رمضان مشروع تقوى شامل: لا صيام بلا صلاة ولا تقوى بلا تغيير

رمضان مشروع تقوى شامل: لا صيام بلا صلاة ولا تقوى بلا تغيير
هوية بريس – شريف السليماني
تخيّل أن يُقال لك: هذا آخر رمضان في حياتك.
كيف ستكون صلاتك؟ كيف سيكون قرآنك؟ كيف سيكون يومك؟
هل سيرضيك أن يمرّ كما مرّت رمضانات سابقة دون أثرٍ حقيقي في قلبك؟
رمضان ليس شهراً عادياً يُضاف إلى أعمارنا ثم ينقضي، بل هو أمانة، والوقت فيه أمانة مضاعفة. كل دقيقة تمرّ منه جزء من رصيدك عند الله، وكل ساعة تضيع بلا طاعة خسارة لا تعوَّض. كم من إنسان كان معنا في رمضان الماضي وهو اليوم تحت التراب! فماذا لو كان هذا آخر رمضان في حياتك؟ هل يرضيك أن يمرّ كما مرّ غيره؟
الله لم يفرض علينا الصيام لنجرّب الجوع، بل قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. هذه هي النتيجة. فإن لم تزد تقوى الله في قلبك خلال رمضان، فقد ضيّعت المقصد. لا تدخل رمضان بقلبٍ غافل وتخرج منه بقلبٍ غافل. لا تدخله بصلوات متقطعة وتخرج كما كنت. لا تدخله بعلاقة ضعيفة مع القرآن وتخرج دون أن تقوى هذه العلاقة.
رمضان جاء ليغيّرك، لا ليجاملك.
لا نصوم عادةً لأن الناس يصومون، ولا تقليداً لأن المجتمع كلّه صائم. نصوم لأن الله أمرنا، لأننا عبيدٌ له، لأننا نريد التقوى. والنية هي التي تحوّل الامتناع عن الطعام إلى عبادة، والجوع إلى رفعة.
ونبدأ يومنا بفرحٍ لا بضيق. الصيام نعمة قبل أن يكون تكليفاً. المؤمن لا يقول: “يوم طويل”، بل يقول: “فرصة عظيمة”. الفرق كبير بين من يصوم وهو يشعر أنه محروم، ومن يصوم وهو يشعر أنه مكرَّم.
الذي فرض الصيام هو الذي فرض الصلاة. فكيف نلتزم بأحدهما ونتهاون في الآخر؟
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾.
خمس صلوات في وقتها… ليست أربعاً. والفجر خط أحمر. إن لم تضبط الفجر في رمضان، فمتى ستضبطه؟
والفجر لا يُحافظ عليه بالأماني، بل بالاستعداد: نوم مبكر، تنظيم للسحور، انتقال مباشر إلى الوضوء والصلاة.
والأفضل — بل من شعائر هذا الشهر — أن تكون الصلوات في جماعة، في المسجد لمن استطاع. رمضان فرصة لإحياء علاقتنا ببيوت الله. أن تمتلئ المساجد لا في التراويح فقط، بل في الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء.
من علامات صدق رمضان أن يصبح الطريق إلى المسجد مألوفاً لقلبك.
فإذا استقامت الفريضة، جاء وقت الزيادة.
من أحسن في الفريضة اشتاق إلى النافلة. السنن الرواتب، صلاة الضحى، التراويح، الشفع والوتر… رمضان موسم مضاعفة الأجر، فاغتنم.
اجعل لسانك رطباً بذكر الله. قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
وقال النبي ﷺ لرجل قال: إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ، فأخبرني بشيء أتشبث به، فقال: «لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله».
وقال ﷺ: «سبق المفردون»، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: «الذاكرون الله كثيراً والذاكرات».
اذكر الله في طريقك، في عملك، في دراستك. سراً أو جهراً. أكثر من “لا إله إلا الله”. املأ الفراغات القصيرة بالتسبيح والتحميد والتهليل.
ولابد من وردٍ قرآني يومي. إن استطعت الختم فجميل، وإن لم تستطع فصفحة أو صفحتان. العيب أن ينقضي رمضان ولم تقرأ شيئاً من القرآن. ومن لا يستطيع القراءة فليستمع؛ الوسائل اليوم متاحة، والحمد لله.
قال النبي ﷺ: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس».
التقوى ليست بينك وبين الله فقط، بل في نفع الآخرين. تصدّق إن استطعت. شارك في إفطار صائم. تطوّع في مسجدك. أدخل السرور على مسلم.
وكن خيراً لأهلك. قال ﷺ: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي».
مساعدة الزوجة عبادة. تخفيف أعباء البيت عبادة. تمكين أهل بيتك من التفرغ لوردهم وصلاتهم عبادة.
التقوى امتثالٌ واجتناب.
صُم بعينك: لا تنظر إلى حرام.
صُم بأذنك: لا غيبة ولا نميمة ولا فحش.
صُم بلسانك: لا سبّ ولا خصومة.
صُم بيدك: لا تكتب حراماً ولا توقّع ظلماً.
صُم برجلك: لا تمشِ إلى معصية.
الصيام الحقيقي أن تصوم جميع الجوارح، لا المعدة فقط.
وأخطر ما يهدد رمضان اليوم: ضياع الوقت فيما لا ينفع.
كثرة النوم…
وساعات الهاتف…
وما أدراك ما الهاتف.
هذا الجهاز الصغير يسرق أعمارنا دون أن نشعر. تمضي ساعة… ثم أخرى… ثم ثالثة… ولا يبقى من اليوم شيء للقرآن ولا للذكر ولا للصلاة بخشوع.
وقتنا 24 ساعة فقط. إذا نام الإنسان ساعات طويلة، وقضى ساعات طويلة في الهاتف والترفيه، فمتى سيعبد الله؟
الطاعة تحتاج وقتاً.
وإن لم نقلل من وقت الترفيه، فلن نجد وقتاً للعبادة.
إذا أردت أن تزيد في القرآن، فلابد أن تنقص من الهاتف.
إذا أردت قيام الليل، فلابد أن تنقص من السهر.
إذا أردت الذكر، فلابد أن تنقص من التصفح.
لا يمكن أن نجمع بين الإفراط في الترفيه، والارتفاع في العبادة.
رمضان ليس جوعاً منظماً، ولا موسماً اجتماعياً عابراً، بل مشروع تقوى شامل: امتثالٌ للطاعة، واجتنابٌ للمعصية، وزيادةٌ في التقوى، ونفعٌ للناس، وانضباطٌ في الوقت.
فإن خرجت بقلبٍ أخشع، وصلاةٍ أثبت، ولسانٍ أطهر، وعينٍ أغضّ، ووقتٍ أضبط… فقد ربحت.
وإن بقيت كما أنت، فقد مرّ عليك موسم عظيم دون أثر.
فاجعل رمضان شاهداً لك لا عليك، واجعله نقطة تحوّل حقيقية في حياتك.



