د.بنكيران: مقاطعة الانتخابات…تضعف الفساد أم تقويه؟

07 يونيو 2026 20:50

هوية بريس – د. رشيد بن كيران

إذا تأملنا واقع العمل السياسي في المغرب، وفي مقدمته المسار الانتخابي، وجدناه محاطا بجملة من المعيقات العملية (اللائحة المغلقة والقاسم الانتخابي الجديد)، التي تحد من قدرته على إحداث الإصلاح المنشود، حتى ليبدو في كثير من الأحيان أن الانخراط فيه أشبه بالاشتغال بالعبث أو المشاركة في مسرحية مملة. غير أن وجود هذه المعيقات لا يقتضي من جهة النظر الشرعي إهدار هذا الباب بالكلية أو إغلاقه على وجه الإطلاق؛ إذ ليس من منهج الشريعة ترك الوسائل التي قد يأتي منها نفع لمجرد نقصها أو قصورها، وإنما العبرة بقدر ما تحققه من المصالح الراجحة أو تدفعه من المفاسد الغالبة، وخصوصا عند تعذر وسائل أخرى بديلة.

ومن هنا فإن النظر الفقهي الرشيد لا يجعل المشاركة السياسية طريق الإصلاح الوحيد، كما لا يجعلها طريقا معدوم الجدوى بالكلية، بل ينزلها منزلتها الحقيقية باعتبارها وسيلة من الوسائل، تخضع لفقه الموازنات والمآلات، فتستعمل بقدر ما ترجى منها منفعة معتبرة أو يدفع بها ضرر متوقع. أما الخطأ المنهجي في نظري فيكمن في أحد طرفين متقابلين:

طرف يعلق على الانتخابات جميع آمال الإصلاح حتى يجعلها بمنزلة العصا السحرية القادرة على تغيير الواقع بمجرد صناديق الاقتراع،

وطرف آخر ييأس منها يأسا مطلقا فيترك الساحة لمن يحمل مشروع الانحراف والفساد.

واللافت للنظر أن كثيرا من الأسباب التي تساق لتبرير المقاطعة هي نفسها الأسباب التي تتفاقم آثارها نتيجة هذه المقاطعة.

فمن يقاطع بدعوى انتشار الفساد أو هيمنة أصحاب الفكر المنحرف أو ضعف حضور أهل الاستقامة في المؤسسات، يسهم من حيث يشعر أو لا يشعر في توسيع المجال أمام تلك القوى نفسها، لأن الفراغ لا يبقى فراغا، وإنما يملؤه غيره. ولذلك فإن لوبيات الفساد وأصحاب الفكر المنحرف لا يضيرهم عزوف أهل الصلاح والكفاءة عن المشاركة، بل قد يكونون أكثر المنتفعين منه، إذ يخفف عنهم منافسة من يمكن أن يحد من نفوذهم أو يكشف اختلالاتهم.

ولهذا يظهر لي أن المشاركة الانتخابية، في الظروف التي يكون فيها للصوت الانتخابي أثر ولو كان محدودا في تقليل الفساد والانحراف أو تعزيز حضور الأكفأ والأصلح، تدخل في باب تغيير المنكر بحسب الاستطاعة، وفي باب التعاون على البر والتقوى، وفي السعي إلى تحصيل خير الممكن ودفع شر الممكن.

وبناء عليه، فإن الواجب ليس البحث عن المرشح الكامل الذي لا نقص فيه، فإن هذا متعذر في الغالب، وإنما الاجتهاد في تقديم الأصلح فالصالح، والأقدر على خدمة المصلحة العامة والأقل إضرارا بالدين والبلاد والعباد، عملا بالقاعدة المقررة عند أهل العلم:

أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان.

وبهذا النظر، لا تكون المشاركة تزكية مطلقة للواقع القائم، ولا رضا بكل ما يعتريه من اختلالات موضوعية أو عملية، وإنما هي ممارسة لقدر من المسؤولية الشرعية في حدود المستطاع، إذ ليس كل ما عجزنا عن إصلاحه يترك، وليس كل ما لم يتحقق فيه الكمال يهجر، بل الواجب السعي إلى تقليل الشر وزيادة الخير ما أمكن إلى ذلك سبيلا.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
21°
27°
الإثنين
24°
الثلاثاء
23°
الأربعاء
24°
الخميس

كاريكاتير

حديث الصورة