مهرجان موازين وطوطو.. حين تتناقض مؤسسات الدولة في معركة بناء الإنسان

28 يونيو 2026 13:27

مهرجان موازين وطوطو.. حين تتناقض مؤسسات الدولة في معركة بناء الإنسان

هوية بريس – عابد عبد المنعم

بعيدا عن الجدل المرتبط بحجم الإقبال الجماهيري في مشاركة “طوطو” بمهرجان موازين في دورته الواحدة والعشرين بمركب الأمير مولاي عبد الله بالرباط، فإن القضية الحقيقية لا تتعلق بنجاح حفل أو فنان في ملء المدرجات، بل تتجاوز ذلك إلى سؤال مركزي ومحوري في النقاش، وهو: أي قدوة وأي منظومة قيم تريد الدولة أن تضعها أمام الشباب المغربي؟ وأي صورة للمستقبل يجري الترويج لها عبر مثل هذه التظاهرات؟

فحين تخصص الإمكانيات العمومية، وتفتح أكبر المنصات الوطنية، وتوجه كاميرات الإعلام، ويُقدم صاحب خطاب قائم على الألفاظ السوقية و”التسلكيط” والتمرد والتطبيع مع المخدرات والخمر في جزء من إنتاجه الفني، باعتباره نجما و”قدوة”، فإن القضية لم تعد قضية فن أو فنان، بل أصبحت قضية اختيارات ثقافية معلنة.

المشكلة ليست فقط في موسيقى الراب باعتبارها لونا فنيا له جمهوره، ولا في حق أي فنان في الإبداع داخل حدود القانون والاحترام، وإنما في تحويل الإسفاف إلى قيمة، والابتذال إلى نجاح، والاستفزاز إلى مشروع ثقافي ترعاه المؤسسات.

كيف يمكن للدولة أن تنفق المليارات على المدرسة من أجل غرس الأخلاق والقيم، ثم يجد التلميذ نفسه في المساء أمام منصة عمومية تمجد لغة السب والشتم والتمرد؟

وكيف يمكن لوزارة التربية الوطنية أن تتحدث عن التربية على القيم، بينما تقدم منصات عمومية شخصيات اشتهرت أساسا بخطاب صادم يثير الجدل أكثر مما يصنع الإبداع؟

وأين دور وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية التي ترفع شعار ترسيخ النموذج المغربي في الأخلاق وقيم الوسطية والحياء، إذا كانت الرسائل التي تصل إلى ملايين الشباب عبر المهرجانات تسير في اتجاه مغاير تماما؟

إن بناء الإنسان لا يتم بخطاب رسمي في المدارس والمساجد، ثم بخطاب نقيض له في المنصات الفنية. فالدولة لا تُقاس بسياسة قطاع واحد، وإنما بتكامل سياساتها العمومية. فإذا كانت وزارة تزرع القيم، وأخرى تقدم نماذجا يناقضها، فإن الحصيلة لا مناص ستكون تشويشا على وعي الأجيال لا صناعة لها.

لقد تحول الأمر إلى ما يمكن تسميته بـ”الطوطوية”؛ ليس بوصفها شخصا، بل باعتبارها ظاهرة ثقافية تقوم على تسويق الصدمة، وتقديم الألفاظ البذيئة باعتبارها جرأة، والتمرد باعتباره حرية، والاستهلاك المفرط للمخدرات أو الخمر في بعض المضامين الفنية باعتباره أسلوب حياة، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى ترسيخ ثقافة المسؤولية والتعبئة من أجل الوقوف في وجه تحديات كبيرة وموجات العولمة الجانحة.

والأخطر من ذلك أن هذه الرسائل لا تصل إلى جمهور راشد فقط، بل إلى آلاف القاصرين الذين يتعاملون مع نجوم المنصات باعتبارهم نماذج يُحتذى بها، كما أن الوزارة والمؤسسات التي تعنى بالثقافة تلاحق ما يحقق المشاهدات، بدل أن تهتم بما يرقي الذوق العام ويوفر للشباب نماذج بديلة تراعي الخصوصية والقيم الثقافية للمغاربة.

فإذا كانت الدولة تتحدث عن بناء الإنسان، فإن أول شروط ذلك أن تكون رسائلها منسجمة، وأن تتكامل مؤسساتها في صناعة الوعي، لا أن يهدم بعضها ما يبنيه البعض الآخر.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
24°
26°
الإثنين
26°
الثلاثاء
32°
الأربعاء
34°
الخميس

كاريكاتير

حديث الصورة