الرد اللاذع على من غيب الشرع والقانون والواقع (في المطالبة بالمساواة في الإرث)

21 نوفمبر 2015 14:42
الرد اللاذع على من غيب الشرع والقانون والواقع (بيان للرأي العام المغربي)

ذ. أحميدة مرغيش

هوية بريس – السبت 21 نونبر 2015

أصدر المجلس الوطني لحقوق الإنسان تقريرا، خصه لتقييم “وضعية المساواة وحقوق الإنسان بالمغرب صون وإعمال غايات وأهداف الدستور”، أدلى من خلاله بموقف يتعلق بإعادة النظر في قواعد الإرث الشرعية، في سياق دعوته إلى المساواة بين الجنسين، وإلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة.

وإذ تعبر هذه المؤسسة الوطنية عن دفاعها عن العديد من القضايا التي تهم النهوض بالمرأة المغربية، لتحقيق العدالة والمساواة، وخاصة تلك المتعلقة بالسياسات العمومية، التي لها أثارها المباشرة على حقوق النساء، باعتبارها الحلقة الأكثر عرضة لانتهاك.

إلا أن دعوة هذا المجلس لإعادة النظر في موضوع الإرث، يحمل من الالتباس والجهل والتعنت ما يستوجب الرد بقوة ومسؤولية، فوجب التذكير بما يلي:

* إن قواعد الإرث ترتبط بهوية مجتمع وديانة مواطنيها، وبالنسبة لنا، فإن لها دلالاتها التي تستلزم الغوص في تفاصيلها، فقهيا واجتماعيا وقانونيا، وبيان أحوال الورثة ومن يرث لأكثر ومن لا يرث أصلا وكيف يرث وهل المرأة حقيقة مهضومة في حقها. أم أن ذلك يحتاج إلى تدقيق. بدل التطاول عليها بدعوى تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة.

* إن الدستور المغربي الذي دعا إلى تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة، لم يستهدف بهذا المسعى الهام، تغيير مقتضى قطعي بمنطوق الشريعة الإسلامية، باعتبارها أحد المراجع الأساسية في صياغة الدستور المغربي.

* إن نظام الإرث، مرتبط بالمنظومة الأسرية والاجتماعية العامة لدى أمة المسلمين، على غرار باقي الأمم، التي لها شرائعها وهويتها الدينية الخاصة، والتي تستمد منها قواعد نظام الإرث لديها.

* إن مسؤولية الرجل دون المرأة في تحمل مسؤولية أعباء الإنفاق إجبارا لا اختيارا، جزء لا يتجزأ من هذه الاعتبارات الدلالية، التي ترجح التزامات الرجل، مقارنة بتلك التي على عاتق المرأة.

* إن تقسيم الإرث حسب الشريعة الإسلامية، لا تسعى لغاية تشجيع الناس على جمع الأموال وصناعة الثروة الطائلة، وتركها بين أيدي أبناءهم بعد وفاتهم، بل تراعي المهمة الأسمى، الملقاة على عاتق الآباء، والمتمثلة في تربية أبناءهم تربية حسنة نظيفة بناءة، تعينهم على اكتساب الكفاءات والمهارات، التي تسعفهم لبناء مستقبلهم بحرية وديمقراطية، وقد كان نظام الإرث على الأسس الشريعة الإسلامية أفضل مما ذهبت إليه الكثير من الأمم في نظام الإرث على مر التاريخ، عدلا واعتبارا وتقديرا وغاية.

* إن نظام الإرث في الشريعة الإسلامية في شمولية أحكامه لا يعطي للرجل أكثر من المرأة. بل للمرأة أوضاع كثيرة تستحق فيها أكثر من الرجل. وما التفاضل “للذكر مثل حظ الأنثيين” إلا صور أربعة فقط من مجموع صور اجتماع الذكور بالإناث” وفي ذلك مقاصد شرعية وواقعية. وللتذكير فإن المقرر في أحكام الميراث أن المرأة ترث في كثير من الحالات مثل الرجل. وترث في أحايين أخرى أكثر من الرجل. بل في كثير من الحالات ترث هي ولا يرث الرجل.

  • إن الشك الذي أصبح يخالج بعض الناس، بخصوص موضوع الإرث، راجع بالأساس إلى حالة الريع والنهب والفساد والتوكل، التي عمت الأرجاء، وجعلت الصراع يحتدم على تركة الهالكين من ذوي القربى، بدل العمل بالكد والجهد الذاتيين لكسب المال والإقبال على الحياة بجد وعزيمة.
  • إن دعوات المجلس الوطني لحقوق الإنسان لإعادة النظر في قواعد الإرث، المستمدة من الشريعة الإسلامية، مبعث الشك والريبة، والجهل والتعنت والفتنة من حيث أهدافها ومراميها، التي باتت تستهدف بوضوح الكيان الهوياتي للمجتمع المغربي، مما يطرح أكثر من سؤال حول الغاية من تسليم هذه المؤسسة بيد فئة، ذات ميول إيديولوجي مكشوف، تحارب أسس المجتمع القيمية، بطريقة فجة، تكاد تكون منهجية، فضلا عن الانتقائية وإقصاء مخالفيهم إيديولوجيا.

وبناء عليه، فإنني كخبير ومدرس لمادة علم الفرائض أعلن للرأي العام ما يلي:

– إن الدعوة إلى المساواة في الإرث دعوة باطلة، تنم عن جهل مطبق بأسس قاعدته الشرعية ودلالاتها، وكان لزاما على معدي التقرير دعوة المختصين من مختلف المشارب العلمية والفقهية والأنثروبولوجية والقانونية، للبث بالرأي والتحليل في النازلة قبل إصدار التقرير، الذي تنم بعض مضامينه عن قصر النظر وغياب الرؤية، وارتجالية في إبداء الرأي بل وينم عن الجهل التام لقواعد علم المواريث وتقسيم التركة في الإسلام..

– إن مبادئ الدفاع عن حقوق الإنسان لا تعني بالضرورة النيل من الأسس الجوهرية التي تنبني عليها قيم وهوية المجتمعات البشرية المختلفة.

– إن الوقت قد حان لإعادة النظر في تركيبة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بما يؤهله ليعكس التعدد والتنوع الفكري والإيديولوجي المغربي، بعيدا عن الإقصاء والانتقائية والارتجالية، حتى لا يصير حكرا على تيار إيديولوجي معين، وحتى لا يسيء للشعب المغربي ويتسبب في تحويل انشغالاته، التي تهم بالأساس العمل من أجل تحقيق المساواة في المواطنة، وفي توزيع الثروة الوطنية، وفي الحرية السياسية وفي إعمال قواعد العدل والإنصاف والشفافية في تدبير الشأن العام.

ــــــــــــــــــــــــــ

* باحث في علم الفرائض.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M