تزكية سنية أم روحانية باطنية برداء التصوف؟

06 يوليو 2026 00:50

هوية بريس – د.رشيد بن كيران

وقفة أولية مع كتاب “أحوال المكاشفة ومقامات المشاهدة..” للدكتور عزيز الكبيطي

◆ بعد قراءة هذا الكتاب يتبين أنه ليس مجرد كتاب في التزكية أو الرقائق أو الحديث عن مجاهدة النفس، وإنما مشروع متكامل لإعادة بناء السلوك الديني حول مفاهيم الكشف والمشاهدة والتجلي والفتح والاتصال بعوالم الباطن والواسطة المشيخية بين المسلم وربه سبحانه وتعالى.

ولا تكمن الإشكالية الأساسية في دعوته إلى الإخلاص أو محاربة الكبر والعجب أو مجاهدة الشهوات، فهذه معان شرعية صحيحة دلّ عليها الكتاب والسنة، وإنما تكمن في جعل منظومة كاملة من الدعاوى الغيبية والتقسيمات الباطنية والتجارب الوجدانية ركائز أساسية للسير إلى الله، مع غياب الأدلة الشرعية التي تثبت هذه المراتب والتقسيمات والقواعد التفصيلية.

فالكاتب يجعل للكشف درجات محددة، وللمشاهدة قوانين مضبوطة، وللترقي الروحي مسارات مرسومة، ويجعل للشيخ دورا مركزيا في ربط المريد بعوالم الباطن، ويجعل الاعتراض عليه مانعا من الفتح، ويجعل الانتقال إلى مقام الإحسان متوقفا على الكشف، بل يجعل أعلى مراتب السلوك اللقاء المباشر بالنبي ﷺ والملأ الأعلى.

وهنا يبرز السؤال الشرعي الذي يفرض نفسه:

■■ من أين جاءت هذه التفاصيل كلها!!!؟

فإن كانت من وحي الرحمن فهاتوا الحجة والبرهان، وإن كانت من التجارب والأذواق والمكاشفات فليست من شرع الله ولا يجوز عبادة الله إلا بما شرع..

◆ ومن الملاحظات الجديرة بالتأمل أن البناء الروحي الذي يقدمه الكتاب يبدو قائما على مفهوم التجربة الباطنية أكثر من قيامه على ميزان الوحي؛ ولذلك فإن كثيرا من مفاهيمه الأساسية كالكشف والمشاهدة والترقي والفتح والاتصال والمرشد والانتقال بين العوالم والمراتب، تبدو قابلة للوجود داخل منظومات وتجارب روحية متعددة لا علاقة لها بالإسلام، مع اختلاف الأسماء والرموز والشخصيات المرجعية. وهذا ما يجعل القارئ يشعر أن كثيرا من البنية المفاهيمية للكتاب لا تستمد خصوصيتها من النصوص الشرعية بقدر ما تستمدها من نموذج روحي عام يقوم على التجربة الوجدانية الذاتية.

وهنا يظهر الفرق الجوهري بين التربية النبوية والتربية المبنية على التجربة الباطنية؛ فالتربية النبوية تدور حول التوحيد والاتباع والإيمان والعمل الصالح والتقوى والاستقامة وترك الابتداع، بينما يدور مركز الثقل في هذا الكتاب حول الأحوال والمقامات والمشاهدات والمكاشفات والأسرار والترقيات الروحية بدعاوى عريضة مثل اللقاء بالرسول عليه الصلاة والسلام، ومن ثم ينتقل السالك شعورا أو واقعا من الاعتصام بالنص إلى الاعتصام بالذوق، ومن الاحتكام إلى الوحي إلى الاحتكام إلى المشاهدة، ومن ميزان الكتاب والسنة إلى ميزان الفتح والكشف.

ولذلك فإن أخطر ما في هذا الكتاب ليس مجرد استعماله لمصطلحات صوفية مألوفة، وإنما تحويل تلك المصطلحات إلى أصول حاكمة في فهم الدين والسلوك إلى الله، مع إضفاء صبغة غيبية على تجارب لا يمكن التحقق منها ولا إخضاعها لميزان الوحي إلا بعد وقوعها.

◆ والميزان الذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة هو أن الولاية تدور مع الإيمان والتقوى، وأن أعظم الكرامات هي الاستقامة، وأن الكشف، إن وقع، فليس مصدرا للتلقي، ولا طريقا لازما لمقام الإحسان، بل يعرض على الكتاب والسنة؛ فما وافقهما قبل، وما خالفهما رد، وما لم يقم عليه دليل بقي دعوى لا يجوز جعلها جزءا من الدين ولا دعوة الناس إليها.

ومن هنا فإن هذا الكتاب يحتاج إلى قراءة نقدية عقدية تفصيلية، لا تقف عند مفرداته ومصطلحاته، بل تتناول الأسس التي بني عليها، وتزنها بميزان الوحي وأصول أهل السنة والجماعة، نسأل الله تيسير ذلك في مقالات لاحقة إن شاء الله تعالى.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
25°
28°
الثلاثاء
28°
الأربعاء
28°
الخميس
25°
الجمعة

كاريكاتير

حديث الصورة