كيف تم تحويل المكون العبري المغربي من الولاء للمغرب والسلطان إلى الولاء للصهيونية وإسرائيل؟

كيف تم تحويل المكون العبري المغربي من الولاء للمغرب والسلطان إلى الولاء للصهيونية وإسرائيل؟
هوية بريس – إبراهيم الطالب
في ظل حملات التطبيع المتتالية، وفي سياق “فرض” الاتفاقات الإبراهيمية التي تعتبر الإطار السياسي والثقافي والإيديولوجي الذي تعتمد عليه دولة الكيان في بناء مكانتها في النظام الدولي الجديد الذي يتشكل يوما بعد يوم، وما يتطلب ذلك من إعادة تركيب للمكون البشري والجغرافي لمنطقة ما تسميه الدراسات الصهيوغربية بالشرق الأوسط الكبير، وفي سياق الإبادة الجماعية التي تنتهجها دولة الكيان، واعتبارا للضغوطات التي يمارسها الصهاينة ليحصلوا على التطبيع الكامل للدولة المغربية والشعب المغربي، في ظل هذا كله يبدو أن المكون العبري المغربي يحتل مكانة مهمة لدى الساسة الصهاينة، نظرا لقوة ومكانة اليهود المغاربة في دولة الكيان.
هذه القوة وهذه المكانة تجعلنا نتساءل عن الدور الذي يراد للمكون العبري أن يلعبه على مسرح الأحداث في مغرب ما بعد 2030، كما يجعلنا نتساءل:
من له المصلحة في تجنيس أحفاد اليهود المغاربة الذين تم تهجيرهم من طرف الوكالة اليهودية لبناء مجتمع صهيوني على أرض فلسطين المحتلة؟
وما علاقة الاعتراف بالمكون العبري رافدا من روافد الشعب المغربي في دستور 2011 بهذا “التجنيس” الاستراتيجي؟
وهل يمكن قراءة الاعتراف الدستوري بالرافد العبري باعتباره جزء من إعادة تعريف الهوية الوطنية المغربية داخل عالم الشبكات والشتات والعولمة لكن بخطة صهيونية ماكرة؟
والسؤال الأخطر: هل لهذا المكون ولاء واحد للبلد الأصل أم ولاءات متعددة؟
وإذا كان له ولاءات متعددة -والواقع يشهد بذلك- فكيف يمكن ضبط حركته الاقتصادية والسياسية والاستخباراتية حتى لا نعيش ما يخططه لنا مَن يريد أن يجعل من شمال إفريقيا والخليج والعراق وجزء من تركيا جغرافيا لإسرائيل الكبرى وفقا للنبوءات التي تحكم أداء حكومة نتنياهو اليوم؟
لن نجيب عن هذه الأسئلة يقينا فحيز المقالة لا يتسع لذلك، لكن سنحاول أن نرجع إلى التاريخ المرتبط بالزمن الراهن، حتى نفهم كيف تم خروج هذا المكون من عقد الذمة الذي كان يضبط العلاقة بينه وبين سلاطين المغرب، وبينه وبين المسلمين المغاربة، وكيف دخل في شبكات تديرها منظمات دولية يهودية عملت على تطويره وإدخاله لزمن الحداثة، وإعداده ليتبوأ مكانته في مغرب كان يعاني من تسلط الأجناس الأوروبية وتفكك نسيجه الاجتماعي ثم احتلال فرنسي قام فيه هذا المكون العبري بأدوار ساهمت في الهيمنة الإمبريالية على مفاصل الدولة؟
ولتحقيق ذلك سنسلط الضوء على مؤسستين من أكبر المؤسسات أثرا في تشكل المكون العبري المغربي الحديث وتطوره، وهما الاتحاد العالمي الإسرائيلي والوكالة اليهودية.
لقد أدى ضعف الدولة المغربية خلال القرن التاسع عشر، وتصاعد الضغوط الأوروبية بعد حرب تطوان (1859–1860)، إلى ظهور فاعلين جدد تجاوزوا الإطار التقليدي للعلاقة بين السلطان ورعاياه؛ وتمثل أبرزهم في تلك المؤسسات اليهودية الدولية التي لعبت أدوارا متزايدة في حياة اليهود المغاربة، وفي مقدمتها الاتحاد العالمي الإسرائيلي والوكالة اليهودية.
ورغم اختلاف السياقات التاريخية التي نشأت فيها كل مؤسسة منهما، فإن دراسة تجربتهما تكشف وجود نوع من التكامل الوظيفي في إعادة تشكيل علاقة جزء من اليهود المغاربة بالعالم الخارجي من جهة، وبالدولة المغربية والسلطان والمسلمين من جهة أخرى.
فقبل ظهور هذه المؤسسات كان اليهود المغاربة جزءا من البنية الاجتماعية والسياسية للدولة السلطانية، يخضعون لحمايتها ويشاركون في التجارة والوساطة المالية والدبلوماسية؛ غير أن التوسع الأوروبي في المغرب، وظهور الحمايات القنصلية، أديا إلى إدخال الجماعات اليهودية في شبكات جديدة تتجاوز الحدود التقليدية للدولة؛ وفي هذا السياق تأسس الاتحاد العالمي الإسرائيلي (Alliance Israélite Universelle) بباريس سنة 1860، واضعا نصب عينيه الدفاع عن اليهود وتعليمهم وإدماجهم في قيم الحداثة الأوروبية.
ويمكن تلخيص أهم الأدوار التي قام بها هذا الاتحاد في خمسة مجالات رئيسية:
1– التعليم وإعادة تشكيل النخب اليهودية
يعد التعليم أهم أدوار الاتحاد على الإطلاق، فمباشرة بعد تأسيسه في باريس 1860، قام بافتتاح أول مدرسة في تطوان سنة 1862، ثم ما لبث أن أنشأ شبكة واسعة من المدارس في كل من المدن التالية: طنجة والصويرة وفاس والرباط والدار البيضاء ومراكش.
وقد أدت هذه المدارس دورها بامتياز حيث عملت على نشر اللغة الفرنسية، وتعليم العلوم الحديثة لأبناء المكون العبري، وتكوين موظفين ومترجمين وتجار جدد، كما حرص الاتحاد على إدماج اليهود المغاربة في الفضاء الثقافي الأوروبي.
ولهذا يرى عدد من الباحثين أن الاتحاد ساهم في خلق نخبة يهودية فرنكوفونية جديدة، تختلف عن النخبة التقليدية التي كانت تعتمد أساسا على التعليم الديني، وذلك استشرافا للواقع المرير الذي كان واضحا أن المغرب سيعيشه، والمتمثل في الاحتلال الفرنسي.
2- تدويل المسألة اليهودية المغربية
فقبل تأسيس الاتحاد كانت مشاكل اليهود المغاربة تعالج غالبا داخل إطار الدولة المغربية.
أما بعد تأسيسه فقد أصبحت شكاوى اليهود وما أكثرها، وكذا النزاعات المحلية والاعتداءات وقضايا التمييز، تصل إلى باريس ولندن ومدريد، وتتحول إلى موضوع للمراسلات الدبلوماسية والصحافة الأوروبية، ومن هنا ظهر لأول مرة ما يمكن تسميته: تدويل القضية اليهودية المغربية.
3– الضغط الدبلوماسي على المخزن
حيث لعب الاتحاد دورا مهما في دفع الحكومات الأوروبية إلى التدخل لدى السلطان من أجل حماية اليهود وتحسين أوضاعهم القانونية والحد من بعض الممارسات التمييزية، وتظهر آثار ذلك بوضوح في مؤتمر مدريد 1880 والمراسلات البريطانية والفرنسية، والوثائق المخزنية في عهد الحسن الأول.
4- بناء شبكة تضامن يهودية عالمية
كان شعار الاتحاد: “الجميع من أجل الواحد والواحد من أجل الجميع”، ولأول مرة أصبح اليهود المغاربة جزءا من شبكة عالمية تشمل: فرنسا وبريطانيا والدولة العثمانية، وشمال إفريقيا والمشرق ولاحقا أمريكا؛ وهذا ما منح الاتحاد قدرة كبيرة على جمع الأموال، وتنظيم الحملات والتأثير في الرأي العام.
5- إنتاج نخب وسيطة
من أهم النتائج غير المباشرة للاتحاد أنه ساهم في تكوين فئة من المترجمين والتجار، والوسطاء، والموظفين القادرين على التحرك بين المجتمع المغربي والإدارة الاستعمارية والمؤسسات الأوروبية، خصوصا الشركات التجارية، وهذه الفئة ستلعب أدوارا مهمة خلال فترة الحماية الفرنسية.
لقد كان واضحا أن المؤسسات اليهودية الدولية كانت تعمل على التمهيد غير المباشر لتحولات القرن العشرين، الذي عرف المغرب فيه احتلال وجدة وغزو الدار البيضاء والشاوية 1907، والاحتلالين الفرنسي والإسباني 1912، ثم إرساء الدولة الحديثة من طرف ليوطي وجيوشه من المعمرين الفرنسيين والتجار الأوروبيين وشركاتهم والمراقبين المدنيين والعسكريين، فالهدف الأصلي للاتحاد لم يكن صهيونيا، إذ الصهيونية رسميا لم تكن قد نشأت بعد، لكن هذه الأخيرة استفادت من إنجازات الاتحاد ومؤسساته وشبكات علاقاته الدولية والمحلية.
ومن أهم مؤسسات الحركة الصهيونية التي استفادت من إنجازات الاتحاد نجد الوكالة اليهودية التي ورثت البنية الاجتماعية والثقافية التي ساهم الاتحاد في بنائها خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
ولم يعد من قبيل السرّ ذلك الدور الذي لعبته الحركة الصهيونية في إسقاط الخلافة العثمانية، وهذا كان موضوع عشرات الدراسات إن لم نقل المئات، وفي حين تحتاج المكتبة المغربية إلى بحوث تهتم بالدور الصهيوني في إعادة تشكيل الحياة العامة والدولة الحديثة والثقافة المغربية والشأن الديني في المغرب وإسقاط نظام السلطنة لصالح نظام الدولة الحديث الذي أدخل المغرب إلى زمن الإمبريالية، بدل هذا التلميع الفج الذي يمارسه من يداهن ويصفق للمكون العبري من الباحثين.
تأسست الوكالة اليهودية في سنة 1929، وكان اسمها في البداية الوكالة اليهودية لفلسطين (Jewish Agency for Palestine) استنادا إلى المادة الرابعة من صك الانتداب البريطاني على فلسطين، ثم بعد تأسيس دولة الكيان صار اسمها: الوكالة اليهودية لإسرائيل (Jewish Agency for Israel).
وقد اختلفت هذه الأخيرة عن الاتحاد في أهدافها ووظائفها؛ إذ لم يكن همها الأساسي تعليم اليهود أو الدفاع عن حقوقهم، بل كان همها ربطهم بالمشروع القومي الصهيوني في فلسطين ثم بدولة إسرائيل بعد قرار التقسيم الأممي الذي صدر عن الأمم المتحدة في 29 نونبر 1947 القاضي بتقسيم فلسطين إلى:
– دولة عربية
– دولة يهودية
– منطقة دولية للقدس
وقد كان للوكالة الدور الأبرز في تحقيق ذلك من خلال ما قامت به؛ ويمكن حصر أدوارها بالمغرب في أربعة مجالات رئيسية:
1- تنظيم وتأطير الهجرة إلى إسرائيل
كان هذا النشاط هو الأهم، فبعد قيام دولة إسرائيل سنة 1948 أصبح المغرب أحد أكبر الخزانات الديموغرافية اليهودية في العالم الإسلامي؛ ولذلك ركزت الوكالة اليهودية على إحصاء الجماعات اليهودية المغربية، وإنشاء شبكات اتصال محلية، وتشجيع الهجرة إلى إسرائيل طوعا أو كرها، وتنظيم عمليات السفر والنقل (انظر فضيحة البصري وبيع الجوازات لليهود)، واستقبال المهاجرين بعد وصولهم.
وقد تعاظم هذا النشاط خاصة بين 1948 و1967، سواء بصورة قانونية أو عبر شبكات غير رسمية في بعض الفترات.
2- بناء الهوية الصهيونية داخل الأوساط اليهودية
حيث قامت الوكالة اليهودية بنشر الثقافة العبرية، وتعليم اللغة العبرية والتعريف بالمشروع الصهيوني، وربط اليهود المغاربة بفلسطين ثم بإسرائيل؛ وبذلك انتقل مركز الجاذبية الرمزي عند جزء من اليهود من باريس والمدرسة الفرنكوفونية إلى إسرائيل والهوية القومية اليهودية.
3- إنشاء شبكات محلية للوساطة
وقد اعتمدت الوكالة في إنجاز ذلك على المعلمين والنخب اليهودية، وكذا الجمعيات والشخصيات الاقتصادية؛ وقد نشطت هؤلاء شبكة وسطاء داخل المدن المغربية الكبرى، منها الدار البيضاء والرباط وفاس ومكناس ومراكش والصويرة. (وهي المدن التي نشطت فيها مدارس الاتحاد).
4– التفاوض غير المباشر حول مستقبل اليهود المغاربة
فمع اقتراب الاستقلال وبعده أصبحت الوكالة اليهودية تتابع وضع اليهود القانوني ومستقبل المؤسسات اليهودية والهجرة والعلاقة مع الدولة المغربية الجديدة، بل صارت هي الممثل الحقيقي لهم وليس السلطان أو الملك.
ولهذا حضرت الوكالة كممثلة عن اليهود المغاربة في المناقشات الدولية المرتبطة بمستقبل يهود المغرب خلال مرحلة الانتقال إلى الاستقلال (إكس ليبان وغيرها)، بخلاف الاتحاد العالمي الإسرائيلي الذي كان يركز أساسا على التعليم والحماية والحقوق.
ومن هنا يظهر تكامل الأدوار بين المؤسستين:
– الاتحاد العالمي الإسرائيلي: تكوين النخبة، التعليم، الفرنكوفونية، الحماية الدولية.
– الوكالة اليهودية: التعبئة الصهيونية، العبرنة، الهجرة، الارتباط بإسرائيل.
ومن خلال ما سبق يتبين أن عمل المؤسستين يمكن الباحث من تتبع مسار تحول يهود المغرب من الاندماج في الفضاء السلطاني إلى الاندماج في الفضاء الصهيوني العالمي بين 1860 و1967.
والسؤال الطويل العريض هو: هل استقل المكون العبري المغربي الذي نشأ في الكيان الغاصب وفق منهج الوكالة اليهودية عن التوظيف الصهيوني لصالح أرباب الشركات متعددة الجنسية، والتي تحكم العالم؟
أم أننا ينبغي أن ندسَّ رؤوسنا في التراب حتى نستيقظ على وضع شبيه بالوضع في فلسطين المحتلة؟
وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.



