الحج… ذلك السفر الذي ليس ككل الأسفار

22 مايو 2026 21:47
الحج…ذلك السفر الذي ليس ككل الأسفار
هوية بريس – شريف السليماني
في هذه الأيام المباركة، تتجه قلوب ملايين المسلمين إلى بيت الله الحرام. يتركون أوطانهم، وأعمالهم، وأسرهم، ويتحملون مشقة السفر والزحام والتعب، وينفقون الأموال الكثيرة، وكل ذلك وهم فرحون، مطمئنون، يرجون القبول من الله عز وجل. وهنا يقف الإنسان متأملًا: ما الذي يجعل إنسانًا يدفع ثمانية آلاف يورو، أو عشرة آلاف، وربما أكثر من ذلك، ثم ينفق فوقها في الطريق والهدايا، وربما أقام وليمة قبل سفره وأخرى بعد عودته، وهو راضٍ سعيد لا يشعر أنه خسر شيئًا، بل يشعر أنه ربح؟ ما الذي يجعل إنسانًا في زمن كثرت فيه الشكوى من الغلاء، وكثر فيه الحرص على المال، وربما يتردد بعض الناس في إخراج مبلغ يسير في صدقة أو مشروع خير، يبذل كل ذلك وهو مطمئن، يرجو القبول من الله؟
إنه الإيمان.
ما أعجب أثر الإيمان حين يدخل القلب. إن الإيمان لا يغير علاقة الإنسان بالله فقط، بل يغير علاقته بالدنيا، وبالمال، وبالراحة، وبالتضحية. ولذلك ترى الحاج ينفق ماله بسخاء، وهو سعيد، لا يشعر أنه يخسر، لأنه لا يرى ما يقدمه خسارة، وإنما يراه قربة إلى الله، واستثمارًا للآخرة، ورجاءً فيما عند الله.
لكن الحج ليس مجرد انتقال من بلد إلى بلد، وليس مجرد شعائر تؤدى ثم يعود الإنسان بعدها كما كان، وإنما هو مدرسة إيمانية عظيمة، مليئة بالدروس والعبر والمعاني التي نحن في أمس الحاجة إلى استحضارها.
وقد يتساءل بعض الناس: إذا كان الله يسمع دعاءنا في كل مكان، ويعلم سرنا ونجوانا، فلماذا جعل الله الحج إلى مكة؟ ولماذا فضل المسجد الحرام؟ ولماذا اختار هذا المكان بالذات؟
والجواب أن الله سبحانه لا يحتاج المكان، فنحن ندعوه في كل مكان، ونعبده في كل مكان، لكنه سبحانه اختار بعض الأزمنة وبعض الأمكنة وفضلها، كما فضل رمضان من بين الشهور، وليلة القدر من بين الليالي، ويوم الجمعة من بين الأيام.
ثم إن مكة ليست مكانًا عاديًا.
إنها أول بيت وضع للناس.
أرض ارتبطت بتاريخ طويل من التوحيد والطاعة والتضحية والإيمان.
مر بها إبراهيم عليه السلام.
وعاشت فيها هاجر.
ونشأ فيها إسماعيل.
وفيها بني البيت.
ومن تلك الأرض انطلقت أعظم رسالة عرفتها البشرية.
وفيها سار رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفيها نزل الوحي.
وعلى أرضها ضحى الصحابة وصبروا وثبتوا.
فالحاج لا يذهب إلى مكان فقط، بل يذهب إلى أرض مرت بها أعظم معاني التوحيد والتضحية والإيمان والثبات.
ومن حكمة الله أيضًا أن الحج لم يجعل رحلة رفاهية. لو شاء الله لجعله في أرض خضراء معتدلة الطقس، وفي مكان يذهب إليه الناس من أجل الراحة والمتعة، لكنه سبحانه اختاره في بيئة يتعلم فيها الإنسان الصبر، ويتعلم فيها المشقة، ويتعلم فيها التجرد، حتى تتمحص النيات، وحتى يعلم الإنسان أنه لم يأت من أجل الصور، ولا من أجل الراحة، ولا من أجل السياحة، وإنما جاء لأن الله دعاه.
ومن أول الدروس التي يعلمنا إياها الحج الإخلاص.
الحج يبدأ بالنية.
الحج يبدأ بالقلب.
لا يذهب الإنسان للحج ليضيف لقبًا إلى اسمه، أو ليقال عنه إنه حج، أو ليصبح ينتظر من الناس أن ينادوه: «الحاج».
ولا يذهب ليتفاخر.
ولا ليجلس في كل مجلس يحدث الناس عن تفاصيل رحلته، وكأنه يريد أن يقول بطريقة غير مباشرة: انظروا، أنا أيضًا حججت.
نعم، قد يحدث الإنسان عن الحج تعليمًا، أو نصحًا، أو نقلًا لتجربة نافعة، لكن بين الأمرين فرق كبير.
ومن الناس من يغضب إذا لم يناده الناس: يا حاج.
فلنتق الله.
فإن العبادة إذا فقدت روح الإخلاص ضعفت قيمتها، والشيطان إذا لم يستطع أن يمنع الإنسان من الطاعة حاول أحيانًا أن يفسدها.
ومن أعظم دروس الحج الإحرام.
وليس الإحرام مجرد لباس.
إنه إعلان بداية رحلة إلى الله.
إعلان إخلاص.
وإعلان عبودية.
وتجرد من كثير من معاني الدنيا التي تشغل الإنسان.
يقف الغني والفقير، وصاحب المنصب والعامل البسيط، وصاحب الشهرة والمجهول، بلباس متشابه، فيتذكر الإنسان أنه مهما علت منزلته، ومهما جمع من المال، ومهما حقق من النجاح، فإنه في النهاية عبد فقير إلى الله، لا قيمة له إلا بتقواه.
والإحرام يذكر الإنسان كذلك بالآخرة.
يذكره بالكفن.
يذكره بأنه سيأتي يوم يقف فيه بين يدي الله بلا منصب، ولا مال، ولا شهرة، ولا ألقاب.
كما يعلم الإنسان المساواة، فيصحح عقدتين خطيرتين: عقدة من يرى نفسه فوق الناس، وعقدة من يرى نفسه أقل من الناس. الأول يتعلم التواضع، والثاني يتعلم الكرامة، فالكل هناك محتاج إلى الله، والكل فقير إليه، والكل يقف أمام الله مجردًا من مظاهر الدنيا.
ومن أعظم المعاني التي يستحضرها الحاج كذلك قصة إبراهيم وهاجر وإسماعيل عليهم السلام.
هناك قصة أسرة صنعت الإيمان.
رجل بلغ من الكبر ما بلغ، ورزقه الله ولدًا بعد انتظار طويل، ثم يؤمر أن يترك زوجته وولده في واد غير ذي زرع، لا ماء فيه، ولا بشر، ولا أسباب ظاهرة للحياة.
فتقول هاجر: إلى من تتركنا؟
ثم تسأله ذلك السؤال الذي غير كل شيء:
آلله أمرك بهذا؟
فلما قال: نعم.
قالت كلمتها التي ينبغي أن تبقى حاضرة في قلوبنا:
إذن لا يضيعنا.
ما أعظمها من كلمة.
وما أعظمه من يقين.
وما أحوجنا اليوم إلى هذا المعنى.
أن نأخذ بالأسباب، لكن لا نتعلق بالأسباب.
أن نتوكل على الله.
أن نثق بالله.
أن نوقن أن من صدق مع الله لا يضيعه الله.
نعم، قد يبتلى الإنسان.
وقد يتأخر الفرج.
وقد يخسر شيئًا من الدنيا.
لكن الله لا يضيع الصادقين.
وإن ضاع من الإنسان شيء في الدنيا وهو في طاعة الله، فإن الله لا يضيعه، وإن لم يعوضه في الدنيا عوضه في الآخرة.
والسعي بين الصفا والمروة ليس مجرد انتقال بين جبلين، وإنما هو أيضًا مدرسة في الأخذ بالأسباب. فهاجر لم تجلس تنتظر، وإنما سعت، وبحثت، وتحركت، وأخذت بالأسباب، فجاء الفرج من حيث لم تكن تتوقع، وخرجت زمزم لتعلم الناس إلى قيام الساعة أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، وأن الفرج قد يأتي من حيث لا يحتسب الإنسان.
ومن دروس الحج كذلك استحضار معنى الأمة.
مع الأسف، تطغى علينا أحيانًا القوميات، والحدود، واللغات، والانتماءات الضيقة، حتى ننسى ما يجمعنا.
ثم يأتي الحج ليعيد تذكيرنا بالحقيقة الكبرى.
ملايين المسلمين من شتى الألوان، وشتى الأعراق، وشتى اللغات، وشتى الدول، لكنهم يتجهون إلى قبلة واحدة، ويقرأون كتابًا واحدًا، ويعبدون ربًا واحدًا، ويصلون خلف إمام واحد، وجاؤوا لهدف واحد.
وكأن الحج يقول لنا:
ما يجمعكم أكبر بكثير مما يفرقكم.
وكم نحن محتاجون اليوم إلى استحضار هذا المعنى.
ولو وحد المسلمون أولوياتهم، ووحدوا جهودهم، ووحدوا اهتماماتهم، ووحدوا أهدافهم، لكانت نتائج ذلك عظيمة على الأمة كلها.
ومن أعظم مشاهد الحج مشهد عرفة.
حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«الحج عرفة».
وهناك يقف الإنسان أمام ربه خاضعًا، ذليلًا، منكسرًا، محتاجًا إلى الله، وقد سقطت الأقنعة، وغابت الألقاب، ولم يبق إلا عبد ضعيف يحتاج إلى رحمة الله وعفوه ومغفرته.
وهناك يراجع الإنسان نفسه بصدق:
ماذا أصلحت؟
وماذا أفسدت؟
وكم ضيعت من العمر؟
وكم أخرت التوبة؟
وكم قصرت؟
وكم انشغلت بالدنيا؟
وما أحوجنا جميعًا إلى لحظات التذلل لله.
والإنابة إليه.
والاعتراف بالتقصير.
وأن يقول الإنسان بصدق:
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
إن أعظم لحظات القوة عند المؤمن ليست حين يشعر أنه قوي، وإنما حين يشعر أنه محتاج إلى الله.
والحج كله رسالة.
رسالة تقول للإنسان إن الإيمان ليس كلمات تقال، وإنما تضحية، وثقة بالله، وصبر، وبذل، وتجرد، وإخلاص.
ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه».
وقال صلى الله عليه وسلم:
«الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة».
وليس أعظم ما في الحج أن يغير الإنسان مكانه.
وإنما أن يغير قلبه.
وليس النجاح أن يصل الإنسان إلى مكة فقط.
بل أن يصل إلى المعاني التي أرادها الله من الحج.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يرافقنا جميعًا، سواء حججنا أو لم نحج:
ماذا أخذنا نحن من الحج؟
وهل غيرت هذه الشعيرة العظيمة شيئًا في قلوبنا؟
أم اكتفينا بمشاهدة المشاهد، والإعجاب بالصور، ثم عدنا كما كنا؟
آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
27°
24°
الخميس
23°
الجمعة
23°
السبت
25°
أحد

كاريكاتير

حديث الصورة