الرد على ما ورد في كتاب «آداب المريدية» للدكتور عزيز الكبيطي

02 يوليو 2026 15:38

هوية بريس – د.رشيد بن كيران

الرد على ما ورد في كتاب «آداب المريدية» للدكتور عزيز الكبيطي

عصمة الشيخ الصوفي المرآة كعصمة الرسول!!!

◆ من أعظم الخصائص التي اختص الله بها هذه الشريعة الخاتمة أنها حررت العقول والقلوب من سلطان البشر، وربطتها بالوحي المعصوم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. ولذلك كانت العصمة في هذه الأمة مقصورة على رسول الله ﷺ فيما يبلغه عن ربه، وانقطع بابها بانتقاله عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى، وبقي بعده العلماء والأولياء والصالحون أئمة هدى وفضل، يُقتدى بهم فيما وافقوا فيه الحق، ويُرد عليهم فيما أخطؤوا فيه؛ إذ ليس في الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام أحد تجب له الطاعة المطلقة، أو يثبت له مقام فوق مقام النقد والمراجعة والردود العلمية.

ومن هنا كان كل خطاب يرفع بشرا إلى منزلة لا يبلّغه إليها الدليل الشرعي، أو يحيط أقواله وأفعاله بسياج من القداسة يمنع من مناقشتها وتمحيصها، مصادما لأصل محكم من أصول الإسلام، ومفضيا إلى لون من ألوان الغلو الذي ما دخل أمة إلا أفسد عليها دينها، وحجب عنها نور الوحي، واستبدل سلطان الرجال بسلطان الميزان والبرهان.

◆ وقد وقفت على كلام للدكتور عزيز الكبيطي الحسني الإدريسي في كتابه «آداب المريدية» يتضمن تقريرات عقدية ومنهجية بالغة الخطورة وتوجيهات سلوكية في غاية الانحراف، ليست زلات قلم عابرة، ولا عبارات محتملة يمكن حملها على أحسن المحامل، بل هي جزء من بناء فكري متكامل يتكرر في مواضع متعددة من الكتاب، ويرتكز على تصور مخصوص للعلاقة بين الشيخ والمريد، تتجاوز فيه منزلة الشيخ حدود التربية والإرشاد والتزكية إلى مقام يكاد يزاحم مقام الوحي في المرجعية والتلقي.

• فقد قال في الصفحة (155) من كتابه كما تؤكد الصورة أسفله:

ومن علامة الشيخ المرآة تجلي معجزات رسول الله عليه كالأمية فيكون علمه ومعرفته لدنية لم يسبق لأحد أن أتى بمثلها، ويكون منهجه تجديدي شامل كما هو الإسلام دين التجديد والشمولية الروحية والعلمية والمعرفية.

ومن أدب المريد في صحبته لشيخ يمثل مرآة رسول الله التعظيم والتوقير لكلام الشيخ لأنه يكون منسوبا لرسول الله ورسول الله لا ينطق عن الهوى، وبه فإن كلام الشيخ منسوب لصدق وصحة كلام رسول الله، فمجرد تشكيك المريد في كلام شيخه يعتبر سوء أدب كبير.

كما أن رسول الله معصوم من الخطأ وهذه العصمة تتجلى على تصرفات الشيخ بالتأييد المحمدي حتى وإن ظهرت للخلق أجمعين مخالفة إلا أنها عين الصواب لأنها منسوبة لسيدنا رسول الله ﷺ.

كما أن معرفة الشيخ بالحقيقة والشريعة هي معرفة كاملة لن يتجاوزها المريد مهما بلغ من العلم والمعرفة بالفقه والتفسير والتأويل لأن علم المريد منسوب لاجتهاده، أما معرفة الشيخ بالشريعة والحقيقة فهي منسوبة لرسول الله.

لذلك يعتبر التعليق على الشيخ من باب الشريعة ومن باب الحقيقة من الأخطاء الكبرى، لأن ذلك يعدّ تطاولا على رسول الله وهو الذي أتى بالحقيقة وبالشريعة.” انتهى

◆ أقول: الناظر في هذا النص لا يحتاج إلى كثير عناء ليدرك أننا لسنا أمام عبارات متفرقة أو مبالغات لفظية عارضة، وإنما أمام نسق فكري متكامل، يبدأ من تعظيم الشيخ وينتهي إلى إسباغ خصائص النبوة عليه.

فالمؤلف بدأ بإضفاء صفة مزعومة “المرآة المحمدية” على الشيخ، ثم ارتقى به إلى مرتبة العلم اللدني الذي “لم يسبق لأحد أن أتى بمثله“، ثم جعل كلامه منسوبا إلى رسول الله ﷺ، ثم نهى عن مناقشته بدعوى أن ذلك من سوء الأدب، ثم أضفى على تصرفاته معنى العصمة والتأييد، ثم رفع معرفته بالشريعة والحقيقة فوق مدارك العلماء والمجتهدين، لينتهي إلى اعتبار الاعتراض عليه لونا من التطاول على رسول الله ﷺ نفسه.

وهذا التدرج ليس بريئا في نتائجه، بل يفضي حتما إلى إخراج الشيخ من دائرة البشر الذين يُناقشون ويُحتج عليهم ويُطالبون بالدليل، وإدخاله في دائرة الأشخاص الذين لا يُسألون عما يقولون ويفعلون.

◆ ولسنا هنا أمام مجرد تعظيم زائد للشيخ المرآة، فإن الغلو يبدأ دائما من باب التعظيم، ولكنه لا يقف عند حدوده، بل ينتهي إلى منح الشخص من الخصائص المعنوية ما يجعله في الواقع شريكا للوحي في الهداية، ومصدرا مستقلا للحقيقة، وحاكما على النصوص لا محكوما بها. وهذا هو التأليه المعنوي للبشر، وإن تحرج أصحابه من التصريح باسمه أو أنكروه بألسنتهم.

فما الفرق عمليا بين من يقول إن الشيخ لا يخطئ، وإن ما يبدو للناس مخالفة إنما هو عين الصواب، وإن كلامه منسوب إلى رسول الله ﷺ، وإن الاعتراض عليه اعتراض على رسول الله، وبين من يجعل شخصا فوق النقد والمراجعة والمحاسبة والاعتراض!!؟ إن الخلاف هنا ليس في الألفاظ، وإنما في الحقائق الشرعية ومقتضياتها.

◆ لقد جاء الإسلام ليكسر الطاغوت البشري والفكر، وليهدم الوسائط التي نصبت نفسها بين الخلق وربهم، فلا كهانة فيه ولا بابوية ولا مشيخة ولا طبقة تحتكر الفهم عن الله ورسوله. ومن ثم فإن كل مشروع يعيد بناء هذه الحواجز باسم الولاية أو التربية أو الخصوصية الروحية إنما يعيد إنتاج الجاهلية في صورة جديدة، وإن اختلفت الأسماء والشعارات.

وهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وهو أفضل الأمة بعد نبيها وأعظم أوليائها قدرا بالإجماع، يقول على منبر الخلافة: “فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني”. وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه الملهَم والمحدَّث يقول: “رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي“.

أما هذا النص للدكتور الكبيطي فيؤسس لآداب معاكسة تماما، مضمونها العملي: إذا رأيت خطأ فلا تنكره، وإذا رأيت مخالفة فلا تعترض، وإذا ظهر لك ما يخالف الشرع أو العقل فاتهم نفسك، لأن الشيخ المرآة لا يخطئ، وما يبدو مخالفة ليس مخالفة، بل هو عين الصواب.

◆ وهذا ليس منهج الصحابة الذين رباهم الصادق المصدوق عليه الصلاةوالسلام، ولا منهج التابعين، ولا منهج الأئمة الأربعة، ولا منهج أئمة السلوك والتصوف السني المعروفين بالاتباع والاستقامة. بل إن أئمة التصوف العدول كانوا من أشد الناس حربا لهذه الدعاوى. فالجنيد رحمه الله مثلا كان يقول: “كل الطرق مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول ﷺ“. ويقول أيضا: “من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر“. أما في هذا النص فإن الشيخ المرآة (أو الكبيطي نفسه صاحب النور المحمدي كما يزعم) لا يُعرض كلامه على القرآن والسنة، بل يصبح هو بنفسه معيارا للفهم والتلقي، وتغدو أقواله مصدرا للحقيقة الشرعية لا مجرد اجتهاد بشري يحتمل الصواب والخطأ. ومن أخطر ما في النص قول المؤلف: “حتى وإن ظهرت للخلق أجمعين مخالفة إلا أنها عين الصواب”.

فهذه العبارة وحدها كافية لإسقاط جميع الضوابط العلمية والشرعية والعقلية؛ إذ بمقتضاها يمكن تسويغ أي شيء، مهما بلغ من البطلان والانحراف والزندقة.

فإذا خالف الشيخ نصا من القرآن قيل: إنه مؤيد!!. وإذا خالف سنة ثابتة قيل: له سر لا تدركونه. وإذا خالف إجماع الأمة قيل: له كشف وفتح. وإذا وقع في منكر ظاهر قيل: أنتم لا تفهمون مقامه.

◆ وهذه هي الآلية نفسها التي تسللت بها الانحرافات الكبرى إلى كثير من الفرق والطوائف عبر التاريخ كالباطنية والحلولية والاتحادية وغيرها؛ إذ لم تبدأ تلك الانحرافات برد النصوص مباشرة، وإنما بدأت بالتأويل المنحرف ومنح الأشخاص حصانة فوق النقد، ثم انتهت إلى تقديم أقوالهم على الوحي نفسه.

والحقيقة أن الخطر الأعظم في هذه الدعوى لا يتعلق بمسألة العصمة وحدها، بل يتعلق أيضا بهدم قاعدة الاحتجاج في الإسلام.

فأهل السنة والجماعة يجعلون الدليل هو الحاكم على الرجال، ويجعلون الحق معيارا يعرف به أهله. أما هذا التصور فيجعل الرجل هو المعيار، ويجعل صحة القول مستمدة من قائله لا من دليله. ولهذا كان السلف يقولون: اعرف الحق تعرف أهله. أما هذا المنهج فيقول عمليا: اعرف الشيخ تعرف الحق.

وهذا انقلاب كامل للميزان الشرعي، وانتقال من سلطان الدليل والبرهان إلى سلطان الأشخاص.

ثم إن دعوى أن معرفة الشيخ بالشريعة والحقيقة “منسوبة إلى رسول الله”، وأن كلامه منسوب إلى رسول الله ﷺ، تفتح بابا خطيرا للكذب على النبي ﷺ باسم الإلهام والكشف والذوق. فكل صاحب دعوى يستطيع أن يقول: هذا ليس رأيي، وإنما هو وارد نبوي. وحدثني قلبي عن ربي.

وكلما طلب منه الدليل قال: الاعتراض سوء أدب. ولا تعترض فتنطرد.

وكلما نوقش قال: أنتم محجوبون عن المقامات.

وهكذا تتحول الدعوى نفسها إلى دليل على صحتها، ويصبح التحقق من الأقوال منكرا وإثما، ويصبح النقد انحرافا، ويصبح السؤال عن الدليل سوء أدب.

◆ ولهذا كان العلماء يعدون من أعظم البدع كل مسلك يجعل صاحبه فوق النقد الشرعي، أو يرفع أقواله وأفعاله فوق ميزان الكتاب والسنة.

وخلاصة الأمر أن الخطر الكامن في هذه الدعوى لا يتمثل في شخص الشيخ المرآة بقدر ما يتمثل في الأصل الذي تؤسس له؛ إذ ليست المشكلة أن رجلا ادعى لنفسه مقاما فوق مقامه، فذلك وقع في التاريخ كثيرا، ولكن المشكلة أن تتحول هذه الدعوى إلى منهج في التلقي، وإلى أصل يربى عليه الأتباع والمريدون جيلا بعد جيل.

فمتى صار الشخص دليلا على الحق بدل أن يكون الحق دليلا على صدقه، ومتى أصبحت أقوال الرجال ميزانا توزن به النصوص بدل أن توزن هي بالنصوص، فقد انتقلنا من دائرة الإسلام التي مدارها على الوحي والبرهان، إلى دائرة الغلو والانحراف العقدي والفساد التربوي التي مدارها على الأشخاص والدعاوى.

◆ ولهذا فإن الواجب على أهل العلم والبصيرة والغيرة على جناب التوحيد والسنة أن يبينوا للناس خطر هذه التصورات، وأن يكشفوا ما فيها من مصادمة لأصول الإسلام المحكمة، وأن يقرروا للناس أن العصمة للوحي وحده، وأن كل أحد بعد رسول الله ﷺ يؤخذ من قوله ويترك، وأن أعظم الأولياء وأجل العلماء لا يخرجون عن كونهم بشرا يصيبون ويخطئون.

◆ كما يجب على عامة المسلمين وطلاب العلم أن يحذروا من كل خطاب يربطهم بالأشخاص أكثر مما يربطهم بالوحي، أو يدعوهم إلى التسليم المطلق لغير المعصوم، أو يجعل الكشف والذوق والإلهام حكما على الكتاب والسنة. فإن هذه الأبواب كانت عبر التاريخ من أعظم منافذ الانحراف العقدي والسلوكي، وبسببها نشأت صور من الغلو والتقديس لم يبعث الله بها رسولا، ولم ينزل بها سلطانا. وإن حفظ الدين لا يكون إلا بتعظيم الوحي فوق كل أحد، وجعل الرجال تبعا للحق لا مصدرا مستقلا له، ووزن الأقوال بالدليل لا وزن الدليل بالأشخاص، وذلك هو الصراط المستقيم الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه وأئمة الهدى من بعدهم، ومن لم يكن الله وليه، كان الشيطان وليه.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
29°
32°
الجمعة
32°
السبت
32°
أحد
30°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة