أربع سيناريوهات للحرب على إيران

هوية بريس- محمد زاوي
في خضم الحرب القائمة في الشرق الأوسط، ومن ناحية جيوسياسية، يجب التمييز بين واقعين مطروحين على الطاولة: واقع تعدّل فيه إيران بعض سياساتها دون أن يسقط نظامها الحالي، وواقع يسقط فيه نظامها وتصبح فيه طهران منفتحة على سيناريوهات مختلفة. في الواقع الأول، يمكننا الحديث عن شكلين لتعديل السياسات الإيرانية، إما من خلال انتقال الحكم للإصلاحيين وما يعنيه ذلك من تراجع لسياسات المحافظين ومؤسساتهم الأبرز (الحرس الثوري/ مجلس خبراء القيادة/ مقر خاتم الأنبياء/ الخ) ونهج سياسات أكثر اعتدالا في العلاقة بالمعارضة (داخليا) والدول العربية و”إسرائيل” (إقليميا) وأمريكا (دوليا)، أو من خلال تغيير باطني للسياسات بممارسة نوع من التوجهات الإصلاحية تحت عباءة الإرشاد الجديد وهذا أمر وارد إذا أخذنا بعين الاعتبار التقارير التي تحدثت عن شخصية مجتبى خامنئي وتكوينه ومساره ورؤيته.
أما إسقاط النظام بالطريقة التي يريدها الكيان الصهيوني، أي باستمرار القصف في انتظار إضعاف النظام وخروج فئات من الشعب الإيراني للاحتجاج ودخول بعض الفئات (الأكراد/ العرب/ مجاهدي خلق/ الخ) في صراع محتدم مع النظام الإيراني الحالي في ظروف ضعفه إذا تحققت.. قلتُ: أما إسقاط النظام بهذه الطريقة، ففضلا عن أنه مستبعد، فإن وقوعه يحتمل تغييره بنظام جديد يدعمه الحلف الأمريكي-“الإسرائيلي”، كما يحتمل تفكك الدولة الإيرانية ودخولها زمن الحروب الأهلية. سنكون آنئذ أما سيناريو “سوريا مكررة” أو “اليمن مكررة”، بدخول قوى إقليمية ودولية على الخط، وباستثارة الخلافات المذهبية والعرقية والطائفية والإيديولوجية التي تارة ما تتصاعد إلا في شروط التفكك والضعف.
هي ثلاثة سيناريوهات إذن، انتقال الحكم للإصلاحيين، تعديل باطني للسياسات الإيرانية، تغيير النظام بالعنف.. وقد يقع سيناريو رابع قبل أن يتحقق أحد هذه السيناريوهات الثلاثة، ونقصد به سيناريو اتساع الحرب، بالتدخل المباشر لدول حلف “الناتو” و دول الخليج من جهة، والصين وروسيا وكوريا الشمالية من جهة أخرى.. وربما تتسع التوترات لتشمل مواقع أخرى (نقطة التوتر بين باكستان والهند/ نقطة التوتر بين المغرب والجزائر/ تصعيد الحرب بين روسيا وأوكرانيا/ الحرب بين الكوريتين/ بين الصين واليابان/ الخ).. في هذه الحالة سنكون أمام حرب عالمية ثالثة صريحة، الأمر الذي قد يعجل بالنظام الدولي الجديد.. وربما تختفي فيه دول وتتفكك، وتظهر تكتلات دولية جديدة.
أرى أن أغلب الدول العربية والإسلامية لا ترى مصلحة سقوط النظام الإيراني، بقدر ما تفضّل رجحان كفة “الإصلاحيين” داخل النظام، وفي ذلك مصلحة لإيران والمنطقة معا. أما سقوط النظام الإيراني فهو لا محالة، خاصة إذا ارتبكت معه إيران وتقزم وزنها الإقليمي، سيؤدي إلى تشكل شرق أوسط لمصلحة الكيان، في انتظار الدور على مصر وتركيا والسعودية وباكستان.. هذا ما يفسر المصالحة السعودية الإيرانية بوساطة صينية، وتصاعد التنسيق مؤخرا بين مصر وإيران، ودخول تركيا في مفاوضات لبحث حل عاجل للمسألة الإيرانية بما في ذلك وقف الحرب.
يجب التمييز إذن بين الاختلاف سياسيا وجيوسياسيا مع إيران، وبين المبالغة في هذا الاختلاف أو التناقض حدّ “توجيه البندقية إلى الخلف” بتعبير العربي مفضال (في كتابه “حزب التقدم والاشتراكية وأزمة الخليج: عندما يرتد السلاح إلى الخلف”). ملاحظة أخرى يجب أخذها بعين الاعتبار: لا يصح القبول بعربدة اليمين “الإسرائيلي”، وفي المقابل توجيه سهام النقد والاتهام ليمين “المقاومة”.. هناك نوع من التوازن بين اليمينين، على فداحة جرائم الأول، وأخطاء الثاني، في المنطقة.. لكن لا يتوارى الثاني إلا ليتغول الأول.. كل توازن جيوسياسي في الشرق الأوسط فهو في مصلحة دول الوطن العربي، مهما تحفظت على “التحرشات” الإيرانية في بعض مناطق توسعها عن طريق حلفائها (الفصائل). هناك فرق دقيق بين كبح جماح إيران، بين رسم لحدود نفوذها، وبين اختلال ميزان القوى في المنطقة لصالح “اليمين الإسرائيلي المتطرف”..



