الحكومة أعادت الساعة.. والمغاربة يتساءلون متى ستعود الأسعار؟

الحكومة أعادت الساعة.. والمغاربة يتساءلون متى ستعود الأسعار؟
هوية بريس – عابد عبد المنعم
أعلنت حكومة أخنوش عن العودة إلى التوقيت القانوني للمملكة ابتداء من 20 شتنبر 2026، منهية بذلك العمل بالساعة الإضافية التي ظلت لسنوات محل رفض شعبي واسع، وموضوع احتجاجات متكررة، وعريضة شعبية تجاوز عدد الموقعين عليها 300 ألف مواطن طالبوا بإلغائها لما تسببه من اضطراب في الحياة اليومية، خاصة بالنسبة للتلاميذ والأسر والموظفين.
في حد ذاته، يمكن اعتبار القرار استجابة لمطلب ظل المغاربة يرفعونه منذ سنوات. لكن السياسة لا تقرأ القرارات بمعزل عن توقيتها، والتوقيت هذه المرة يثير أكثر من علامة استفهام.
فالعودة إلى الساعة القانونية ستدخل حيز التنفيذ في 20 شتنبر، أي قبل ثلاثة أيام فقط من الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر، وفي ذروة الحملة الانتخابية أو على مشارف نهايتها. وهنا يصبح من حق الرأي العام أن يتساءل: لماذا الآن؟ ولماذا لم يتحقق هذا المطلب الشعبي قبل سنوات؟ ولماذا اختير هذا الظرف السياسي شديد الحساسية بالذات؟
هذه أسئلة مشروعة لا تعني بالضرورة إصدار الأحكام، لكنها تفرض نفسها بقوة على كل متابع للشأن العام، لأن القرارات الكبرى لا تنفصل عن سياقاتها السياسية.
لكن السؤال الأكبر الذي يطرحه المغاربة لا يتعلق بالساعة وحدها، وإنما بساعة الغلاء التي ما تزال تدق في جيوب المواطنين كل يوم.
فإذا كانت الحكومة استطاعت أن تتراجع عن الساعة الإضافية، فلماذا لا تتراجع عن الارتفاعات الصاروخية التي عرفتها أسعار المواد الأساسية خلال ولايتها؟
لماذا لا يعود ثمن الخضر إلى مستوياته المعقولة بعدما أصبح شراء أبسط حاجيات المطبخ يشكل عبئا يوميا على الأسر؟
لماذا لا تعود أسعار اللحوم إلى مستوياتها الطبيعية بعدما أصبحت خارج قدرة فئات واسعة من المواطنين؟
ولماذا لا تعود أسعار المحروقات إلى مستويات أكثر إنصافا، رغم تراجع موجات التوتر الدولي التي كانت تقدم باعتبارها السبب الرئيسي في الزيادات؟
لقد تابع المغاربة كيف انخفضت أسعار النفط في الأسواق العالمية بعد توقف المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة، كما شهدت دول عديدة تراجعات في أسعار الوقود، بينما ظل المواطن المغربي يلمس أن الانخفاض، إن وقع، يأتي ببطء شديد، بينما ترتفع الأسعار بسرعة البرق عند أول اضطراب دولي.
إنها مفارقة أصبحت تثير الاستغراب أكثر من أي وقت مضى: الزيادات تصل إلى السوق بسرعة الصاروخ، أما التخفيضات فتتحرك بسرعة السلحفاة.
ولذلك فإن المواطن الذي رحب بالعودة إلى التوقيت القانوني يجد نفسه مضطرا لطرح سؤال بسيط ومباشر: إذا كانت الحكومة قادرة على مراجعة قرار يتعلق بالساعة، فلماذا لا تراجع أيضا السياسات التي جعلت القدرة الشرائية تتآكل بشكل غير مسبوق؟
فالمغاربة لا يعيشون أزمة توقيت فقط، بل يعيشون أزمة معيشة.
ولا يرهقهم عقرب الساعة بقدر ما ترهقهم فواتير الكهرباء والماء، وأسعار الوقود، وأثمان المواد الغذائية، وتكاليف النقل، ومصاريف الدراسة والعلاج.
إن المواطن لا ينتظر فقط أن يستيقظ على ساعة جديدة، بل ينتظر أن يستيقظ على أسعار معقولة، وعلى قدرة شرائية تحفظ كرامته، وعلى سياسات تجعل حياته أسهل لا أصعب.
قد يفرح كثيرون بإلغاء الساعة الإضافية، لكن هذا الفرح سيظل ناقصا إذا لم يرافقه تراجع حقيقي عن موجة الغلاء التي أثقلت كاهل الأسر المغربية طوال السنوات الماضية.
فالساعة يمكن تغييرها بمرسوم، أما استعادة ثقة المواطنين فلا تتحقق إلا بقرارات تمس حياتهم اليومية مباشرة، وفي مقدمتها محاربة الغلاء، وضبط أسعار المحروقات، وحماية القدرة الشرائية.
وعندها فقط سيشعر المغاربة أن التراجع لم يكن عن عقارب الساعة فحسب، بل كان أيضا عن السياسات التي جعلت الزمن الاقتصادي أثقل من أن يحتمله المواطن البسيط.



