“حرب الشواطئ” بين الدولة و”الإسلاميين”!

13 يوليو 2026 21:34

“حرب الشواطئ” بين الدولة و”الإسلاميين”

هوية بريس – عابد عبد المنعم

في مطلع الألفية الثالثة، عاش المغرب واحدة من أكثر المحطات إثارة في علاقة الدولة بالحركة الإسلامية، وهي المحطة التي عرفت إعلاميا وسياسيا بـ”حرب الشواطئ”. لم يكن الأمر مجرد خلاف حول الاصطياف أو تنظيم المخيمات الصيفية، بل تحول إلى معركة حقيقية، كشفت طبيعة التوتر بين السلطة وجماعة العدل والإحسان، وأعادت إلى الواجهة أسئلة الدين والسياسة والحريات العامة، وشغلت الرأي العام والصحافة والفاعلين السياسيين والدينيين آنذاك.

بدأت القصة سنة 2000 عندما قررت السلطات منع الجماعات الإسلامية من تنظيم مخيماتها الصيفية الخاصة، كما جرى العمل عليه سنوات طويلة، وهو القرار الذي اعتبرته جماعة العدل والإحسان استهدافا سياسيا لها. وردا على ذلك أعلنت الجماعة النزول الجماعي إلى الشواطئ العمومية في إطار ما سمته “الدعوة بالحال”، عبر اصطفافات منظمة وأنشطة تربوية ودعوية، مع إصدار (تذكرة المصطاف) التي تضمنت ضوابط أخلاقية وسلوكية لأعضائها أثناء الاصطياف، من بينها المحافظة على النظافة، واحترام المصطافين، وتجنب الاحتكاك مع السلطات، والدعوة بالحكمة والقدوة الحسنة.

غير أن هذا النزول لم يقرأ من طرف الدولة باعتباره مجرد نشاط دعوي، بل اعتبرته فعلا سياسيا يهدف إلى استعراض القوة وإظهار قدرة الجماعة على التعبئة والتنظيم في الفضاء العام، وهو ما دفع وزير الداخلية آنذاك إلى إصدار تصريحات أثارت جدلا واسعا، من أشهرها قوله “من أراد التعبد فليذهب إلى المسجد أو إلى بيته”، في إشارة إلى رفض توظيف الفضاءات العمومية لأغراض دينية، كما أكد ذلك د.محمد ضريف في كتابه “الدين والسياسة في المغرب”.

وفي المقابل، برز خطاب شرعي مضاد داخل الجماعة، استند إلى الحديث النبوي “وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا”، للدفاع عن مشروعية الصلاة في الشواطئ إذا حضرت أوقاتها، مع التأكيد أن المقصود لم يكن تحويل الشاطئ إلى مسجد، وإنما أداء الفريضة حيثما أدركت المسلم الصلاة.

وهكذا تشكلت معادلة مزدوجة؛ فالدولة كانت تنظر إلى النزول إلى الشواطئ باعتباره فعلا سياسيا، بينما كانت الجماعة تقدم الصلاة في الشواطئ باعتبارها فعلا دينيا، وهو ما جعل الخلاف يتجاوز الجانب الأمني ليصبح نقاشا حول حدود حضور الدين في المجال العام.

إعلاميا، استأثرت القضية باهتمام واسع. فقد تحولت الشواطئ المغربية قبل أكثر من ربع قرن (سنة 2000) إلى مادة يومية في الصحف الوطنية، بين من اعتبر ما تقوم به الجماعة محاولة لفرض وصاية أخلاقية على المجتمع، وبين من رأى أن الدولة تضيّق على حرية التنظيم والتعبير والعمل الدعوي. كما دخلت القضية إلى البرلمان، وأصبحت موضوع تصريحات رسمية وردود سياسية وفتاوى شرعية، في واحدة من أبرز المعارك الإعلامية في تلك المرحلة.

أما على المستوى الديني والفقهي، فقد انقسمت المواقف بين علماء ووعاظ اعتبروا أن الدعوة إلى الله لا ترتبط بمكان معين، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مشروع بضوابطه الشرعية، وبين آخرين استكروا النزول إلى شواطئ طافحة بالمنكرات، وشددوا على أن الدعوة هي إقناع هؤلاء بالنزول إلى البحر بلباس محتشم يراعي الخصوصية والمرجعية الدينية للمغرب.

ومن المهم، عند استحضار تلك المرحلة، التأكيد على أن قضية حرب الشواطئ لم تكن مرتبطة بجماعة العدل والإحسان وحدها، رغم أنها كانت الطرف الأكثر حضورا في السجال السياسي والإعلامي. فقد كانت حركة التوحيد والإصلاح بدورها تنظم مخيمات صيفية وأنشطة تربوية وتأطيرية، كما كانت عدد من الهيئات والجمعيات ذات المرجعية الإسلامية، بما فيها بعض الدعوات السلفية، تنظم مخيمات دعوية وتربوية في الجبال والشواطئ ومختلف الفضاءات الطبيعية بالمغرب. غير أن قرار السلطات آنذاك شمل هذه الأنشطة عموما، في سياق اتسم بتشديد الرقابة على الفضاءات العمومية والأنشطة الجماعية ذات الطابع الديني، وهو ما جعل ملف المخيمات والاصطياف يتحول إلى إحدى أبرز واجهات النقاش حول حدود العمل الدعوي والمدني، والعلاقة بين الدولة ومختلف مكونات الحقل الإسلامي خلال تلك المرحلة.

سياسيا، جاءت حرب الشواطئ في سياق حساس كانت فيه علاقة الدولة بالحركات الإسلامية تعيش مرحلة مد وجزر، قبل سنوات قليلة من أحداث 16 ماي 2003، التي ستغير بشكل كبير مقاربة الدولة تجاه الحركات الإسلامية عموما، وتدشن مرحلة جديدة من التشريعات والإجراءات الأمنية.

واليوم، وبعد مرور أكثر من ربع قرن على تلك الأحداث، تبدو حرب الشواطئ صفحة مهمة لفهم تاريخ المغرب السياسي المعاصر، لأنها لم تكن مجرد خلاف حول الاصطياف، بل كانت مرآة لصراع أوسع حول هوية المجال العام، وحدود التدين في الفضاء المشترك، والعلاقة بين الشرعية الدينية والسلطة السياسية.

وتبقى هذه المحطة التاريخية من أبرز النماذج التي تكشف كيف يمكن لحدث يبدو عابرا في ظاهره أن يتحول إلى قضية وطنية تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والدينية والإعلامية والحقوقية، وتظل إلى اليوم محل دراسة لدى الباحثين في تاريخ الحركات الإسلامية بالمغرب.

وبعد مرور أكثر من ربع قرن على تلك الأحداث، ما يزال النقاش مطروحا بالحدة نفسها، لأن الأمر لا يتعلق بالإسلاميين وحدهم، بل بشريحة واسعة من المغاربة ذوي التوجه المحافظ الذين يبحثون، خلال كل عطلة صيف، عن فضاءات وشواطئ مناسبة لأسرهم، بعيدا عن المظاهر التي لا تنسجم مع قناعات وقيم الدين الإسلامي.

ورغم استمرار بعض المنابر والجهات ذات التوجه العلماني في حملات الشيطنة وتصوير هذا المطلب وكأنه مشروع أيديولوجي أو محاولة لفرض الوصاية على المجتمع، فإن الواقع يكشف عن حاجة اجتماعية حقيقية تعيشها آلاف الأسر المغربية. فكثير منها يضطر إلى التوجه إلى الشواطئ في ساعات الصباح الأولى قبل اشتداد الاكتظاظ، أو إلى البحث عن شواطئ بعيدة قد لا تتوفر فيها شروط السلامة والإنقاذ والخدمات الأساسية، فقط حفاظا على أجواء أسرية أكثر راحة وطمأنينة.

ومن هنا، يبرز دور الدولة في الإنصات لهذا المطلب المجتمعي المتكرر، والعمل على توفير فضاءات وشواطئ آمنة ومهيأة تستجيب لتنوع اختيارات المغاربة وقناعاتهم، بما يضمن حق الجميع في الاستجمام والاستفادة من الفضاءات العمومية في إطار من الحياء والاحترام الواجب والمطلوب.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
22°
25°
الثلاثاء
25°
الأربعاء
26°
الخميس
26°
الجمعة

كاريكاتير

حديث الصورة