حلقة في الأعلام المكانية عند العرب البربر

11 يوليو 2026 16:18

هوية بريس_سعيد بن عبد الله الدارودي 

 

في شهر أكتوبر من عام 2025 ميلادية قدَّم الدكتور عبد الخالق كُلَّاب في قناته على اليوتيوب حلقة حوارية في أسماء الأماكن المغربية، وكان ضيف الحلقة الباحث في التراث البربري الأستاذ الصدِّيق أنجَّار.
النقط التي أثيرت في هذه الحِصَّة عديدة؛ وكُلها مردود عليها، ولكنني سأكتفي في هذا المقال ببعض منها؛ يقول الأستاذ أنجّار إنَّ اسم «كريفلة» تلك المنطقة الجبلية التي تقع في ضواحي مدينة الرباط، لا معنى لها في الدارجة، لأنها تسمية بربرية أصلها قبل التحريف هو «إكروفْلّا»، ومعناها المنطقة العالية المرتفعة، فلغوياً هي تتكون من كلمتين بربريتين هما: إڭر بمعنى البستان (وكذلك الحقل / المزرعة ـ حسب معجم شفيق)، وأُفِلّا بمعنى المرتفع، ثم تحولت مع الزمن إلى «كريفلة»؛ لكن هل يعلم المتحاوران أنَّ هذين اللفظين عربيان؟ فنحن نجد في اللغة العربية أَكَرَ الأرضَ: حرثها وأعدَّها للزراعة، والأَكَّار: الحَرَّاث، والمؤاكرة: المزارعة؛ وكذلك نجد في الأكّادية أُكرو: الحقل، أمَّا «أفلّا» فهي تطابق «المَفْلَى» في الدارجة الأردنية بمعنى المكان المرتفع. ولا بأس بأن نستزيد فنقول: يوجد في البربرية نج، أنجي، مينجي: الأعلى، وفي اللغة العربية النَّجا، النَّجاة، النَّجوة، المَنْجَى: ما ارتفع من الأرض، ويوجد فيها أفا بمعنى فوق، مرتفع، وفي اللغة العربية الفائية: المكان المرتفع، وفي الكنعانية أف: المرتفع، ويوجد في البربرية تاتّيت: الارتفاع، وفي لهجتنا الشحرية تيت: فوق، أعلى، ويوجد فيها كلمة أفورار تعني العالية، وهي كذلك اسم منطقة سياحية هامَّة تقع في وسط المغرب بإقليم أزيلال، وفي اللغة العربية الفورة من الجبل: أعلاه وظهره، بل أنَّ اسم إقليم “أزيلال” هو عربي الجذر، فمعنى “أزيلال” في البربرية هو المضيق بين جبلين، والممر بين مرتفعات، وفي العربية أزلَ المكانُ: ضاقَ، والأَزْل: ضِيق المكان، والمَأزَل: المضيق بين جبلين ونحو ذلك، وتعني كذلك المكان الضيِّق. وسنستزيد بأن نشير إلى أنَّ «أرتو، أُرتي» معناهما في البربرية البستان، تأصيلهما في اللغة العربية هو الأرثة: المكان السهل المكسي بأنواع النبات، وفي القِبْطية روت: البستان، وفي السريانية أوريتا الحديقة الصغيرة ونجد في البربرية طبّت: قطعة أرض زراعية، وفي اللغة العربية الطِّبابة: قطعة أرض مستطيلة؛ وفيها نجد تيجمّي: البستان، وفي اللغة العربية الجَميم: النبات الكثير أو الناهض المنتشر الذي غَطَّى الأرض، وفيها أحريق: الحقل، وفي اللغة العربية الخريق: المطمئن من الأرض وفيه نبات، وفيها تابحيرت: الحديقة، والبستان تُزرع فيه الخضر دون الشجر، وفي اللغة العربية البحيرة: الحديقة العظيمة المليئة بالزهور والنباتات والماء، وفيها أيلاس: المزرعة، وفي اللغة العربية ألسَّت الأرضُ: طلعَ أوَّل نباتها، ألسَّ النباتُ: أمكن أن يُتناول ويُنتف.
ويقول أنجَّار: في اللهجة الحَسَّانية يُقال «سْكُفْها» بمعنى حيِّدها / أزِحْها، وهي كلمة من أصل بربري، ونقول له فعلاً يوجد في البربرية «إسّوكف» بمعنى قَلَعَ الشيءَ، و«يوكف» بمعنى اِنقلعَ الشيءُ؛ ولكن تأصيلها العربي واضح، ففي اللغة العربية: كَيَّفَ: قَطَعَ، وأيضاً كَوَّفَ الجِلْدَ: قَطَعَهُ. ويتلفظ المتحاوران خلال حديثهما بلفظتين من الدارجة المغربية هما «خربق، فرتك»، وهما كلمتان عربيتنا؛ معنى خربق، في الدارجة: أفسد الكلام أو العمل، ويشير إلى عدم الإتقان أو العشوائية، وهي من اللغة العربية، حيث نعثر فيها على الفعل خَرْبَقَ العملَ: أفسده، ونعثر كذلك على الفعل فرتك؛ ومعنى فرتك، في الدارجة: فرّق، شتّت، فكَّكَ، وتُستخدم للتعبير عن تفكيك شيء ما؛ وهي من اللغة العربية، حيث نعثر فيها على الفعل فَرْتَكَ: قطَّعَ الشيء إلى أجزاء صغيرة جداً.
ولقد انتقد المحاوران دفاع الدكتور محمد الأَوْراغي، الأستاذ الجامعي والباحث في اللسانيات، عن الهوية العربية للمغرب، وأُثيرَ ـ في الحوار ـ اسمه العائلي «الأَوْراغي» الذي يراه أنجَّار بأنه دليل على «استلابه»، لأن معنى «أوراغ» هو الأصفر في «اللغة الأمازيغية»، ولهذا يجب على الدكتور محمد الأوراغي ألا يتخلى عن «الأمازيغية» لأنها «هويته الحقيقية»، وذُكِرَ اسم «الذهب» في البربرية وهو «أُرغ» باعتبار لونه الأصفر، ولكن هل يعلم المتحاوران بأن اسم اللون الأصفر في البربرية أصله عربي؟ حيث إننا نجد في الأكّادية أًرْقو: اللون الأصفر، ونجد في القاموس المحيط كلمة «الأُراق» تعني ذلك المرض الذي يصفرُّ فيه جِلْد المريض وعيناه، ونجد في اللهجة الحَسَّانية كلمة الأَراق معناها مرض يصفرُّ منه الجلد ويتقيأ المريض به مادةً صفراء، أمَّا الذهب فهو في الكنعانية يرق. وفي اليمنية القديمة ورق. وفي العربية الورِق: الذهب، {اذهبوا بورقكم هذا} = اذهبوا بذّهَبكم [انظر: ملامح في فقه اللهجات العربية … ـ محمد بهجت قبيسي ـ ص 536]. ولا بأس من الإشارة إلى معدن نفيس آخر هو الفِضَّة الذي اسمه في البربرية «أژرف»، وفي اللغة اليمنية القديمة «صرف»: الفضة الخالصة؛ ومن المفارقة أنَّ اسم عائلة ضيف الحلقة هو «أنجَّار»، وهذا اسم عربي بحت، ومعناه «النَّجَّار»، أي صاحب حرفة النجارة، فإذا أجاز الضيف لنفسه اتهام الدكتور الأوراغي بالاستلاب لأنه يظن بأن اسم الدكتور العائلي يُخبر بعدم عروبة حامله، سيُجيز هذا المنطق أيضاً بأن يُتهم أنجّار ذاته بوقوعه في قبضة الاستلاب العربي، وذلك بناء على اسمه العائلي.
وفي هذه الحلقة تم ذِكْر الدكتور علي صدقي أزايكو، ولكن هل يعرف المتحاوران أن «أزايكو» الاسم البربري العائلي للدكتور علي صدقي والذي معناه «القديم» هو اسم من أصل عربي؟ فهذا الاسم جاء من لفظتي «زيك» و«أزاكان»؛ الأول هو ظرف زمان بمعنى «باكراً»، والآخر معناه ظهور الفجر، ويرتبط القِدَم بالبكور في اللسانين المغاربيين؛ البربري والدارج؛ فقد جاءت كلمة «زِك» البربرية بمعنى «باكراً، قديماً» في قاموس أماوال، وهو قاموس شاوي فرنسي عربي، للباحث الجزائري محمد صالح ونيسي ؛ وجاءت عبارة «ناس بكري» المعروفة عند أبناء المغرب العربي بمعنى «الناس قديماً / الأجداد»، وهكذا يكون البكور عند شعوب المغرب العربي من الناحية الدلالية هو الوجه الآخر للقِدَم والزمان الغابر، سواء قيل هذا اللفظ باللسان العربي الدارج أو باللسان العربي البربري، وذلك لأن البكور يكون في بداية اليوم، وبما أنه كذلك فهو الأقدم زمنياً على بقية أوقات اليوم، وهكذا نجد تعبيراً عامِّياً مغاربياً هو «مِنْ بِكْري»، لا يحمل سوى مدلول الأقدميَّة، فالمعنى إذن متعلق ببداية شروق الشمس؛ والآن إذا ما ذهبنا إلى اللغة العربية نجد فيها «ذكاء» تعني الشمس، و«ابن ذكاء» يعني الصُّبْح، والذي حدث في اللهجات البربرية هو أنَّ كلمة «ذكاء» تحوَّلت بدايةً إلى «زكاء»، ثم إلى «زيك / أزاكان / أزايكو»؛ فهنا أبدلت لهجات البربر حرف الذال زاياً، وهناك أمثلة أخرى على وقوع هذا الإبدال بين البربرية والعربية، منها اللفظ العربي «فلذ» بمعنى قطعَ، هو في البربرية «إفلز» بمعنى شَقَّ الشيءَ. وفي اللغة العربية ماء ذُعاق وماء زُعاق = ماء شديد الملوحة، بَذَّهُ وبَزَّهُ = غلبهُ وفاقَهُ؛ أمَّا في اللغات الكنعانية والأَكَّادية والعِبْرية والمؤابية فقد تحوَّلت الذال إلى زاي تحوُّلاً مطلقاً. والمسوغ الصوتي للإبدال بين الذال والزاي هو أنَّ كليهما حرفان رَخْوَانِ متجاوران في المخرج قريبان جداً في الصفات الصوتية مما يسهّل الإبدال بينهما.
لقد كان الحوار في هذه الحلقة عن طوبونيما المغرب الأقصى، أي عن الأرض المغربية ومسمّيات ومعاني المواقع فيها، وكان واضحاً لكل من استمع إلى هذا الحوار سعيُ المتحاورين لفصل هذه المسمّيات بعيداً عن ألسنة المشرق العربي خاصَّة اللسان العربي الفصيح، وعليه نحن ندعو كل مغربي ومغربية أن يطلَّعا على مقال رائع للأستاذ {سعيد عبيد} وعنوانه {فِريـة “فـاس” وأكذوبـة “مازاغـان”} وأنَّ يضعا هذا المقال المهم نُصْبَ عينيهما.
وبما أن هذه الحِصَّة تتكلم عن الأرض المغربية وأعلام مواقعها أرى أن أشير إلى أنَّ كلمة «أكال» في البربرية تعني الأرض، والتي تُنطق «أشال» في اللهجات التي تبدل الكاف شيناً، وفي الأكّادية إكلُو: الأرض الخصبة يُزرع فيها، وفيها أيضاً أُشَلُو: القِطْعة من الأرض.
ونختم بكلمة «تامورت» التي جذرها «مر»، وهي بالمناسبة اسم البرنامج الذي استضاف فيه الدكتورُ كُلّاب الأستاذ أنجّار، فهذه الكلمة في البربرية تعني الأرض، ولكن عند تأصيلها تظهر عروبتها، ففي الأكّادية «تَمَرْتُ» التي جذرها «مر» تعني الأرض الخصبة يُزرع فيها، حيث أنها واحدة من كلمات عديدة في الأكادية تبدأ بالتاء في الاسم المؤنث وتنتهي بالتاء كما هو الحال في البربرية، فـ«تَمَرْتُ» الأكادية تساوي «تامورت» البربرية، وفي المندعية أمريت: الأرض، والتاء في آخرها للتأنيث، وفي الدارجة اليمنية المُر(وهو لفظ مُذكَّر) معناه التراب الخصب الجيّد للزراعة، وفي اللغة العربية المَرِيْر: الأرض التي لا شيء فيها.
الباحث في اللهجات الظفارية والبربرية
ظفار ـ سلطنة عُمان

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
23°
24°
أحد
24°
الإثنين
24°
الثلاثاء
25°
الأربعاء

كاريكاتير

حديث الصورة