التنظيم بين فائض الزعامة وفائض اللطف

التنظيم بين فائض الزعامة وفائض اللطف
هوية بريس – عبد الواحد رزاقي
التنظيمات والمؤسسات والهيئات وغيرها من أشكال التجمع البشري يسري عليها ما يسري على الأفراد من عوامل الصحة والاعتلال والقوة والضعف والتألق والخفوت والصعود والهبوط وتبوأ القمة ومنحدر السفح…ويتضافر في هذه العملية ما هو ذاتي نابع من داخل الكيان، وهو عامل حاسم ومصيري وما هو موضوعي خارجي تساهم فيه عوامل أخرى تدخل في إطار التنافس والتدافع يشكل النقطة التي تفيض الكأس.(1)
حينما تجتمع للتنظيم وحدة الكلمة والشورى وتداول الرأي وحرية التعبير واحترام الهياكل وحسن تموقع الأعضاء في مسؤولياتهم (الشخص المناسب في المكان المناسب) ويكون القائد منفذا لقرارات الهيئة التي يشرف عليها وليس شيخا في زاوية يقبل المريدون يديه صباحا ومساء، أو ضابطا في ثكنة عسكرية ترفع له القبعات في كل حركة وسكنة يصدر التعليمات دون مناقشة ، فأبشر بنجاحه وتميزه واستمراره وصموده.
أما إذا كان القائد أو المسئول الأول لسان حاله قوله تعالى على لسان فرعون:”ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد”. يتبرم من النصح والانتقاد ويتأفف من إبداء الرأي المعارض ويعمل جاهدا على إبعاد المخالفين الناصحين بل ويصفهم بأقبح النعوت ويلمزهم بمناسبة وغير مناسبة، ويقرب الموافقين المصفقين المادحين ويثني عليهم حمدا لهم بما لم يفعلوا، فلا تحسبن التنظيم بمفازة من الاندحار والسقوط.
ولهذه الحالة النفسية التي يعيشها القائد أسباب وبواعث؛ من قبيل قوة الشخصية(2) وصلب الإرادة ومضاء العزيمة أو ما يطلق عليه ( الكاريزما) وهي أمور مطلوبة في القيادة يزيدها زخما وكثافة كثرة المادحين والمعجبين مما يؤدي بالقائد إذا لم ينتبه إلى وضع “فيض في الزعامة” يصبح إزاءه التعامل معه صعبا حيث تتضخم الذات ويعتبر رأيه الكل في الكل ورأي غيره سخافات وهذر لا معنى له.
فيخطو خطوة نحو الاستبداد بالرأي وعدم التشاور والاستهانة بهياكل التنظيم والمؤسسة.
وفي مقابل هذه الشخصية قائد يحاول إرضاء جميع الأطراف ويعمل على جمع المتناقضات، لا يرد طلبا ولا يسفه رأيا يقبل رأي من انتفخت أوداجه العنيد الذي يفرض أفكاره ويتغافل عن الذي قدم فكرته في أدب. يتماهى مع الجميع لا يقوم بالترجيحات اللازمة لاختيار أحسن القرارات. هذه الشخصية توصف ب “فيض في اللطف” يصبح عقبة في مستقبل المنظمة وعبئا على سيرها العادي.
والعمل المنظم لا يحتمل كلا الشخصيتين والمطلوب التوسط مع إشاعة القيم الإيجابية والقيام بما يضمن رشد الهيئة وتسديد قراراتها ومراجعة أخطائها وتقييم مسارها لتثمين الصائب من اختياراتها وتجاوز سلبياتها مع التأكيد على اتهام الذات وتغيير ما بداخلها في الاتجاه الإيجابي مصداقا لقوله تعالى:” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” الرعد آية 12
هوامش:
1 الشجرة حينما تنخر من الداخل ويدخل التسوس جذعها أدنى نسيم يسقطها.
وفي المقابل إذا كانت عروقها ممتدة داخل التربة وجذعها قوي متماسك تصمد أمام الرياح العاتية.
2 يؤطر ذلك الحديث الشريف:”المومن القوي خير وأحب إلى الله من المومن الضعيف وفي كل خير”.



