الملتقى الدراسي الموسوم بـ”الهدر المدرسي.. دراسة في الأسباب والمآلات والحلول”

17 فبراير 2026 19:10
فرض 300 درهم على التلاميذ المغاربة يخلق الجدل ولقجع يوضح

هوية بريس – نجيمة جدراوي

تقرير حول الملتقى الدراسي الموسوم بـ:“الهدر المدرسي: دراسة في الأسباب والمآلات والحلول”

نظّم مركز كرت للدراسات والأبحاث، في إطار فريق البحث في الدراسات الشرعية والفكرية والقانونية والاقتصادية والتربوية والاجتماعية والنفسية، وبشراكة مع مجلة كرت للدراسات الالأسبابشرعية والقانونية والتربوية، وماستر المنازعات القانونية والقضائية والذكاء الاصطناعي بالكلية المتعددة التخصصات بالناظور، والمركز الدولي للدراسات والأبحاث في العمل الاجتماعي وقضايا المناخ والمجال، ملتقى دراسياً موسوماً بـ:“الهدر المدرسي: دراسة في الأسباب والمآلات والحلول”، وذلك يومي 15 و16 فبراير 2026 عبر تقنية التناظر المرئي من خلال منصة “زووم”.

وقد مثّل هذا الملتقى محطة علمية متميزة، عكست وعياً جماعياً بخطورة ظاهرة الهدر المدرسي باعتبارها قضية وطنية ومجتمعية ذات أبعاد استراتيجية، لا تقتصر على المجال التربوي فحسب، بل تمتد إلى الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والقانونية والقيمية. وجاء تنظيمه في سياق يتسم بتفاقم الظاهرة وتنامي آثارها، الأمر الذي يجعل معالجتها أولوية ملحّة تمس مستقبل الرأسمال البشري واستقرار الأسرة ومسار التنمية المستدامة.

استُهلّت أشغال الملتقى بجلسة افتتاحية ترأسها الأستاذ عمر العمري، افتتحت بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، أعقبتها كلمات الجهات المنظمة والشريكة، والتي أكدت في مجملها على راهنية الموضوع وضرورة اعتماده مدخلاً لمقاربة علمية بينية تقوم على تشخيص دقيق واقتراح حلول عملية قابلة للتنزيل، في إطار رؤية متكاملة تتقاسم فيها مختلف الأطراف مسؤولية المعالجة.

وتواصلت الأشغال بعقد جلسة علمية أولى ترأسها الأستاذ نبيل مومن، عرفت تقديم مداخلات قاربت الهدر المدرسي من زوايا متعددة. فقد تناولت بعض العروض فعلية الحق في التعليم الإلزامي، وربطت الظاهرة بإشكالات الدافعية للتعلم من منظور نفسي تربوي، مستحضرة نظريات علم النفس الإنساني وعلى رأسها نظرية ماسلو، فيما سلطت مداخلات أخرى الضوء على أثر المشكلات الأسرية والفقر والهشاشة الاجتماعية، مؤكدة أن الهدر المدرسي ليس معطىً معزولاً، بل نتيجة لاختلالات بنيوية تتجاوز حدود المؤسسة التعليمية إلى محيطها الاجتماعي والاقتصادي.

كما عولج الموضوع من منظور شرعي ومقاصدي، من خلال ربطه بمقاصد حفظ العقل والنسل والمال، وبيان انعكاساته على الكليات الشرعية، مع التأكيد على أن ضمان حق الأبناء في التعليم واجب شرعي ومسؤولية جماعية تتقاسمها الأسرة والمجتمع والدولة. وتم إبراز دور التربية الإسلامية في تعزيز الدافعية للتعلم، والتنبيه إلى خطورة بعض التصورات التي قد تُضعف قيمة التعليم النظامي أو تُشكك في مشروعيته، وما قد يترتب عنها من آثار على استقرار المسار الدراسي للأبناء.

وفي الجلسة العلمية الثانية، التي ترأسها الدكتور معاذ البراهمي، انصب النقاش على الأبعاد الميدانية والتطبيقية، حيث قُدمت دراسات حول الهدر المدرسي في الأوساط القروية، أبرزت تداخل العوامل الجغرافية والاقتصادية والثقافية، واستعرضت تجارب ومبادرات لتحسين جودة التعليم وتعزيز الاستمرارية الدراسية. كما تناولت المداخلات انعكاسات الظاهرة على المنظومة التربوية، ودور الأندية التربوية وأنشطة الحياة المدرسية في تعزيز الانتماء المدرسي، وأهمية التوجيه التربوي والإمتاع التربوي كآليات وقائية للحد من الانقطاع الدراسي.

وشهدت الجلسة ذاتها تقديم مقاربات مقارنة من جهات مختلفة داخل المغرب، إضافة إلى عرض تجربة بولاية الخرطوم بالسودان، مما أتاح توسيع أفق النقاش وإبراز الطابع الكوني للظاهرة، مع التأكيد على ضرورة تكييف الحلول وفق الخصوصيات المحلية. كما تم التطرق إلى صعوبات تعلم اللغة الفرنسية وعلاقتها بالهدر المدرسي، وإلى أثر محتويات المقررات الدراسية في دافعية المتعلمين واستمراريتهم، خاصة في سلك التعليم الثانوي التأهيلي.

واختُتمت العروض العلمية بجلسة ترأسها الدكتور سليمان قراري خُصصت لخبراء من تخصصات متعددة ناقشوا نتائج الأبحاث المقدمة من زوايا قانونية واجتماعية واقتصادية وتربوية ونفسية وشرعية، وأجمعوا على أن معالجة الهدر المدرسي تقتضي الانتقال من منطق المعالجة الجزئية إلى رؤية استراتيجية شمولية، تقوم على تقائية السياسات وتكامل الأدوار بين مختلف الفاعلين، مع إيلاء عناية خاصة للدعم النفسي والاجتماعي وجودة التعلمات وحكامة المنظومة التربوية.

وقد خلص الملتقى إلى جملة من التوصيات أكدت ضرورة اعتماد مقاربة شمولية متعددة الأبعاد، ترتكز على سياسات تعليمية مبنية على معطيات ميدانية محينة، وتعزيز الحماية القانونية لحق الطفل في التعليم، وتسريع تنزيل الإصلاحات التربوية ذات الصلة، مع إشراك مختلف القطاعات الاجتماعية والاقتصادية في المعالجة. كما شددت التوصيات على أهمية دعم الأسر الفقيرة والهشة للحد من العمل المبكر، وتوسيع برامج الدعم لتغطية تكاليف النقل واللوازم المدرسية، ومواكبة الأطفال المتأثرين بالهجرة أو الهشاشة مواكبة نفسية وتربوية منتظمة.

وعلى مستوى المؤسسة التعليمية، دعت التوصيات إلى اعتماد مقاربة تربوية نفسية تراعي حاجات المتعلم، وتفعيل خلايا اليقظة والإنصات، وإرساء نظام إنذار مبكر لرصد مؤشرات التعثر، وتعزيز أنشطة الحياة المدرسية ومأسستها بما يسهم في تقوية الانتماء المدرسي. كما أوصت بمراجعة المناهج والكتب المدرسية بما يراعي الفروق الفردية ويربط التعلمات بواقع المتعلم، واعتماد مقاربة لغوية متوازنة تعزز مكانة اللغة العربية مع انفتاح منظم على اللغات الأجنبية، وتطوير تدريس اللغة الفرنسية وفق بيداغوجيا اللغة الثانية مع توفير دعم لغوي مستمر.

وأكدت التوصيات كذلك أهمية التكوين المستمر للمدرسين في استراتيجيات التحفيز والتعلم النشط، وتحفيزهم على الانخراط في تنشيط الأندية والدعم التربوي، ودعم أطر التوجيه بالوسائل الضرورية لتتبع المشاريع الشخصية للمتعلمين. كما شددت على تعزيز دور الأسرة والمجتمع في تتبع المسار الدراسي للأبناء، وتنظيم برامج توعوية حول أهمية التعليم، وترسيخ المسؤولية التضامنية في ضمان تمدرس الأطفال، إلى جانب تفعيل البعد القيمي في دعم حق التعلم وصيانته.

واختُتم الملتقى في أجواء علمية مسؤولة عكست روح التعاون والانخراط الجاد في معالجة ظاهرة الهدر المدرسي، وأكدت أن الاستثمار في التعليم هو استثمار في كرامة الإنسان ومستقبل الوطن. وتتقدم اللجنة التنظيمية بخالص الشكر والتقدير إلى جميع الباحثين والشركاء والمشاركين الذين أسهموا في إنجاح هذا اللقاء العلمي، سائلين الله تعالى أن يوفق الجميع لما فيه خدمة قضايا التربية والتعليم، وأن يمنّ على عاهل البلاد صاحب الجلالة الملك محمد السادس بالشفاء العاجل، وأن يحفظ وطننا العزيز ويديم عليه نعمة الأمن والاستقرار.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المقررة: ذ. نجيمة جدراوي
المشرف على النشاط: د. جواد عجوري

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
18°
23°
أحد
24°
الإثنين
23°
الثلاثاء
24°
الأربعاء

كاريكاتير

حديث الصورة