محلل اقتصادي يُشرِّح “ريع” تأمين السيارات بالمغرب

18 أبريل 2026 15:11

هوية بريس-متابعات

قال الدكتور نبيل عادل، أستاذ باحث في الاقتصاد والعلاقات الدولية وعضو المجلس الوطني لحزب الحركة الشعبية، إن الجدل الدائر حول تسعيرة التأمين الإجباري على السيارات في المغرب لم يعد مجرد نقاش تقني مرتبط بتعديل ظرفي في الأسعار، بل يعكس بنية اقتصادية أعمق تتسم بوجود ما يمكن وصفه بـ“ريع تأميني” يتغذى من ضعف المنافسة ومن خصوصية سوق إلزامية لا يملك فيها المستهلك هامش الاختيار. وأوضح أن قرار مجلس المنافسة برفض الزيادة الموحدة في الأقساط شكل لحظة كاشفة، لأنه عرّى منطقاً تسعيرياً لا يستند بالضرورة إلى قواعد الاكتوار القائمة على قياس المخاطر الفردية، بل إلى اعتبارات توازنات مالية عامة داخل القطاع.

وأضاف الدكتور نبيل عادل ضمن مقال منشور له، أن المؤشرات المالية المتاحة تكشف مفارقة واضحة، إذ يسجل فرع التأمين على السيارات مستويات ربحية مرتفعة رغم الخطاب الذي يروج لوجود ضغوط مالية. فحجم الأقساط المحصلة يقابله ناتج تقني مهم، غير أن جزءاً مهماً من هذه الربحية لا يأتي فقط من كفاءة تدبير المخاطر، بل من العوائد المالية الناتجة عن استثمار السيولة المتراكمة، ما يعني أن شركات التأمين باتت تؤدي، جزئياً، دور مؤسسات استثمارية تستفيد من تدفقات نقدية مستقرة ومضمونة بحكم إلزامية التأمين.

وفي تفسيره لهذه الوضعية، أشار المتحدث إلى أن طبيعة السوق نفسها تلعب دوراً حاسماً، إذ يتعلق الأمر بخدمة إجبارية، ما يحول قاعدة الزبناء إلى “طلب أسير” لا يمكنه الانسحاب أو المقاطعة، وهو ما يضعف الضغط التنافسي الذي يفترض أن يؤدي، في الظروف العادية، إلى تحسين الجودة وخفض الأسعار. واعتبر أن هذا المعطى يسمح بالحفاظ على هوامش ربح مريحة دون الحاجة إلى الابتكار السريع أو إلى إعادة النظر الجذرية في نموذج الأعمال.

كما لفت الدكتور نبيل عادل إلى أن محاولة فرض زيادة موحدة على جميع المؤمن لهم كشفت خللاً بنيوياً في آليات التسعير، لأن مهنة التأمين تقوم نظرياً على التمييز بين درجات المخاطر، لا على تعميمها. فالتسعير الجماعي، حسب تعبيره، يؤدي عملياً إلى تحميل السائقين الحذرين جزءاً من كلفة السائقين ذوي المخاطر المرتفعة، ما يفرغ مبدأ العدالة التأمينية من محتواه، ويحول السعر إلى أداة لتدبير توازنات قطاعية بدل أن يكون نتيجة مباشرة لتقييم فردي دقيق.

واعتبر أن بطء تحديث أدوات التسعير في المغرب يعمق هذا الإشكال، إذ لا يزال الاعتماد قائماً إلى حد كبير على معايير تقليدية مثل القوة الجبائية أو نوع الوقود، في حين أن الأسواق المتقدمة انتقلت إلى نماذج أكثر دقة تعتمد على تحليل البيانات والسلوك الفعلي للسائقين. ويرى أن غياب منظومة متكاملة لتقاسم المعطيات الإحصائية حول الحوادث يحد من إمكانية تطوير تسعير عادل وشفاف، ويُبقي السوق في دائرة نماذج تقديرية عامة.

وفي ما يتعلق ببنية المنافسة، شدد على أن القطاع يعرف نوعاً من “الانغلاق المنظم”، حيث تشكل متطلبات الولوج المرتفعة وتعقيد المساطر التنظيمية عائقاً أمام دخول فاعلين جدد، خصوصاً الشركات الرقمية التي يمكن أن تقدم نماذج أقل كلفة وأكثر مرونة. وأضاف أن استمرار الاعتماد المكثف على شبكات الوسطاء يرفع تكاليف التسيير، التي تصل إلى مستويات مرتفعة مقارنة بما هو معمول به دولياً، وهو ما ينعكس في النهاية على السعر الذي يتحمله المستهلك.

وأشار أيضاً إلى أن طريقة توزيع الأرباح والخسائر داخل المنظومة تطرح إشكالاً آخر، إذ يتم توجيه العوائد المالية المرتفعة إلى المساهمين خلال فترات الأداء الجيد، بينما يُعاد طرح مسألة رفع الأقساط بسرعة عند ظهور أي ضغط محتمل، سواء كان تنظيمياً أو مرتبطاً بتعديل أنظمة التعويض. واعتبر أن هذا التباين يعكس اختلالاً في توزيع المخاطر، حيث يتحمل المؤمن له الجزء الأكبر من التكاليف عند حدوث التغيرات.

وختم الدكتور نبيل عادل بالتأكيد على أن الحفاظ على استقرار القطاع يظل هدفاً مشروعاً، خاصة في ظل تجارب سابقة شهدت اضطرابات مالية، غير أن هذا الهدف لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر دائم لتقييد المنافسة أو تأجيل الإصلاحات. وأكد أن التحدي الحقيقي يتمثل في الانتقال نحو نموذج يوازن بين الاستقرار والعدالة، من خلال تطوير تسعير قائم على المخاطر الفردية، وتعزيز الشفافية، وفتح المجال أمام الابتكار، بما يسمح بتحويل التأمين من عبء مالي متزايد إلى خدمة أكثر إنصافاً وارتباطاً بالسلوك الفعلي للمؤمن لهم.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
23°
24°
أحد
22°
الإثنين
23°
الثلاثاء
23°
الأربعاء

كاريكاتير

حديث الصورة