حول ظهير العدالة البربرية (1930م)

13 يوليو 2026 22:31

هوية بريس – ذ.إدريس كرم

في عدد غشت من هذه النشرة، نشَرَت تحت اسم محمد توضيحا في الصحافة الأوربية، للبيانات المتحيزة التي ظهرت -عبر مدريد ولندن- هنا وهناك، في الصحافة الأوربية، بشأن الاضطرابات المزعومة، التي يفترض أنها هزت المغرب، بمناسبة إصدار ظهير العدالة في الأراضي البربرية.

منذ ذلك الحين تطورت الحركة التي ذكرها محمد، والتي تمثل أقلية صغيرة، ولدينا الآن الدليل من أفواه المستغيثين على أن أمجاد غاندي التي تقلقهم ليلا، وأن ظاهرة العدالة البربرية لم تكن سوى ذريعة بسيطة.

بما أن هذه الذريعة قد طويت في غياهب التاريخ، بات من الممكن الآن رسم صورة شاملة، للاضطرابات التي اندلعت في تلك المناسبة.

منذ أن قاد مصطفى كمال تركيا، نحو تنمية أوربية بحتة ودعا إلى تبني الثقافة اللاتينية في بلاده، ترسخ المثل الأعلى السياسي، للشباب المغربي على الزَّغْلوبِيزْم والوفد (المقصود: سعد زغلول، وحزبه الوفد، بمصر) بينما استخدمت الوهابية كغطاء، لكسب وُدِّ “اللِّحَى البيضاء vieilles barbes”

بعد أن تلقوا تعليما ثانويا فرنسيا زائفا، وتعليما شبه عربي، موجها بذكاء وخفاء، نحو القومية، شعر عدد من هؤلاء الشباب (بل يجب الحذر من الحديث عن أغلبية)

بأن حكومة الحماية، لا تولي كفاءاتهم الفكرية والأخلاقية المتميزة، المكانة التي تستحقها، وكحال جميع الساخطين سعوا إلى فرصة للتعبير عن مظالمهم بأكبر قدر من العلنية، وبأقل قدر من المخاطرة، كما كانوا في عجلة من أمرهم للتحرك، لأن صحف القاهرة كانت تُفيد بانعقاد مؤتمر “للشباب المسلم” في العاصمة المصرية، وكان الوافدون الجدد مفعمين بالرغبة، دون أي حياء في تحقيق نتائج إيجابية.

لكن كان عليهم التريث بالصمت، إذ كان المقيم العام الجديد قادما من تونس، وقد سبقته سمعة طيبة في شؤون السياسة الداخلية.

وبعد فترة وجيزة من التفكير، بدأ باتخاذ تدابير تهدف إلى إعادة إحياء سياسة سليمة وسخية تجاه المغاربة، ولاسيما الشباب، علاوة على ذلك، كان الإجماع بعيدا كل البعد عن التحقق في معسكر عَگْرمة، وكانت البادية ما تزال غير مبالية، وفي المدن الرئيسية (فاس، الرباط، سلا، الدار البيضاء، مراكش) كان الشباب يكنون عداء صريحا أو ضمنيا (للِّحى البيضاء) وشيوخ الطرق الدينية، ولذلك كان الوضع صعبا بالنسبة لتحركنا، لا هيئة أركان عامة، ولا قوات، ولا تمويل، من الصعب في ظل هذه الظروف بدء حرب، على أمل إطالة أمدها، لأن هدف الصراع، كان هو الضغط على الحكومة.

لقد بدا لهم الظهير المتعلق بالعدالة البربرية، فرصة مثالية لإثارة الرأي العام في المدن، وتحقيق مكاسب كبيرة، فلَوْ تمكنوا من إدخال أدنى تعديل على الظهير لكانوا ضمنوا تأييدا واسعا، ودعْما ماليا كبيرا ودائما، وبدا الوضع مواتيا للغاية، فمن جهة بدت المخاطر المترتبة على إثارة الأمور في هذه المناسبة ضئيلة جدا، ألم يكن معروفا في الخفاء أن العديد من المسؤولين الفرنسيين، ولاسيما بعضهم، يعارضون منح الشرعية القانونية للعادات البربرية؟

وهنا تكمن الفرصة “المثالية” التي يتحدث عنها موريس لوگلاي في روايته الأخيرة “دروب الحرب والحب sentiers de la guerre et de l,amour” ومن جهة أخرى، كانت الدراسات تظهر منذ فترة في الكتب والكتيبات والتحف، لأسْماء شخصيات رسمية، أو يُفترض أنها رسمية، مما يشير إلى أن التبشير السريع للبربر، كان يدرس داخل الأوساط الحكومية.

وهكذا يمكن تحويل التحريض إلى المجال الديني الذي سرعان ما يحدث تداعيات عميقة، وإن كانت ذات طبيعة معاكسة، بين الفرنسيين والمسلمين على حد سواء.

كانت ميكياڤيلية المحرضين، وسرعة تهافتهم بارزة للنظر؛ فقد أكدوا “لِلِّحَى البيضاء vieilles barbes” أن الظهير الجديد، هجوم مدبر على الإسلام، والسلطة الروحية للسلطان، وطمأنوا الزعماء الدينيين، أن النص المثير للجدل، يضع حدا لزياراتهم، أو رحلاتهم الرَّعَوية، التي كانت مثمرة في جبال البربر، وأخيرا حصلوا على بعض الدعم من بعض الوهابيين، أو الذين يعتبرون كذلك، والذين يترددون على “الأعتاب” الشريفة.

وهكذا بعد أن تأكدوا من نجاح بلا مخاطر ظاهرة، شرعوا في الحفل الذي ابتدأ بـ”الطيف” الذي يتضرع به إلى الله، لإغاثة المحتاجين الذين هم في محنة، بعد صلاة الجمعة في المساجد الكبيرة.

يوم الجمعة هو يوم تجمُّع أكبر الحشود، لصلاة الجمعة وعندما يسمعون تلاوة اسم الله “اللطيف” جماعة بالمسجد، تساءلوا عن الباعث لذلك، فأجابهم المتآمرون “لأن الإسلام مستهدف”؛ ابتداء من ذلك اليوم، سيضطر البرابرة للانضمام للجمهور، ووضع طاقية (تبين أنهم محتجون على الظهير) حتى ولو لم يكن قد قرأوه، لاقت تلك الدعوات رواجا سريعا، وانزعجنا من قيامهم بجمع التبرعات بعد الانتهاء من صلاة “اللطيف” لشراء الخبز وتوزيعه على المحتاجين والفقراء، مظهرين أنفسهم كمدافعين عن الإسلام.

عندما أعلن عن هذه المظاهرات الأولى، انفجرنا ضحكا

لكن كما هو الحال مع افتراءات “فيگارو figaro“ ازدادت الحركة اضطرابا، وعلى الفور، برزت احتمالات لا حصر لها لأنواع شتى من التعقيدات، تجدد العداء ضد الصدر الأعظم، الذي اعتبره البعض مصدر إزعاج، نظرا لطول مدة توليته المنصب، كما تجددت العداوة بين العشائر النافذة المتنافسة على مختلف الوزارات، واستُغل السخط العميق في فاس، الناجم عن الوضع الاقتصادي المتردي، الذي تفاقم بسبب ضعف المحصول بشكل بيِّن، وسادت حالة من الاضطراب بين المحميين الإنجليز والإيطاليين.

في غياب السلطان والصدر الأعظم، الذين كانا في فرنسا، اقتصرت جهود السلطات الشريفة على الحفاظ على الأمن العام. وبعد عودة السلطان والصدر الأعظم، أبلغوا بالوضع، فأمر السلطان بكتابة خطبة، وقراءتها في المساجد، أكد فيها بصفته أمير المومنين، بأن الظهير لا يحمل أدنى هجوم على الإسلام، وهدفه الوحيد هو ضمان احترام العادات البربرية، ودعا رعاياه بالكف فورا عن أي تحريض في هذا الشأن.

وفي الوقت نفسه، أرسلت الإقامة العامة لمسؤولي المراقبة قرارا؛ بالقيام بتوضيح أي لبس إن وجد، ونُشِرت القضية برمتها في الصحف، لم يعد من الممكن الاستمرار في محاولة الترويج لإنقاذ الإسلام، الذي لم يفكر أحد قط، في مهاجمته.

حينها انكشفت المؤامرات، واعترف المحرضون علنا بأن الظهير المتعلق بالعدالة البربرية ليس إلا ذريعة، وأنهم سيقدمون مطالبهم الحقيقية.

في الوقت نفسه، قرر المتآمرون تركيز حركتهم في فاس، حيث بدت المدن الكبرى أكثر ملاءمة لوجود مجلس العلماء، الذي ينصب السلاطين ويعزلهم.

تم تنظيم وفد، وكلِّف بالتوجه إلى الرباط، لعرض رغبات سكان المدينة على المخزن، ولضمان استقبال السلطان له، عُيِّنت فيه شخصية مرموقة، وزير عدل سابق، ومعلِّم السلطان مولاي يوسف، لكن المحرك الحقيقي للوفد، كان هو السيد محمد عبد السلام لحلو، وهو تاجر بارز، كان سابقا تحت حماية ألمانيا، وقد حاولنا استمالته بمنحه وسام جوقة الشرف، وتسهيل وصوله إلى المجلس البلدي وغرفة التجارة، والجمعية الخيرية المحلية، وقد حظي الوفد بمقابلة السلطان، الذي رحب جلالته بهم، وتلقى بيديه مطالب رعاياه الفاسيين.

بعد الاستقبال الشريفي، اقتيد الوفد لبْنيقَة (مكتب) الصدر الأعظم، وهناك طلب السيد لحلو الرد على الطلب، بنبرة وقحة ومتكبرة، فأجاب الصدر الأعظم بأن المخزن بحاجة إلى وقت، لدراسة رغبات أهل فاس، وأن هذه الرغبات ستلبى حسبما تقتضيه الظروف.

كنا بعيدين كل البعد عن النجاح الذي أعلن عنه بتهور في شوارع العاصمة الإدريسية، قبل التوجه للرباط.

لذا وللتغطية على الفشل، تقرر إثارة الأمور من جديد، فقرر لحلو وثلاثة وثلاثون من زملائه تخْريج “اللطيف” بالمسجد الكبير، ولكن هذه المرة ضد الصدر الأعظم والسلطان.

إنشاء لجنة التشريع من قبل سلطة الحماية الفرنسية سنة 1913م

لم يعد الحديث عن ظهير العدالة البربرية هو القضية المطروحة، ولا حتى الدفاع عن الإسلام، بل اتفق على إرسال مبعوثين للرباط وسلا والدار البيضاء ومراكش لتأطير حلقات تخْريج “اللطيف” بها، كما أرسل وفد للعاهل.

صار الأمر تمردا علنيا، فألقت السلطات الشريفة القبض على المحرضين، وبأمر من المخزن، اتخذت إجراءات نفيهم، اعتقد بأنهم سيفكرون في الذي يقومون به دون شك، وهم يتأملون في عزلة ابْلادْ المغرب، حيث يقتل جنودنا من أجل أن يتمكن تجار فاس وغيرها، من ممارسة تجارتهم دون عوائق، وسيدفعهم وضعهم لمزيد من الحكمة والامتنان.

يبدو أن هذا الإجراء الحاسم قد هدأ من حدة التوتر، وتوالت عبارات الولاء من كل حدب وصوب، الأمر الأكثر غرابة في هذه القضية، هو أنه بينما كان بعض الشباب يتحمسون لصالح “اخوانهم” البرابر، قام الأخيرون بشكل عفوي، أثناء إعلان الظهير الذي يرسخ عاداتهم وتقاليدهم، بتوجيه أئمة المساجد إلى تقديم شكرهم الجزيل للسلطان، على بادرة حسن النية التي أبداها تجاههم من خلال هذا الإجراء التشريعي، كما أعرب جميع الأئمة عن احترامهم وولائهم، للإمام الذي يعتبر بالنسبة لهم السلطان.

اعترفت بأن ظهير 16 ماي 1930 لم يكن سوى ذريعة للتحريض، وقد اقتنعنا بمجرد قراءة الرسائل التي كتبها المواطنون المغاربة إلى الملك، الذي اعترفوا بسلطته الزمنية، لأول مرة في تاريخ المغرب، بفضل قوة أسلحتنا.

لم يكن هذا الأمر خافيا على المحرضين في المدن الكبرى، ولكن عندما يتصرف المرء بسُوء نية، فإنه لا يتوانى عن تحريف الحقيقة قليلا، وهكذا فقد استنفدت الحركة غرضها، وستحاول كطائر الفينق الأسطوري، أن تنهض من رمادها. هذا أمر مؤكد، ولكن لا يمكننا أن نطمئن إلى يقظة الحماية، يمكن القول بأن الشباب المغاربة حريصون على التعبير عن مخاوفهم، التي يبرر بعضها بهذا الشكل من العنف المبرر، علاوة على ذلك، فقد أدرك معظمهم تماما عدم ملاءمة هذا النهج، ونأى الكثيرون بأنفسهم عنه، مكرسين أوقات فراغهم لأنشطة أخرى.

يمكن استخلاص العبر من هذه الأحداث، ويمكننا الآن التفكير في التالي:

قبل ثمانية عشر 18 سنة، أنقدنا المغرب من الفوضى التي كان يغرق فيها، والآن نسمع عن نزعة قومية لها مطالبها!

كما لاحظنا هنا وهناك، بعض التأثيرات غير المرغوب فيها؛ اللجنة السورية الفلسطينية، والفصائل المناهضة لكراهية الأجانب، وعملاء بريطانيا الغامضين، وعملاء إيطاليا الفاشية.

تصرفت السلطات القنصلية لهذين البلدين بشكل صحيح، ونصح القنصل البريطاني العام مواطنيه بالبقاء على “الحياد” في هذا التيار، ولا شك أن المحميين البريطانيين، سيأخذون بهذه النصيحة، لأنهم كانوا يؤمنون ببساطة أنهم عملاء لإرضاء رجال لن يمانعوا في أن يروا بلادنا تعاني صعوبات مماثلة لتلك التي واجهتها مصر والهند.

فمنذ اللحظة التي يعرب فيها الإنجليز، عن استيائهم سيلتزم المواطنون المغاربة الصمت، متأسفين على “تضامن” المسيحيين فيما بينهم، مما يحرمهم من فرصة الاستمتاع بضيافة أرثوذكسية على حسابهم، لكن سياسة طويلة من الملاحظات، تتيح لنا التأكيد على أنه في مناسبات أخرى، قد لا تكفي هذه التوصية بالحياد، وأنه حينها -فالوقاية خير من العلاج- سيكون التهديد بسحب الحماية البريطانية، عن مثيري الشغب أكثر فعالية.

نحن على يقين بأن المسلمين يميزون بين المسيحيين والأمم، وفقا لمفهومنا الغربي، أما “المتطورون” أو من يطلقون على أنفسهم هذا اللقب، فلا يؤمنون بضرورة وجود المسيحي كحام ومرب، أما من لا يؤمنون بذلك، فيتصورون المسيحية مبنية على نفس أساس الإسلام.

فلنكن على يقين تام بأننا لا نستطيع أن نتوقع العون إلا من أنفسنا، ولنتجنب السخرية من الصعوبات التي واجهتها القوى الأوربية الأخرى في تعاملها مع الإسلام.

ولنسع جاهدين لتطوير الحل الفرنسي لمشكلة تسويتنا النهائية في المغرب الإسلامي، لقد وضعنا الخطوط العريضة له نظريا، وما علينا إلا تطبيقها عمليا، ومن أقوى الوسائل لذلك أن نتأمل بصدق وإخلاص في هذه النفوس المضطربة المعذبة، ونحن على يقين بأن حل هذه المشكلة، بات وشيكا في المغرب.

AQQA

—-———————-

أنظر Autour du dahir sur la justice berbrer

في؛ Bulletin du comite de l,afrique francaise 1930..pp514-517

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
21°
25°
الأربعاء
26°
الخميس
26°
الجمعة
27°
السبت

كاريكاتير

حديث الصورة