“بعث هاديا لا غازيا ﷺ”.. د.بنكيران: يا وزير توفيق يا أستاذ التاريخ

15 مايو 2026 15:51

هوية بريس – د.رشيد بن كيران

يا وزير توفيق.. يا أستاذ التاريخ: من رضيها فله الرضا، ومن سخطها فله السخط

◆ إن تصوير النبي ﷺ على أنه بُعث هاديا لا غازيا بهذه الصيغة الحادة القاطعة ليس مجرد تعبير عاطفي غير دقيق، بل هو في حقيقته مصادمة صريحة للمتواتر في السيرة النبوية والنصوص الشرعية، ومحاولة لإعادة تشكيل صورة الرسول ﷺ وفق المعيار الحقوقي والسياسي المعاصر، لا وفق الوحي الرباني والحقائق التاريخية القطعية.

فالنبي ﷺ بُعث هاديا بلا شك ورحمة للعالمين، لكن هل كانت هدايته موعظة مجردة منزوعا منها سلطان القوة والجهاد وإقامة الدولة وكسر الطغيان!!؟

هذا لم يقله القرآن ولا السنة ولا فهمه الصحابة ولا أئمة الإسلام عبر القرون.

كيف يقال لا غازيًا والنبي ﷺ نفسه قاد الغزوات بنفسه!!؟ وكيف تنفى عنه صفة ثبتت له في كتب السيرة والحديث والفقه والتاريخ!!؟ بل إن لفظ الغزو نفسه صار من أشهر ما يذكر في سيرته: غزوة بدر، وغزوة أحد، والخندق، وحنين، وتبوك… حتى صنف العلماء كتب المغازي وعدوها من أجل علوم السيرة.

◆ والأشد من ذلك أن النصوص النبوية نفسها جاءت صريحة في تقرير مشروعية الغزو والقتال والجهاد، لا باعتباره انحرافا عن الرسالة الربانية او الرحمة العالمية، بل جزءا من حراسة الدين ودفع العدوان وفتح الطريق أمام البلاغ والعدل والرحمة.

▪︎ قال ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّه» متفق عليه.

▪︎ وقال ﷺ: “بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ، حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ“. رواه أحمد وغيره، وصححه جماعة من أهل العلم.

◆ فهذه النصوص وغيرها لا يفهمها العلماء على أنها دعوة إلى العدوان والطغيان، وإنما على أن رسالة الإسلام لم تكن دعوة روحية منزوية عن الواقع والقوة والسياسة، بل رسالة تبني الإنسان والدولة معا، وتجمع بين الرحمة والحزم، وبين الدعوة والجهاد، وبين البلاغ وإزالة العوائق التي تحول دون وصول الحق.

ولهذا فإن مقابلة الهادي بالغازي مقابلة فاسدة علميا؛ لأن الغزو المشروع في الإسلام كان من آثار الهداية نفسها، لا نقيضا لها. فالرسول ﷺ لم يكن رجل حرب مجردة، ولا واعظا ناسكا مسالما منزوع السلطان، بل نبيا يوحى إليه، يقيم الدين، ويعقد المعاهدات، ويبعث الجيوش وينظم الغزوات، ويحكم بين الناس، ويقاتل عند الحاجة.

◆ أما ربط محبة المغاربة للنبي ﷺ بوفد ركراكة على نحو يوحي أن أصل التعلق المغربي بالرسول بدأ من هذه الواقعة المكذوبة، ففيه من التهويل التاريخي ما لا يخفى والاستنجاد بالخرافة.

إن رواية وفد رجراجة تبقى في أحسن أحوالها رواية تؤسس لمنقبة محليا مختلفا في ثبوتها، لم يقم عليها دليل تاريخي صلب ينهض لإثبات الصحبة وفق منهج المحدثين والمؤرخين والضوابط العلمية المقررة. وشتان بين الحكاية المحلية والحقيقة التاريخية الموثقة.

والمشكلة ليست في الاعتزاز بالحكايات المحلية، بل في تحويل الروايات غير المحررة والخرافة إلى حقائق مؤسسة للوعي الديني والتاريخي، ثم تقديمها في الخطاب الرسمي وكأنها من القطعيات.

إن محبة المغاربة للنبي ﷺ لم تُبن على قصة واحدة مختلف فيها لم تعرف في كتب الأمهات والمصادر، وإنما صنعتها الضرورة الإيمانية ومقتضياتها عبر القرآن الكريم كلام الله المقدس، وسيرة سيد الخلق العطرة وشمائله المحمدية المباركة ورحمته العظيمة بأمته، التي من أسسها أنه لا فرق عنده بين عربي ولا عجمي، ولا فارسي ولا أمازيغي، ولا أسود ولا أبيض إلا بالتقوى.

◆ أما اختزال هذا التاريخ المركب كله في وفد ركراكة المبتور فهو أقرب إلى صناعة الرمزية بالوهم منه إلى التحقيق العلمي.
والذي يزيد الإشكال أن هذا الخطاب يأتي في سياق أوسع تعاد فيه صياغة السيرة النبوية لتناسب النموذج الحداثي المعاصر: نبي أخلاقي مسالم فقط، منزوع من معاني الجهاد والسيادة وإقامة الدين. وكأن المطلوب أن يُقبَل الرسول ﷺ عند المؤسسات الدولية لا كما وصفه الله تعالى ورسوله والصحابة والعلماء.

لكن الإسلام لا يحتاج إلى تجميل انتقائي للسيرة، ولا إلى الاعتذار عن نصوص الوحي، ولا إلى تقزيم شخصية النبي ﷺ لإرضاء المنظومة الفكرية الحداثية. فالنبي ﷺ أعظم من أن يُختزل في صورة الواعظ المسالم فقط، كما أن من الظلم أن يُقدَّم وكأن الجهاد في سيرته كان حدثا عرضيا أو أمرا ثانويا هامشيا.

وختاما، من بدأ بحذف المغازي من السيرة بدعوى تجميل صورة مزيفة، قد ينتهي إلى حذف كل ما لا ينسجم مع المزاج المعاصر من الدين نفسه، وللأسف بوادر ذلك قد ظهرت.

والسيرة النبوية ليست مادة تحت الطلب، بل وحي وتاريخ وهوية أمة، فمن رضيها فله الرضا ، ومن سخطها فله السخط.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
22°
22°
أحد
22°
الإثنين
23°
الثلاثاء
23°
الأربعاء

كاريكاتير

حديث الصورة