من جريمة سائق “إندرايف” إلى استهداف إمام بالبيضاء.. عودة مظاهر العنف تسائل وزارتي برادة والتوفيق

06 يونيو 2026 12:15

من جريمة سائق “إندرايف” إلى استهداف إمام بالبيضاء.. عودة مظاهر العنف تسائل وزارتي برادة والتوفيق

هوية بريس – متابعات

عادت جرائم السرقة بالعنف و”الكريساج” والاعتداءات الخطيرة إلى الواجهة خلال الآونة الأخيرة، بعد سلسلة من الوقائع الصادمة التي هزت الرأي العام وأثارت تساؤلات واسعة حول أسباب تنامي مظاهر السرقة والعنف والجريمة، وحدود فعالية المقاربة الأمنية الزجرية في التصدي لهذه الظواهر.

ومن بين القضايا التي خلفت صدمة كبيرة، حادث مقتل الشاب ياسين، سائق النقل عبر التطبيقات، المنحدر من سيدي الطيبي، والذي عُثر على جثته بمنطقة خلاء بضواحي الدار البيضاء بعد اختفائه في ظروف غامضة. كما أثار الاعتداء الخطير الذي تعرض له إمام مسجد وابنته بمنطقة مولاي رشيد بالدار البيضاء موجة استنكار واسعة، بعدما أُصيبا بجروح بليغة إثر هجوم بالسلاح الأبيض.

أضف لذلك سلسلة من الوقائع الأليمة، التي يتعرض لها المواطنون، سواء بالسطو أو الكريساج والضرب والجرح  باستعمال السلاح الأبيض وآلات حادة، في مدن فاس وبني ملال ووجدة وبوقنادل وطنجة والبيضاء، وآثار ذلك على مشاعر المغاربة وفقدانهم للأمن في الشارع العام كأن “البلاد سايبة” كما يقال باللسان الدارج.

غير أن اختزال الظاهرة في بعدها الأمني فقط يبدو غير كاف لفهم تعقيداتها. فصحيح أن الأجهزة الأمن والقضائية تضطلع بدور محوري في الوقاية والزجر وتوقيف المجرمين، إلا أن مكافحة الجريمة مسؤولية جماعية تتقاسمها مؤسسات متعددة، بدءا بالمؤسسات التربوية والإعلامية والدينية والمدنية، وصولا إلى الأسرة باعتبارها الخلية الأساسية للتنشئة الاجتماعية والتربية على القيم.

وفي هذا الإطار، فإن التحولات العميقة التي تعرفها الأسرة المغربية باتت تلقي بظلالها على منظومة القيم والتماسك الاجتماعي. وقد كشفت نتائج البحث الوطني حول العائلة الذي أنجزته المندوبية السامية للتخطيط عن تحولات بنيوية متسارعة تمس أنماط العيش والتضامن والعلاقات داخل الأسرة المغربية، بما يفرض إعادة التفكير في السياسات العمومية المرتبطة بالأسرة والتربية والحماية الاجتماعية.

كما يربط عدد من الباحثين بين تنامي بعض مظاهر الانحراف والعنف وبين التفكك الأسري وارتفاع نسب الطلاق وغياب التأطير التربوي والرقابة الأسرية، خاصة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة وتراجع أدوار الوساطة الاجتماعية التقليدية. فالشباب الذين ينشؤون في بيئات تعاني من التفكك أو النزاعات الأسرية أو الهدر المدرسي يكونون أكثر عرضة للانحراف والانخراط في السلوكيات العنيفة أو الإجرامية.

ومن هنا تبرز مسؤولية وزارة التربية الوطنية في تعزيز التربية على القيم والمواطنة والسلوك المدني داخل المؤسسات التعليمية، وعدم الاكتفاء بالمقررات الدراسية التقليدية، إلى جانب تطوير آليات الدعم النفسي والاجتماعي للتلاميذ، خاصة في الأحياء الهامشية والمناطق التي تعرف هشاشة اجتماعية.

كما تقع على عاتق المجتمع المدني مسؤولية المساهمة في تأطير الشباب واحتضانهم عبر الأنشطة الثقافية والرياضية والتربوية، بما يوفر بدائل حقيقية عن الشارع ومختلف مظاهر الانحراف. أما وسائل الإعلام، فهي مطالبة بأداء دورها التوعوي والتثقيفي، بعيدا عن الإثارة أو التطبيع مع العنف والجريمة، والعمل على إبراز النماذج الإيجابية وترسيخ ثقافة احترام القانون.

ولا يمكن في هذا السياق إغفال الدور المركزي للمؤسسة الدينية. فوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، من خلال سياستها الدينية وخطباء الجمعة والوعاظ والمرشدين، تمتلك أدوات مؤثرة في تعزيز القيم الأخلاقية والتكريس المستمر لحرمة الاعتداء على النفس والمال والعرض، والتحذير من مخاطر الانحراف والعنف والمخدرات والتفكك القيمي. كما يطالب عدد من الفاعلين بتكثيف الخطاب التوعوي الموجه للشباب، خاصة في ظل ما يعتبرونه تناميا لمظاهر التفاهة والميوعة الثقافية التي تروج لها بعض المنصات الرقمية والأنشطة الفنية والترفيهية الكبرى.

ويستنكر عدد من المتابعين استقطاب الشباب للفضاءات الترفيهية التي تعرف انتشار مظاهر الانحراف والانحلال كبعض المهرجانات الصيفية التي بدأت الإشهارات تروج لمواعيدها مبكرا. ناهيك عن انتشار محلات بيع الخمور والشيشة علنا، بل أصبحت محلات البقالة تبيع السجائر والشيشة الإلكترونية خارج القانون المعمول به.

فالأمن يظل شرطا أساسيا لاستقرار المجتمع، لكنه لا يستطيع بمفرده معالجة الأسباب العميقة المنتجة للعنف والجريمة. لذلك فإن بناء مجتمع أكثر أمنا لا يمر فقط عبر تشديد العقوبات وتكثيف الدوريات الأمنية، وإنما كذلك عبر إصلاح المدرسة، وتقوية الأسرة، وتحصين القيم، وتوسيع فضاءات الإدماج الاجتماعي والثقافي للشباب، حتى لا تتحول حوادث السرقة و”الكريساج” والاعتداءات الدموية إلى مشاهد مألوفة في الحياة اليومية للمغاربة.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
23°
23°
أحد
24°
الإثنين
23°
الثلاثاء
23°
الأربعاء

كاريكاتير

حديث الصورة