الأسرة في زمن التحديات

الأسرة في زمن التحديات
الحلقة الأولى: لماذا هذا الموضوع؟
هوية بريس – شريف السليماني
ما زلنا نعيش أجواء عيد الأضحى المبارك، وما زالت قصة إبراهيم وهاجر وإسماعيل عليهم السلام حاضرة في أذهاننا.
إنها ليست قصة أضحية فحسب، بل قصة أسرة مؤمنة نجحت في امتحان الطاعة والثقة بالله والتضحية في سبيله.
إبراهيم ضحى.
وهاجر ضحت.
وإسماعيل ضحى.
ولذلك لم يخلد الله ذكر أفراد فقط، بل خلد ذكر أسرة أصبحت نموذجاً وقدوة للأسر المؤمنة إلى يوم القيامة.
وإذا كانت هذه الأيام المباركة تذكرنا بتلك الأسرة العظيمة، فإنها تدعونا أيضاً إلى أن نتوقف قليلاً مع واقع أسرنا اليوم.
كيف حال الأسرة في زمن التحديات؟
ولماذا اخترت أن أخصص سلسلة كاملة للحديث عن هذا الموضوع؟
بحكم عملي واحتكاكي اليومي بالناس، أسمع كثيراً من الأسئلة والشكاوى والقصص.
زوج يشتكي من زوجته.
وزوجة تشتكي من زوجها.
وآباء يشتكون من أبنائهم.
وأبناء يشتكون من آبائهم.
طلبات متكررة للوساطة والإصلاح.
خلافات تمتد شهوراً أو سنوات.
وحالات طلاق وانفصال تتكرر بصورة تدعو إلى التأمل والتساؤل.
ولا أقول هذا من باب التشاؤم أو جلد الذات، فبفضل الله ما زالت بيننا أسر كثيرة مستقرة وناجحة، وما زالت بيوت كثيرة عامرة بالمودة والرحمة والسكينة.
بل إن الحفاظ على أسرة مستقرة في زمننا هذا أصبح في حد ذاته إنجازاً يستحق التقدير والاحترام.
فالحفاظ على الأسرة اليوم يحتاج إلى إيمان.
ويحتاج إلى صبر.
ويحتاج إلى تضحية.
ويحتاج إلى وعي.
ويحتاج إلى إحساس عالٍ بالمسؤولية.
ولذلك فإن كل من يعيش السعادة والطمأنينة داخل بيته فليحمد الله تعالى على نعمة عظيمة قد لا يعرف قدرها إلا من فقدها.
بحكم أنني عشت سنوات طويلة في هولندا ثم انتقلت إلى بلجيكا، يسألني الكثير من الناس: أين وجدت الراحة أكثر؟ وأيهما أفضل للعيش؟
وفي كل مرة تقريباً يكون جوابي واحداً:
ليس الجواب في هولندا ولا في بلجيكا.
وليس في هذه المدينة أو تلك.
بل إن المكان الذي تدخل فيه إلى بيتك فتشعر بالراحة هو أفضل مكان للعيش.
فالإنسان يقضي ساعات في العمل، وساعات في الطريق، وساعات في قضاء شؤونه اليومية، لكنه في النهاية يعود إلى بيته.
فإذا وجد فيه السكينة والاحترام والمودة شعر أن الله قد أنعم عليه بنعمة عظيمة.
وإذا فقد ذلك كله فقد لا تنفعه أجمل المدن ولا أوسع البيوت.
ولأن الأسرة ليست جانباً هامشياً في حياة الإنسان، فإن استقرارها أو اضطرابها ينعكس على حياته كلها. فالإنسان الذي يعيش السكينة داخل بيته يذهب إلى عمله أكثر راحة وتركيزاً، ويكون أقدر على العطاء والإنتاج والتعامل الإيجابي مع من حوله. أما عندما تمتلئ الحياة الأسرية بالتوتر والخصام، فإن آثار ذلك لا تبقى داخل جدران البيت، بل ترافق الإنسان إلى عمله ودراسته وعلاقاته اليومية. وكثيراً ما نقابل إنساناً شارد الذهن أو سريع الغضب أو مثقلاً بالهموم، فنظن أن مشكلته في العمل أو المال أو الصحة، ثم نكتشف أن أصل معاناته موجود داخل البيت. وكثيراً ما نجد طالباً تراجعت نتائجه الدراسية أو تغير سلوكه بسبب ما يعيشه من توتر داخل أسرته. ولذلك فإن الأسرة ليست مجرد علاقة بين زوج وزوجة، بل هي مصدر سعادة الإنسان أو شقائه في جوانب كثيرة من حياته.
ولعل هذا بعض ما تشير إليه الآية الكريمة:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«من أصبح منكم آمناً في سربه، معافىً في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها».
ومن أعظم صور هذا الأمن أن يشعر الإنسان بالأمان والطمأنينة داخل بيته وبين أهله.
فالمشاكل الأسرية لا تؤثر على الزوج أو الزوجة فقط.
بل تؤثر على الأبناء.
وتؤثر على الوالدين.
فكم من أب وأم يعيشان القلق والحزن بسبب ما يجري داخل أسرة ابنهما أو ابنتهما.
وقد تمتد آثارها إلى عائلتين كاملتين.
وقد تؤثر على العلاقات بين الأقارب.
وقد تؤثر على دراسة الأطفال ومستقبلهم وتوازنهم النفسي.
وقد تصل أحياناً إلى صور مؤلمة من الصراع والانتقام، فيُستعمل الأبناء وقوداً لمعركة لا ذنب لهم فيها، أو يُحرم أحد الوالدين من رؤية أبنائه أو التواصل معهم.
ولهذا فإن الحديث عن الأسرة ليس موضوعاً ثانوياً ولا ترفاً فكرياً.
إنه حديث عن واحدة من أهم القضايا التي يتوقف عليها استقرار الإنسان وسعادته واستقرار المجتمع كله.
ومن هنا جاءت فكرة هذه السلسلة.
لنبحث معاً عن أسباب السعادة الأسرية.
وعن أسباب الخلافات والمشكلات.
وعن العلاقة بين الزوجين.
وعن تربية الأبناء.
وعن التحديات التي تواجه الأسرة في واقعنا المعاصر.
ونسأل الله تعالى أن يرزق أسرنا السكينة والمودة والرحمة، وأن يجعل في بيوتنا شيئاً من صبر إبراهيم، وثقة هاجر، وطاعة إسماعيل عليهم السلام.


