الخطبة الموحدة.. أين غاب الربا من حديث السوق والشأن العام؟

الخطبة الموحدة.. أين غاب الربا من حديث السوق والشأن العام؟
هوية بريس – متابعات
خُصصت الخطبة الموحدة ليوم الجمعة 29 شوال 1447هـ لموضوع: “السيرة النبوية مصدر لتدبير الشأن العام.. 4- إنشاء السوق”، في إطار “خطة تسديد التبليغ”. وقد جاءت الخطبة غنية في عرضها التأسيسي لدور النبي ﷺ في بناء المجتمع المدني، من خلال المسجد، والمؤاخاة، وصحيفة المدينة، ثم تحرير السوق من “المعاملات الجاهلية”.
غير أن المتتبع المدقق يلحظ مفارقة واضحة بين قوة العبارات المستعملة في الخطبة، وبين ضعف التناول الصريح لقضية الربا، رغم كونها تمثل أحد أخطر مظاهر “المعاملات الجاهلية” التي جاء الإسلام لمحاربتها.
ورد في الخطبة أن النبي ﷺ سعى إلى “تحرير اقتصاد المسلمين من المعاملات الجاهلية”، وأن “السوق مرآة أخلاق المجتمع”، وأن “المال من الضروريات الخمس التي تجب المحافظة عليها، وهي من صميم الشأن العام الذي تتولى الدولة تدبيره حفاظا على مصالح التجار والمستهلكين”.
هذه العبارات تؤسس لمنهج إصلاحي شامل في الاقتصاد، وتوحي بجرأة في الطرح، غير أن كلمة “ربا” لم تُذكر إلا مرة واحدة، وفي سياق عابر ضمن تعداد عام للمعاملات الباطلة، دون تفصيل أو بيان لحقيقته المعاصرة، ودون استحضار النصوص القطعية التي شددت على تحريمه.
والحال أن الربا ليس مجرد معاملة مالية محرمة ضمن قائمة محظورات، بل هو جريمة اقتصادية وأخلاقية أعلن الله تعالى الحرب على مرتكبها في قوله: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
وهو من القضايا التي وردت فيها نصوص قطعية الثبوت والدلالة، لا تحتمل التأويل ولا التخفيف تحت ضغط السياقات الاقتصادية الحديثة.
ومن باب الإنصاف فالخطبة أحسنت في إبراز جانب الحسبة، ودور النبي ﷺ في مراقبة السوق، وتحذيره من الغش، وتأكيده على الصدق والبيان. لكن السوق الذي أسسه النبي ﷺ لم يكن فقط سوقا بلا خراج، ولا مجرد فضاء للتنافس الشريف، بل كان أيضا سوقا خاليا من الربا، ومن كل صورة من صور الاستغلال المالي.
إن “تحرير الاقتصاد من المعاملات الجاهلية” لا يستقيم دون تسمية أخطر هذه المعاملات باسمه، وبيان صوره المعاصرة، خاصة في زمن أصبحت فيه القروض الربوية بنية هيكلية للاقتصاد العالمي، وأضحت الديون أداة لإعادة توزيع الثروة من الطبقات المتوسطة والفقيرة نحو المؤسسات المالية الكبرى.
فإذا كانت الخطبة تؤكد أن “المال من الضروريات الخمس”، فإن من مقتضيات حفظ المال صيانته من الاستنزاف الربوي، الذي يحول القرض من وسيلة تعاون إلى أداة استعباد.
وإذ نتحدث عن خطورة الربا، حري بنا التذكير أن وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، الدكتور أحمد التوفيق، سبق وصرح خلال افتتاح المنتدى الـ23 حول الاستقرار المالي للمؤسسات المالية الإسلامية بأن المغرب عبر تاريخه “أخذ بكل أساليب الحكامة والعدل وواكبها بقوانين تنبني على المصلحة، ما لم تتناقض مع أي نص قطعي في الشريعة”، وأضاف أن “مئات القوانين والمراسيم التي تصدر عن الحكومة كل عام تصدر باسم المصلحة، وحيث ما كانت المصلحة فثمة شرع الله”.
من حيث التأصيل الأصولي، قاعدة “حيثما كانت المصلحة فثم شرع الله” منضبطة عند أهل العلم بقيود صارمة، أهمها:
1-ألا تعارض نصا قطعيا في الثبوت والدلالة.
2-وألا تلغي مقصدا شرعيا معلوما.
3-وأن تكون مصلحة حقيقية لا متوهمة.
والربا من المواضع التي جاء فيها النص القطعي الصريح، بل جاء فيها من التغليظ ما لم يأت في كثير من الكبائر. لذلك فإن إدخاله ضمن دائرة “المصلحة” أو قراءته قراءة تاريخية محضة، كما استند الوزير إلى نص أرسطو “النقود لا تلد”، قد يفتح بابا منهجيا خطيرا، إذا لم يُضبط بميزان الفقه وأصوله.
والوزير أشار إلى أن المقصد من النهي عن الربا هو رفع الظلم، وأن القروض اليوم تكاد تكون ضرورة من ضرورات الحياة. هذا الطرح يربط العلة بالظلم الفاحش أو “الأضعاف المضاعفة”، وهو ما أثار انتقادات من عدد من الباحثين، منهم الدكتور طلال لحلو، الذي اعتبر أن هذا المسلك يخرج عن منهج الاستدلال المعتمد في الفقه المالكي، ويُغفل أن تحريم الربا ليس مقصورا على صور الاستغلال القصوى، بل يشمل أصل الزيادة المشروطة في القرض.
بل إن عددا من العلماء قرروا أن تحريم الربا تعبدي المعنى من حيث الأصل، وإن ظهرت فيه حكم ومقاصد، فلا يجوز ربطه حصرا بظرفية تاريخية أو بنمط معين من الاستعباد.
إن الخطبة الموحدة، وهي تتحدث عن “تحرير اقتصاد المسلمين من المعاملات الجاهلية”، كانت في حاجة إلى تسمية الربا بوضوح، وبيان خطره المعاصر، واستحضار نصوص القرآن والسنة في التحذير منه، حتى ينسجم الخطاب مع قوة العنوان.
فالجرأة في الحق ليست تصادما مع مؤسسات الدولة، ولا إحراجا للسياسات العمومية، بل هي وفاء للدين والنصوص القطعية والثوابت، وتأكيد على أن المصلحة الحقيقية لا يمكن أن تقوم على ما أعلن الله الحرب على فاعليه.
وفي زمن تتضخم فيه الديون السيادية، وتتسع فيه فجوة الثروة، يصبح الحديث عن الربا ليس مجرد مسألة فقهية نظرية، بل قضية عدالة اجتماعية وأمن اقتصادي وأخلاق مجتمع.
وإذا كان “السوق مرآة أخلاق المجتمع”، فإن أول ما ينعكس في هذه المرآة هو موقفنا الصريح من الربا نصا ووعيا وممارسة.
https://howiyapress.com/%d8%ae%d8%b7%d8%a9-%d8%aa%d8%b3%d8%af%d9%8a%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a8%d9%84%d9%8a%d8%ba-%d9%87%d8%b0%d8%a7-%d9%85%d9%88%d8%b6%d9%88%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%b7%d8%a8%d8%a9-%d8%a7%d9%84-50/



