السِّيلْفي والترويح الصيفي

10 يوليو 2026 21:19

السِّيلْفي والترويح الصيفي

هوية بريس –  إسماعيل المرغادي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه.

كثرت في عصرنا هذا، عصرِ الكاميرا والصورة، العنايةُ بـ(السِّيلْفي) والتقاط الصور، لا سيما في العطل عند التنزه وفي الأسفار.

ولا أحسبك أيها القارئ الكريم إلا أنك قرأت “السلفي” في العنوان بفتح السين واللام، وإنما هي بكسر السين وفتح اللام. فهل تعرفُ السِّلَفِي؟ لا شك أن من يعرفُه قليل. فإليكم قصة عنه لعلنا ننتفع بـها.

جاء في كتاب “سير أعلام النبلاء” في ترجمة الإمام العلَم أبي طاهر السِّلَفي، المتوفى سنة 576 ه عن عمر يفوق مائة عام، رحمه الله: قال أبو علي الأوقي: سمعت أبا طاهر السِّلَفي يقول: “لي ستون سنة بالإسكندرية ما رأيت منارتها إلا من هذه الطاقة، وأشار إلى غرفة يجلس فيها.”

منارة الإسكندرية من عجائب الدنيا التي يقصدها الناس من سائر أقطار العالَم لمشاهدتها واستكشاف أسرارها. والطاقة هي النافذة الصغيرة. يعني أن السِّلفي لم يذهب إلى هذه المنارة العجيبة ليتأمل إتقانها ويستمتع بجمالها، وإنما رآها من الطاقة. ومعلوم أن الشيء إذا رأيته كان أعظم جذبا لك مما لو سمعت عنه بلا رؤية. وسكَنُه في الإسكندرية لم يكن شهرا أو سنة أو سنتين بل ستين سنة. أي أنه عاش في الإسكندرية ستين سنة وكان مسكنه بها قريبا من منارة الإسكندرية ومع ذلك لم يذهب إليها ولم يدخلها ولو لحظة خلال مقامه هذا الطويل بالإسكندرية.

يا ترى ما الشيء الذي شغله عن زيارة هذا الصرح الذي يعظمه كثير من الناس؟

لقد كان يرى أن ذهابه إلى هذه المنارة، فضلا عن غيرها من الأماكن التي هي دونها، مضيعة للوقت ومشغلة عما هو أهم عنده، وهو كتابة الحديث وتصنيف الكتب ومدارسة العلم. ولأن فرحه بالعلم ومجالِسِه وقراءة كتبه أعظم من فرحِ من يفرح برؤية منارة الإسكندرية وزيارتها.

والله إن هذا لمن العجب، ويدل على عظمة القوم وعلو همتهم وبُخْلِهم بأوقاتهم أن تذهب سدى. وهذا إنما هو غيض من فيض مناقب هذا الإمام وحياته الحافلة بالعطاء. ومن شاء الاستزادة فليرجع إلى كتاب الذهبي.

لقد ذهبت منارة الإسكندرية العجيبة وأزالها الزالزل ولم يبق منها إلا اسمها، لكنَّ أبا طاهر السلفي لا يزال مخلدا كأنه حي بيننا، تجري بذكره الألسنة وتترحم عليه في الكتب والأسانيد والإجازات التي يأخذها أهل العلم بعضهم من بعض منذ ما يناهز ألف سنة. ولا يزال علمه وفوائده تتنقل بين الناس ينهلون منها وينتفعون بها.

قرأت قصة السلفي رحمه الله فتفكرت في حالنا اليوم، لقد أصبح الذهاب إلى المنتزهات والغابات والشواطئ والمسابح مع ما فيها من المنكرات والمفاسد الدينية والدنيوية وضياع الأوقات، أمرا ضروريا وواجبا لا يمكن التخلف عنه عند كثير من المسلمين، ويقضون في ذلك الأيام الطوال وربما الشهور مهملين لما ينفعهم. ومنهم من يتكلف لذلك بالاستدانة أو صرف ما لا يطيقه من الأموال.

ولعل قائلا يقول: ما هذا التَّزَمُّت والتشدد يا أخي؟ لِمَ تحرم ما أباحه الله لعباده؟

فنقول: أما ما يؤدي إلى تضييع الواجبات وارتكاب المحرمات فهذا ليس مباحا بل هو حرام كما هو معلوم، وهو حال كثير من الناس في عصرنا في تنزههم وترفيههم ولا يخفى حال كثير من الشواطئ والمهرجانات والمنتزهات. وقد جاء الخبر الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن العبد لا تزول قدماه يوم القيامة حتى يسأل عن أربع منها عمره فيما أفناه.

ثم إن العاقل يحرص على ما ينفعه ولو لم يكن واجبا ويترك ما يضره ولو لم يكن محرما.

وليس القصد أن تترك الترويح عن النفس كلية ولا نطلب منك أن تكون مثل السلفي، بل أن تتشبه به حسب قدرتك وظروفك، خاصة وأن أمتنا اليوم أحوج ما تكون إلى كل ثانية ودقيقة يضيعها أبناؤها. وإن لم يكن من أجل أمتك فليكن من أجل نفسك وسعادتها.

وكما تشتغل بالمباحات اشتغل بطلب علم نافع وقراءة القرآن وحفظه، ومشاركةٍ في أعمال الخير والإحسان، وعيادة لمريض، وزيارة لإخوانك، وتعليم لأبنائك، ومساعدة لمحتاج، وقراءة لسير سلفنا الصالح، وإصلاح لذات البين، وخدمة للوالدين والزوج، وتعلم حرفة أو تعليمها، إلى غير ذلك من الأعمال النافعة.

والمقصود أن كثيرا من الأشياء التي يراها الناس اليوم ضرورية ويتوهمون أنهم لا يستطيعون الاستغناء عنها هي في الحقيقة غير ضرورية ولا حتى نافعة وإنما هي مشغلة عما هو خير منها، وضياع للوقت الذي هو أغلى ما يملكه الإنسان، كما قال الوزير ابن هبيرة (ت 560 ه) رحمه الله:

والوقتُ أنفس ما عُنيتَ بحفظه … وأراه أسهل ما عليك يضيع.

وقبل أن أختم هذه الكلمات فقد زرت قبل قليل موقعا لوزارة التعليم لإحدى الدول الغربية فوجدتهم وضعوا برنامجا للشباب في العطلة الصيفية، فلم أجده برنامجا للتخييم، ولا للنزهات والشواطئ، ولا للمهرجانات والسهرات، ولا للألعاب الإلكترونية. بل برنامجا للقراءة واستغلال الصيف في قراءة الكتب!

ألسنا نحن (أمة اقرأ) أولى بذلك منهم؟!

فقلِّلوا من السِّيلْفي واقتدوا بالسِّلَفي واستفيدوا من الترويح الصيفي فيما ينفع، وتجنبوا ما يضر وعن الوصول إلى الجنة يقطع.

أسأل الله تعالى أن يهدينا صراطَه المستقيم.

والحمد لله رب العالمين.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
21°
23°
السبت
24°
أحد
24°
الإثنين
25°
الثلاثاء

كاريكاتير

حديث الصورة