هل الرجولة تُبنى على أنقاض كرامة النساء؟

هوية بريس – نجية أم سليمان
ليس أشدَّ فقرًا من رجلٍ يظنّ أنّ رجولته تُبنى على أنقاض كرامة النساء،
وأنّ هيبته لا تقوم إلا إذا جعل أعراضهنّ حديث المجالس، يلوكها بلسانه كما تُلاك الأحاديث التافهة، يوزّع الأحكام بغير علم، ويقذف الأوصاف بغير بيّنة، ثم يحسب أنّه قد أجاد، وأنّ القوم قد أعجبوا بفطنته، وما درى أنّه ما كشف إلا عن خفّة عقله، وسقوط مروءته، وضآلة نفسه.
إنّ النفوس الكريمة إذا جلست، ارتفعت عن سفاسف القول، وأبت أن تجعل أعراض الخلق سُلَّمًا إلى القبول، لأنّها تعلم أنّ الألسنة مرايا القلوب؛ فما فاض على اللسان إلا ما استقرّ في الفؤاد. فإذا امتلأ القلب توقيرًا لله، خرج الكلام وقورًا، وإذا خلا من التقوى، لم يعرف اللسان إلا الوقيعة والازدراء.
وما أعجب رجلًا يتتبّع النساء بأحكامه، فيقول: هذه تُؤخذ، وهذه تُترك، وهذه تستحق، وهذه لا تستحق، كأنّه وُكّل بسرائر العباد، أو أُعطي مفاتيح القلوب، وقد نسي أنّ الله وحده هو العليم بما تُخفي الصدور، وأنّ من أعظم الظلم أن يتكلّم المرء في الناس بما لا يعلم، أو يجعل الظنون حقائق، والأوهام أحكامًا.
ثم تبلغ الخسّة غايتها إذا كان هذا المتكلّم زوجًا؛ قد أكرمه الله بامرأةٍ جعلها لباسًا له، وجعله لباسًا لها، ثم يخرج إلى المجالس يزدري جنسها، ويستخفّ ببنات حوّاء، وكأنّه نسي أنّ أول من واساه بعد أمّه امرأة، وأنّ زوجته، وابنته، وأخته، كلّهنّ من هذا الجنس الذي ينتقصه. فبأيّ وجهٍ يطلب الاحترام لنفسه، وهو لا يحترم من أوجب الله إكرامهنّ؟
إنّ الرجولة ليست قسوة اللسان، ولا جرأة الوقاحة، ولا كثرة التعليق على الخلق؛ وإنما الرجولة دينٌ يحكم الهوى، وعقلٌ يزن الكلمة قبل خروجها، ومروءةٌ تستحيي أن تُؤذي مسلمًا بقول، فضلًا عن أن تعبث بعِرضه. فالرجال تُعرف بوقارها، لا بصخبها، وبسترها، لا بفضحها، وبحفظها للحقوق، لا بانتهاكها.
وما شرع الله حرمة الأعراض عبثًا، ولا جعل الغيبة من الكبائر إلا لأنّ الكلمة قد تقتل القلوب وإن لم تُسِل الدماء، وقد تهدم البيوت وإن لم تُسقِط الجدران، وقد تُفسد السمعة في لحظةٍ لا يُصلحها اعتذار العمر كلّه.
فاحذر أن يكون لسانك أسرع إلى أعراض الناس من قلبك إلى محاسبة نفسك؛ فإنّ العاقل مشغولٌ بعيوبه عن عيوب غيره، والكريم يستر ما استطاع، واللئيم يفتّش عمّا يفضح به الناس. وما رأيتُ رجلًا أكثر حديثًا عن النساء إلا وكان أقلّ الناس حديثًا عن إصلاح نفسه.
فإذا رأيت رجلًا لا يجد في مجلسه ما يُضحك القوم إلا الغيبة، ولا ما يرفع شأنه إلا الانتقاص من النساء، فاعلم أنّه لم يُهن المرأة بقدر ما أهان نفسه؛ لأنّ اللسان لا يُترجم إلا عن صاحبه، والكلمة لا تُعرّي المقول فيه، بل تكشف حقيقة القائل.
وليعلم كلّ امرئٍ أنّ المجالس تنفضّ، والوجوه تتفرّق، والضحكات تخبو، أمّا الكلمات فلا تموت؛ تُرفع إلى ربّ السماء، وتُسطَّر في كتابٍ لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها. فطوبى لمن صان لسانه، وعظّم حرمات الله، وجعل من مروءته ستر الناس، فإنّ من ستر عباد الله، ستره الله يوم لا ساتر إلا هو.



