لفظ “كل” وأثره في فهم النصوص: تأملات لغوية وأصولية

لفظ “كل” وأثره في فهم النصوص: تأملات لغوية وأصولية
هوية بريس – د. صلاح الدين المراكشي / إمام وخطيب مؤطر ديني بفرنسا
تُعد لفظ : “كل” من أشهر صيغ العموم في اللغة العربية، وقد حظيت بعناية كبيرة عند الأصوليين والنحويين؛ لما يترتب على فهم دلالتها من آثار مهمة في التفسير واستنباط الأحكام. غير أن من الأخطاء الشائعة إطلاق القول بأنها تفيد العموم المطلق في جميع السياقات دون نظر إلى القرائن والمخصصات التي يعتد بها أهل العلم في هذا الباب. والأدق في الاصطلاح الأصولي في نظري أن يقال: إن “كل” من صيغ العموم، لا أنها من “ألفاظ العموم” بإطلاق؛ لأن دلالتها على الشمول ليست مطلقة في جميع الأحوال، فقد تبقى على أصلها، وقد يَرِدُ عليها التخصيص بالحس أو العقل أو الشرع أو السياق.
فالأصل في “كل” أنها تفيد الاستغراق والشمول، كما في قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ) آل عمران : 185 و الأنبياء : 35 و العنكبوت : 57 وقوله تعالى: ( وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) مريم : 95. وفي الحديث: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون» [ الترمذي 2499، وأحمد 13049 باختلاف يسير، وغيرهما ]. وقد جاء العموم في هذه النصوص على ظاهره دون وجود ما يصرفه. غير أن العموم بلفظ : ” كل ” قد يَرِدُ عليه التخصيص، وهو باب مشهور عند الأصوليين، ومن أمثلته قوله تعالى: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا) الأحقاف: 25.
فقد ذهب كثير من الأصوليين إلى أن الحس يمنع حمل “كل” هنا على العموم المطلق؛ إذ لم تُدمر السماوات ولا الأرض ولا غيرها من الموجودات التي لم تقع عليها حقيقة التدمير. في المقابل، يرى آخرون، أن التخصيص في الآية لم يُستفد من الحس، وإنما يُفهم من السياق نفسه، في قوله تعالى: (بِأَمْرِ رَبِّهَا )أي: أنها دمرت ما أُمرت بتدميره، لا كل شيء على الإطلاق. وكذلك قوله تعالى: ( وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) النمل الاية : 23. وقوله: (تُجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ)، القصص الاية : 57. فإن الحس والواقع يدلان على أن المراد ليس الاستغراق الحقيقي، وإنما ما جرت العادة بحصوله أو جلبه، فيكون ذلك من التخصيص بالواقع.كما أن العقل يمنع دخول بعض الأفراد في العموم، كما في قوله تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) الزمر الاية : 62. إذ يمتنع عقلًا دخول الخالق في عموم المخلوقات.
كما تختلف دلالة “كل” أيضًا باختلاف دخولها على النكرات أو المعارف، وبحسب السياق الذي ترد فيه، مما يجعل فهمها متوقفًا على القرائن المصاحبة. ومن التطبيقات التي وقع فيها اختلاف في دلالة العموم، مع أن دخول “كل” وقع على النكرة قول النبي محمد صلى الله عليه وسلم: «كل بدعة ضلالة». [رواه مسلم 867 والنسائي 3/188 وأحمد 3/ 310 باختلاف يسير] قال بعض أهل العلم بأن: ” كل ” هنا على عموم أفراد البدع؛ بناء على الأصل أن “كل” إذا دخلت على النكرة أفادت استغراق أفرادها، فيقتضي ذلك عموم الحكم من حيث الأصل وهذا له وجه من الصواب.
غير عند التأمل ايضا أن هذا العموم المستفاد من لفظ : ” كل” هنا لا يُفهم على إطلاقه إلا بعد تحرير المراد: ” بالبدعة ” في الخطاب الشرعي، إذ المقصود بها ما أُحدث في الدين من غير دليل ولا أصل له فيه، وبناءً على هذا التحديد يمكن القول بدلالة العموم من لفظ ” كل ” على هذا النوع خاصة من البدع. أما ما استُحدث من أمور العادات، والوسائل، والمصالح المرسلة، أو ما كان له أصل عام في الشرع ولا يصطدم بها، فإنه لا يدخل في هذا الحكم، وهو ما قرره جمهور الأصوليين، كالإمام الشاطبي وغيره في تعريفهم وتقسيماتهم للبدعة؛ وفهمُ هذا الأصل يُعدّ من أهم ما يحتاجه طالب العلم في عصرنا في مجالات علوم اللغة العربية والأصول والتفسير، حتى لا يُفسَّر النص على غير مراد الشارع، ولا يُوسَّع في دلالات العموم دون الالتزام بضوابطه العلمية المعتبرة.
والله أعلم.



