوال يسكت ويلوذ بالصمت المطبق، وإلا فجمهور الناس {يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون}.

وآية صدق هذه الحقيقة: تلون الآراء واختلافها باختلاف المواقف والزمان والمكان عند الشخص الواحد، كما هو حال الأحزاب البرلمانية عند اختلاف مواقعها في سدة الحكم، وحال الشعراء ذما ومدحا، وحال الأتباع عند أفول متبوعهم وظهور آخر مكانه، والقائمة لا تنتهي.

وقد تظن أيها القارئ الكريم: أن الجهر بخلاف ما تعتقد نفاق بغيض، والحال ليس كذلك، فإن النفاق محصور في الرأي الديني لا غير، أما غيره فقد يُذم وقد يُمدح، وقد يَحرم وقد يَجب بحسب الظروف والأحوال، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في رجل ما قال بخلافه في وجهه، وحين سألته عائشة رضي الله عنها عن ذلك قال: “إن شر الناس من يتقيه الناس اتقاء فحشه” وفي الحديث الحسن (إنّا نبتسم في وجوه أقوام وإنّ قلوبنا لتلعنهم) وأمر الله سبحانه كليمه موسى عليه السلام ان يقول لطاغية زمانه {قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} وهو من معنى قوله سبحانه: {وقولوا للناس حسنا} وقوله {قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون}.

وعلى هذا يتخرج القول في خلق المداراة وهي التلطف في الكلام لمن يخشى شره، أو يطمع في صلاحه، وفي الحديث (المداراة صدقة)، قال الحسن البصريّ -رحمه الله تعالى-: «كانوا يقولون: المداراة نصف العقل، وأنا أقول هي العقل كلّه» وهو من معنى قوله تعالى {ادفع بالتي هي أحسن السيئة} كقول شعيب عليه السلام لقومه {إني أراكم بخير}.

وقال زهير بن أبي سُلمى:
ومن لا يصانع في أمور كثيرة … يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم.

فإذا علمت هذه الحقيقة فلا تركن أبدا إلى رأي الناس فيك مدحا وقدحا، فإن ركونك إليهم علامة غفلة فيك، نعم اقبل منهم المدح وقابلهم بمثله، ولكن لا تركن إليه ولا يغرنك بهم، فوراء كل مدح مصلحة تنفع، أو مفسدة تُدفع إلا ما شاء الله.

وأما القدح: فقد يكون صادرا من أبيك وأمك ومن يفديك بنفسه وماله، وقد يكون صادرا من صديقك في سياق تقويم عِوَجك، كما يصدر من بغيض حاقد، فأعط كل قدح ما يستحقه، ولا تجعل القدح كله سواءً.

وهذه خاطرة صباحية عجيبة، تحتمل كلاما أوسع من هذا وأبسط، ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
20°
23°
الجمعة
24°
السبت
25°
أحد
28°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة