هل اختارت الجزائر ورقة الطاقة لتخفف من الضغط الأمريكي؟

30 يناير 2026 08:06

هل اختارت الجزائر ورقة الطاقة لتخفف من الضغط الأمريكي؟

هوية بريس – بلال التليدي

قبل يومين (الثلاثاء الماضي) اجتمع مسعد بولس مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون الإفريقية بالرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، ثم بوزير خارجيته أحمد عطاف بالجزائر، وتحدث كل طرف منهما على حدة، بطريقة تبدو مختلفة.

مستشار الرئيس الأمريكي في تصريحاته المباشرة، تحدث عن أجندة الزيارة، بشكل مرتب، فتحدث عن الأمن والسلام الإقليميين قبل أن يتحدث عن العلاقات الأمريكية الجزائرية وآفاقها التجارية، بينما جاء بلاغ وزارة الخارجية الجزائرية بمضمون معكوس، فبدأ بالحديث عن العلاقات الجزائرية الأمريكية والتباحث لتعزيزها أولا، ثم تعزيز الحوار الاستراتيجي بين البلدين ومواصلة الديناميكية الاقتصادية بين البلدين ثانيا، لتأتي القضية الجوهرية (دور الجزائر للضغط على البوليساريو لقبول الحكم الذاتي والتفاوض على اساسه) في النقاش في الأخير، مقحمة في آخر البلاغ ضمن قضايا أخرى مثل العالم العربي والقارة الإفريقية والأوضاع في ليبيا والساحل والصحراء.

مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس قال بوضوح في تصريحه للصحافة عقب استقباله من طرف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بأنه أكد مع الجزائر الالتزام المشترك على تعزيز التعاون لاسيما فيما يتعلق بإحلال السلام ومعالجة الانشغالات الأمنية والإقليمية» مما يعني أن جوهر أجندة اللقاء هو تسوية التوتر بين الجزائر والمغرب، والضغط على الجزائر من أجل تنفيذ استحقاقات قرار مجلس الأمن 2797 القاضي بحل نزاع الصحراء في إطار المقترح المغربي للحكم الذاتي.

الأجندة الزمنية عبرت في واقع الأمر عن كل شيء، فقد بدأت بلقاء بين مستشار الرئيس الأمريكي والرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، ثم بلقاء مع وزير الخارجية الجزائري بحضور سفير الجزائر لدى الولايات المتحدة صبري بوقادوم، صرحت الخارجية بمضمونه في بيان خاص، ثم بعد ذلك بلقاء جمع الوفدين الجزائري والأمريكي، التقى فيه مستشار الرئيس الأمريكي بوزير الطاقة والمناجم والطاقات المتجددة السيد محمد عرقاب، كان موضوعه تعزيز التعاون التجاري بين البلدين.

في واقع الأمر، ليست هذه هي المرة الأولى التي تلجأ فيها الجزائر إلى إخراج ورقة الطاقة للتخفف من الضغوط والبحث عن خيارات للتكيف مع السياسة الأمريكية في المنطقة، والتي عبرت بدون لبس بأنها ماضية في اتجاه احتواء التوتر بين المغرب والجزائر، وحل نزاع الصحراء وفقا لمبادرة المغرب للحكم الذاتي.

فقد أقدمت الجزائر على تعديل قانون المناجم الجديد في بداية شهر مايو من السنة الماضية للسماح للشركات الأجنبية للاستثمار في القطاع وسط جدل داخلي حاد حول خلفيات القانون، ثم بعد شهرين من ذلك، استقبل وزير الطاقة والمناجم محمد عرقاب وفدا من الشركة الأمريكية شركة «إكسون موبيل» في سياق ما سمته الجزائر بالتثمين المنجمي، وسط انتقادات من الداخل بخصوص تمكين الشركات الأجنبية وبخاصة الأمريكية من ثورات الجزائر النفطية والغازية والمنجمية.

من المهم أن نشير إلى أن تحريك ورقة الطاقة، وإثارة شهية الشركات الأمريكية جاء عقب تكليف مسعد بولس بإدارة الحوار السياسي بين المغرب والجزائر، وبعد وضع واشنطن الجزائر تحت ضغط الزمن (ستة أشهر) لإنهاء الصراع والتوتر بين البلدين، وبعد أن أكدت الإدارة الأمريكية سيادة المغرب على الصحراء، وذلك قبل أن يحسم مجلس الأمن الأمر بقراره الأخير (31 أكتوبر الماضي) الذي جعل الحكم الذاتي إطارا لحل النزاع في الصحراء.

ينبغي أن نلاحظ بهذا الخصوص أن تصريحات مسعد بولس مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية كانت مرتبة ترتيبا متناسبا مع موضوع الزيارة وأجندتها الزمنية، بينما احترم بلاغ الخارجية الجزائرية الأجندة من حيث الحدث (الاستقبالات) وعاكسها من حيث الموضوع والمخرجات، فمسعد بولس أقر بشكل واضح بحصول تفاهمات، حين تحدث عن «الالتزام المشترك بالتعاون»، بينما أدرج بلاغ وزارة الخارجية موضوع الصحراء والقضايا الأمنية والإقليمية بالمنطقة كما ولو كان موضوعا لتبادل وجهات النظر من غير أي التزام.

نعم، وردت تصريحات من قبل مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس تتحدث عن آفاق العلاقات الأمريكية الجزائرية، وإمكان تعزيزها، لكنه اختار ألفاظا دقيقة حين تحدث عن «استكشاف» الآفاق الجديدة للشراكة التجارية كما استعمل لفظة «ألهمت» والتي تكشف العرض الجزائري الذي قدم للولايات المتحدة الأمريكية لتطوير العلاقات بين البلدين، أو بالأحرى استعمال ورقة الطاقة والمناجم لتخفيف الضغط الأمريكي بخصوص العلاقات المغربية الجزائرية وبوجه أخص قضية الصحراء، التي صرحت الإدارة الأمريكية بكل وضوح وبتزامن مع زيارة مسعد بولس للجزائر بأنه لا بديل للجزائر عن الضغط على البوليساريو لقبول الحكم الذاتي.

في واقع الأمر، ثمة تحول مهم في السياسة الأمريكية، يبدو أن الدبلوماسية الجزائرية لم تستوعبه بشكل جيد، وهي أنها حين تمارس ضغوطا على الجزائر لدفعها للاضطلاع بدورها المحوري وعدم التملص من مسؤوليتها السياسية في المساهمة للتوصل إلى حل نهائي لنزاع الصحراء، فإنها لا تفعل ذلك بوحي من براديغهما التقليدي الذي كان يلزمها بالتعاطي مع قضية الصحراء أو التوتر المغربي الجزائري بمنطق «إدارة الأزمة وتدويرها»، ولذلك تلجأ الجزائر كلما اشتد عليها الضغط لتحريك ورقة النفط والغاز والمعادن والمناجم، لإغراء الولايات المتحدة الأمريكية للعب معها على الطاولة ولتغيير مواقفها جذريا أو على الأقل إبقائها في نفس المنطق القديم، لكن ما لا تدركه الدبلوماسية الجزائرية، أن البراديغم الجديد للولايات المتحدة الأمريكية، لاسيما مع الدول التي تم عزلها في محيطها الإقليمي، أنها تأخذ الامتيازات المعروضة عليها، وتضعها في جيبها دون أن تغير موقفها الجديد، وهو ما يعني أن شهية أمريكا المفتوحة على الامتيازات الجزائرية، لن تكون بأي شكل من الأشكال مانعا لها من التفريط في مصالح استراتيجية سبق أن حسبتها في المنطقة.

الإعلام الرسمي الجزائري تعامل بشكل خفيف مع مضمون الزيارة، وركز أكثر على العلاقات الأمريكية الجزائرية وآفاقها التجارية الواعدة، ومارس قدرا كبيرا من التعتيم على المضمون الرئيسي للزيارة، أو الباعث الأساسي منها، أي الحوار حول قضيتين اثنتين، الأولى: هي نزع فتيل التوتر بين الجزائر والمغرب، والثانية هو حث الجزائر على الاضطلاع بدورها لحل نزاع الصحراء وفقا لقرار مجلس الأمن الأخير، فلم يتحدث الإعلام الرسمي بكلمة واحدة عن هذا الموضوع، كما لم يتحدث بالمقابل عن أي تفاصيل تتعلق بالعرض الجزائري لتعزيز العلاقات التجارية مع واشنطن وأي امتيازات طاقية أو منجمية تم تقديمها لها.

تعليل ذلك أن الحديث في الموضوعين معا يؤول لشيء واحد وهو أن يفهم الرأي العام أن جوهر الزيارة كانت هي الضغط على الجزائر من أجل تنفيذ استحقاقات قرار مجلس الأمن 2797 حتى ولو كان الحديث عن العرض الجزائري لتعزيز التعاون التجاري يندرج ضمن أوراقها في تخفيف هذا الضغط.

في المحصلة، تفيد المقابلة بين النص الذي أصدرته الخارجية الجزائرية، وتعاطي الإعلام الرسمي الجزائري للزيارة مع تصريحات مستشار الرئيسي الأمريكي، أن الجزائر وضعت في منطقة الحرج، وأنها لا تريد أن تواجه رأيها العام بمخرجات اللقاء مع المستشار الأمريكي، وأنها ربما لا تزال تنتظر مفعول العرض الجزائري، لعله، يؤثر مستقبلا في مسارات القضية.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
23°
23°
أحد
24°
الإثنين
23°
الثلاثاء
23°
الأربعاء

كاريكاتير

حديث الصورة